- يسلط اتفاق الاتحاد الأوروبي على دفع تعريفة جمركية بنسبة 15% على صادرات الأدوية إلى الولايات المتحدة الضوء على أن القواعد العالمية لتطوير الأدوية تُعاد كتابتها.
- يواجه المرضى الأوروبيون خطر الانتظار للحصول على أدوية اكتشفها علماء من أوروبا نفسها، ما يعني أن نموذج الابتكار الحالي يحتاج إلى إصلاح شامل.
- سيكون خفض منحنى التكاليف وإصلاح القواعد التنظيمية عنصرين أساسيين في إعادة تشكيل ابتكار علوم الحياة في أوروبا وجعله مجدياً تجارياً.
يمثل اتفاق الاتحاد الأوروبي على دفع تعريفة جمركية بنسبة 15% على صادرات الأدوية إلى الولايات المتحدة، منهياً التزاماً دام 30 عاماً بإلغاء الرسوم الجمركية على الأدوية، أحدث إشارة إلى أن قواعد تطوير الأدوية عالمياً تُعاد صياغتها.
وقد انصب معظم الاهتمام على الحد من الأضرار، لكن التركيز ينبغي أن يتحول إلى الاستراتيجية. فقد حذر كلايتون كريستنسن، الاقتصادي الراحل في جامعة هارفارد، من أن اللعبة الجديدة تبدأ قبل انتهاء اللعبة القديمة، وأن السلوكيات التي جعلت الشركات ناجحة قد تعميها عن النماذج الأبسط والأكثر كفاءة التي تحل محلها في النهاية.
بالنسبة إلى علوم الحياة الأوروبية، فقد حانت تلك اللحظة.
تاريخياً، كان النموذج منطقياً: تمويل علوم أساسية عالمية المستوى، وتقليل مخاطرها عبر شركات ناشئة مرنة، ثم تسليم النتائج إلى المستثمرين الأميركيين من أجل التوسع التجاري. لم يكن المرضى الأوروبيون يخسرون، وكانت التكاليف تُسترد من خلال الأسعار المرتفعة في الولايات المتحدة، فيما كانت الأدوية تصل إلى الأنظمة الصحية الأوروبية بأسعار تستطيع ميزانياتها تحملها.
لكن مع تجاوز تكاليف التطوير 2.5 مليار دولار لكل دواء معتمد، أصبح هذا المنطق أكثر هشاشة. فقد كانت سياسات التسعير الأوروبية القائمة على القيمة تجعل الأسواق الأصغر في الاتحاد الأوروبي أقل جاذبية بالفعل. وجاءت أجندة «أميركا أولاً» لتزيد هذا الضغط عبر التعريفات الجمركية، وتسعير الدولة الأكثر رعاية، وخفض تمويل العلوم، وإصلاح إدارة الغذاء والدواء الأميركية، ما حوّل السوق الأميركية إلى حصن وجذب الشركات نحوها بشكل شبه كامل.
تواجه الشركات التي تطلق منتجاتها أولاً في أوروبا خطر استخدام أسعارها كمرجع لخفض الأسعار في الولايات المتحدة، وقد بدأت تظهر بالفعل مؤشرات مبكرة على تأخيرات وإلغاءات. كما يواجه المرضى الأوروبيون خطر الانتظار للحصول على أدوية اكتشفها علماء من أوروبا نفسها. وتوضح هذه التحولات في السياسات أمراً واحداً: نموذج الابتكار الحالي يقترب من نهايته، وليس في أوروبا وحدها.
تجري الشركات التجارب السريرية حيث تنوي التسويق التجاري، ومع تحوّل الإطلاق في أوروبا بشكل متزايد إلى عبء تجاري، ومع تقديم الصين تكاليف أقل وسوقاً متنامية، تتراجع الحوافز لإجراء التجارب في أوروبا. فقد انخفضت حصة المنطقة الاقتصادية الأوروبية من التجارب السريرية عالمياً إلى النصف تقريباً خلال 10 سنوات، لتصل إلى 12% فقط في عام 2023، بينما ارتفعت حصة الصين من 8% إلى نحو 30%.
إن القارة التي لم تعد تجري التجارب السريرية تختار عملياً الابتعاد عن عملية توليد البيانات التي تغذي الذكاء الاصطناعي والاكتشافات الجينومية. وبينما يركز النقاش الأوروبي على مجاراة رأس المال الأميركي عالي المخاطر، فإن التمويل ليس سوى نصف المعركة. أما التحدي الحقيقي فهو إعادة تخيل عملية الابتكار بما يتوافق مع الميزانيات العامة المستدامة.
خفض منحنى تكاليف البحث والتطوير
عند تطبيق الذكاء الاصطناعي عبر سلسلة البحث والتطوير بأكملها، فإنه يمثل ثورة معلوماتية مطبقة على علم الأحياء. إن معدل الفشل في الصناعة، البالغ 90%، وتكلفة التطوير التي تصل إلى 2.5 مليار دولار، ليسا قانونين من قوانين الطبيعة؛ بل هما نتيجة العمل بمعلومات غير كافية.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحدد الجزيئات التي يُرجح أن تفشل قبل الاختبارات السريرية، وأن يتنبأ بالآثار الجانبية الضارة قبل تصنيع الأدوية. والأدلة مشجعة، إذ يجري بالفعل تسجيل تخفيضات في تكاليف المرحلة ما قبل السريرية تتراوح بين 30% و70%. وباستخدام الذكاء الاصطناعي، تمكنت شركة إنسيليكو ميديسن من نقل مركب جديد لعلاج التليف إلى التجارب خلال 18 شهراً، مقارنة بمتوسط صناعي يتراوح بين خمس وست سنوات، في إشارة مبكرة إلى ما يمكن تحقيقه.
لكن الجائزة الأكبر لا تزال في المستقبل. فمعظم تكاليف تطوير الأدوية تتركز في المراحل السريرية، حيث توجه شركات الأدوية بشكل متزايد استثماراتها في الذكاء الاصطناعي نحو تصميم التجارب، واستراتيجيات الجرعات، وتحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة من العلاج.
إصلاح التنظيم وإتاحة الوصول إلى البيانات الصحية
جعلت قواعد التسعير وفق مبدأ الدولة الأكثر رعاية إطلاق الأدوية في أوروبا عبئاً تجارياً فعلياً، ما يترك المرضى الأوروبيين عرضة لخطر فقدان الوصول إلى الأدوية المبتكرة. لقد تغيرت معادلة التكلفة والمنفعة: فأضرار حجب الابتكار أصبحت الآن أكبر من مخاطر الموافقة عليه في وقت أبكر مع مراقبة مستمرة للسلامة.
تمتلك أوروبا بالفعل الأدوات اللازمة للتحرك في هذا الاتجاه. فقد أمضى إطارها الخاص بالأدوية اليتيمة عقوداً في إيصال العلاجات إلى مرضى الأمراض النادرة بسرعة أكبر، من خلال الموافقة عليها في وقت مبكر مع الاستمرار في مراقبة سلامتها وفعاليتها، ما يمكّن الشركات من تحقيق الإيرادات وبناء قاعدة الأدلة في الوقت نفسه.
كما بدأ الاتحاد الأوروبي جهداً تنظيمياً كبيراً للتنسيق، يشمل إصلاح التشريعات الصيدلانية، والبنية التحتية للتجارب السريرية، وإتاحة الوصول إلى البيانات الصحية. ومع تحوّل تأخر الوصول إلى الأدوية إلى تحدٍّ يتجاوز الأمراض النادرة بكثير، فإن تطبيق المنطق نفسه على الحالات التي تؤثر في ملايين الأشخاص، بدعم من أنظمة ذكاء اصطناعي تراقب إشارات السلامة في الوقت الحقيقي، سيستبدل عقبة الموافقة الحالية بنظام أسرع وأكثر تكيفاً.
وتتمثل المكافأة في ميزة بيانات تعزز نفسها ذاتياً. فبدعم من فضاء البيانات الصحية الأوروبي، يولد هذا النهج أدلة لا يستطيع النظام الأميركي المجزأ ولا السكان الأقل تنوعاً في الصين مجاراتها بسهولة.
ومع قوة هذه الدورة، تنتج البيانات الأكثر نماذج أفضل، وتنتج النماذج الأفضل أدوية أفضل، وتولد الأدوية الأفضل أدلة أغنى في المقابل. تمتلك أوروبا ميزة هيكلية لن تصمد فحسب، بل ستتضاعف قوتها مع الوقت.
إطلاق عائد الشجاعة لعلوم الحياة الأوروبية
من شأن هذين العاملين معاً أن يحولا أوروبا من مختبر تجريبي إلى مركز مستدام ذاتياً. يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على تقليل عدد البرامج التي تفشل في الاختبارات السريرية، ما يخفض التكلفة الإجمالية للوصول إلى الموافقة. ومع انخفاض تكاليف التطوير، ستبدأ مستويات الأسعار الأوروبية القائمة على القيمة في أن تصبح منطقية تجارياً.
وتدعم الأدلة الناشئة هذا الاتجاه، إذ تُظهر الجزيئات المطورة انطلاقاً من الذكاء الاصطناعي بالفعل معدلات نجاح في المرحلة الأولى أعلى بكثير من المتوسط التاريخي للصناعة. وإذا صُمم النموذج حول هذه المستويات السعرية والقيمة السريرية بدلاً من الاستثناء الأميركي، فإنه يمكن أن يتحرك في الاتجاهين: نحو أسواق النمو متوسطة الدخل حيث تكون الميزانيات أكثر تقييداً، ونحو الولايات المتحدة التي تعيد هي نفسها تسعير نموذج الابتكار الخاص بها.
