القائمة الرئيسية

لماذا تجعل الاقتصاديات هذه أغرب نسخة من كأس العالم على الإطلاق؟

لماذا تجعل الاقتصاديات هذه أغرب نسخة من كأس العالم على الإطلاق؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف تحوّلت كأس العالم 2026 إلى تجربة اقتصادية غير مسبوقة، لا بسبب حجم البطولة واتساعها الجغرافي فقط، بل بسبب نموذج تسعير جديد يقوده الفيفا عبر التذاكر الديناميكية وإعادة البيع، ما يضغط على الجماهير ويرفع الإيرادات إلى مستويات قياسية، بينما تتحمل المدن المضيفة تكاليف الأمن والنقل دون أن تستفيد كثيراً من عائدات التذاكر. وتكشف المقالة كيف يعكس هذا النموذج اقتصاداً «على شكل حرف K»، حيث تُصمم التجربة أكثر فأكثر للأثرياء، في وقت يأمل فيه الفيفا أن تُعاد هذه الأموال إلى تطوير كرة القدم عالمياً، وسط تساؤلات حادة حول ما إذا كانت هذه النسخة ستغيّر مستقبل اللعبة أم تفقدها روحها الجماهيرية.

نادراً ما تكون بطولات كأس العالم لكرة القدم خالية تماماً من السياسة، لكن لم يسبق للعبة الجميلة أن سارت على حبل جيوسياسي مشدود بهذا الشكل. فالمضيف الرئيسي في حالة حرب مع أحد المشاركين، الذي يتعين على فريقه التنقل يوم المباريات من دولة أخرى.

أضف إلى ذلك المصادفة المذهلة حقاً المتمثلة في أن الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وهي الدول الثلاث المضيفة لكأس العالم 2026، تخوض في الوقت نفسه حرباً تجارية كبرى. بل إن الدول الثلاث، خلال الفترة الممتدة بين حفل الافتتاح في ملعب أزتيكا والنهائي في ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، ستكون بصدد إعادة التفاوض على اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، منطقة التجارة الحرة في أمريكا الشمالية.

يولي دونالد ترامب اهتماماً بالغاً بالبطولة ورعاتها والتأثير الناتج عن عودته إلى البيت الأبيض العام الماضي. بل إن الرئيس الأمريكي مازح قائلاً إن خسارته أمام جو بايدن في انتخابات 2020 كانت لها فائدة كبيرة، إذ أتاحت له العودة من أجل كأس العالم هذه، وأولمبياد لوس أنجلوس في عام 2028.

وبعد تجدد الأعمال العدائية بين إيران وإسرائيل، كان ترامب مباشراً إلى حد كبير في دعوته إلى وقف الهجمات. ومع اقتراب انطلاق البطولة مساء الخميس، بدا أنه ألغى ضربات جوية جديدة، ووعد على ما يبدو بأن اتفاقاً لإنهاء الحرب بات قريباً. وفي وقت سابق من اليوم نفسه، كان قد تعهد بضرب إيران «بقوة شديدة». وكما هي الحال دائماً مع ترامب، يمكن أن يتغير الكثير بسرعة كبيرة.

وقد سبق له أن قبل، بشكل مثير للجدل، جائزة سلام من الفيفا، قبل أن يبدأ الحرب مع إيران التي أدت إلى صدمة كبيرة في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. بل إن هناك احتمالاً لأن تلعب الولايات المتحدة وإيران ضد بعضهما في مرحلة خروج المغلوب خلال عطلة نهاية الأسبوع التي توافق احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة.

قبل كأس العالم 2026، قبل دونالد ترامب جائزة سلام من الفيفا

سبق لجياني إنفانتينو، رئيس الفيفا، أن دعا إلى وقف إطلاق النار خلال بطولات كأس العالم. وإذا ساعدت كأس العالم في تسريع وتيرة التحركات نحو خفض التصعيد، فقد يكون لذلك تأثير ملموس على أسعار الطاقة والإمدادات والاقتصاد العالمي.

أما ما إذا كانت كأس العالم قادرة فعلاً على التأثير في الصراع الاقتصادي الأكبر في العالم، فلا أحد يدري. لكن لا تخطئوا التقدير، فهناك جزء آخر من الأحجية الاقتصادية يحدث أمام أعين مشجعي كرة القدم في أنحاء العالم. إنه تغيير شامل في اقتصاديات كرة القدم، وأحد أوضح الأمثلة على الطريقة التي تعمل بها بعض الاقتصادات الكبرى في العالم بشكل متزايد.

جماهير تحت الضغط

قال جوك ستاين، مدرب منتخب اسكتلندا الراحل والأسطوري في كأس العالم، ذات مرة: «كرة القدم لا تعني شيئاً من دون الجماهير». لكن بعض الجماهير في أكبر احتفال كروي في العالم ستكون قد دفعت مبالغ غير مسبوقة مقابل مباريات قد يتبين أنها بلا أهمية حقيقية، بينما تدفع تقريباً ما يعادل سعر التذكرة العادي فقط لركوب قطار الضواحي للوصول إلى الملعب. وخير مثال على ذلك تذكرة قطار نيوجيرسي ترانزيت، التي يبلغ سعرها عادة 12.90 دولاراً ذهاباً وإياباً، لكنها ستصل إلى 100 دولار خلال البطولة.

تتعرض الجماهير لضغط غير مسبوق، لأن هذه البطولة تقوم على نموذج اقتصادي مختلف تماماً عما سبقها. ففي البداية، تُقام البطولة إلى حد كبير في ملاعب كرة قدم أمريكية مستعارة، مع إقامة ربع المباريات في كندا والمكسيك، تاركةً رياضة الكرة البيضاوية الأمريكية بصمتها عليها، وربما بشكل لا يُمحى.

تحوّل هذه البطولة اللعبة الجميلة إلى لعبة وفيرة الأرباح بالنسبة للجهة المنظمة، الفيفا. وقد تكون هذه النسخة من كأس العالم الأكثر تأثيراً على الإطلاق من الناحية الاقتصادية، لكن ليس للسبب التقليدي المتمثل في تنشيط النشاط الاقتصادي في الدول المضيفة أو إطلاق موجة إنفاق مدفوعة بالحماس في البلدان التي تحقق منتخباتها مسيرة ناجحة في البطولة.

قال مدرب اسكتلندا السابق جوك ستاين عبارته الشهيرة: «كرة القدم لا تعني شيئاً من دون الجماهير»

بدلاً من ذلك، تمثل هذه البطولة دراسة حالة لما يُعرف بالاقتصاد على شكل حرف K داخل الاقتصادات المتقدمة التقليدية في العالم، حيث تعيش فئات مختلفة داخل المجتمع نتائج مالية شديدة التباين، وعند رسمها على مخطط بياني يظهر خط يتجه صعوداً بشكل قطري، كما في حرف K، وخط آخر يتجه نزولاً بشكل قطري، كما في حرف K أيضاً.

ويستند ذلك إلى نوع من المحاولة لإحداث ثورة اقتصادية في آلية التسعير، وهي آلية تبدو بوضوح أنها تمنح قيمة أكبر لنوع معين من المشجعين: أولئك الموجودين على الخط الصاعد قطرياً في ذلك الرسم البياني. ومن المهم القول إن للفيفا رؤية مختلفة تماماً للأمور، إذ يشدد على أن تلك الإيرادات الوفيرة من التذاكر ستُعاد توزيعها على طريقة روبن هود لتطوير كرة القدم في أفقر دول العالم.

البطولة الأكبر

هذه البطولة ضخمة جداً، جداً. فهي تضم أكبر الملاعب، وأكبر عدد من المباريات بفارق كبير بعد توسيع البطولة من 32 إلى 48 منتخباً، ومن المرجح أن تحقق أعلى نسبة مشاهدة تلفزيونية عالمية لأي حدث على الإطلاق، كما تُقام على أوسع رقعة جغرافية شهدتها البطولة، من فانكوفر إلى مكسيكو سيتي. ومن الممكن أن يكون المنتخب الفائز قد اضطر إلى قطع مسافة تعادل قطر كوكب الأرض.

ثم هناك الأسعار. مقارنة بتكلفة مشاهدة كرة القدم على مستوى النخبة في أي سياق آخر، فإن الأسعار المفروضة لحضور المباريات تتجاوز كل الحدود الفلكية. مبالغ من خمسة أرقام بالدولار لحضور النهائي، ونحو 1000 دولار كسعر تقريبي معتاد لتذكرة إحدى مباريات دور المجموعات الأكثر جاذبية في بداية البطولة، وحتى «الصفقات الرخيصة» تكلف بضع مئات من الدولارات لمباراة غير بارزة.

إنها منجم ذهب اقتصادي.

وهي أيضاً أكبر تجربة على نطاق واسع لمحاولة تغيير آلية التسعير في أحداث من هذا النوع. فقد ظهر استخدام التسعير الديناميكي، أي تعديل الأسعار صعوداً أكثر فأكثر مع ارتفاع الطلب، في تذاكر الحفلات الموسيقية وبعض الأحداث الرياضية، لكن لم يحدث ذلك قط بهذا الحجم.

قد يسمون اللعبة في أمريكا «سوكر»، لكنها هنا بالتأكيد اقتصاديات كرة القدم الأمريكية. ففي دوري كرة القدم الأمريكية، يُصمم تسعير المقاعد وفقاً لإدارة العائد، حيث يُمنح تعظيم الإيرادات أولوية أعلى من مجرد بيع جميع مقاعد الملعب. فالرياضة الأمريكية تُسعّر عند الطرف الفاخر الأعلى، إلى حد أن معظم الملاعب باتت تتقلص من حيث السعة، ويُعاد بناؤها بمليارات الدولارات مع أجنحة ضيافة وصالات فاخرة في أماكن كانت تضم مقاعد للجماهير.

تستخدم العديد من ملاعب دوري كرة القدم الأمريكية التسعير الديناميكي المصمم لتعظيم الإيرادات بدلاً من مجرد ملء المقاعد

إن المعروض من هذه التجارب محدود بطول الموسم؛ ففي دوري كرة القدم الأمريكية لا يملك كل فريق سوى تسع مباريات على أرضه، أي ما يقارب نصف عدد المباريات في كبرى دوريات كرة القدم الأوروبية، ولذلك تصبح كل مباراة في الدوري الأمريكي أكثر أهمية.

وقد وفر التسعير الديناميكي، خصوصاً لتذاكر الضيافة، الوسيلة التي تتيح للفرق الضغط بقوة على الإيرادات، لا سيما أن قواعد دوري كرة القدم الأمريكية تنص على توزيع عائدات التلفزيون الضخمة بشكل أكثر توازناً مما هو عليه الحال في كرة القدم. ومع كون جميع الملاعب الأمريكية الـ11 المستضيفة لكأس العالم ملاعب لدوري كرة القدم الأمريكية، فإن هذه الرياضة تترك بصمتها على لعبة تحمل اسماً قريباً منها لكنها مختلفة تماماً.

كل ذلك يختلف كثيراً عن البطولات السابقة. فقد كان جزء أساسي من منطق الاستضافة يقوم على المساعدة في تحفيز إنشاء بنية تحتية جديدة، بما في ذلك النقل وبناء الملاعب أو إعادة بنائها.

وقد قدمت نسخة 2026 نفسها باعتبارها بطولة خفيفة الأصول، تتجنب المنشآت المكلفة قليلة الاستخدام بعد البطولة، مثل ملعب مياغي في اليابان، وملعب غرين بوينت في كيب تاون بجنوب أفريقيا، وملعب ماناوس الذي بلغت تكلفته 300 مليون دولار في قلب الأمازون. وغالباً ما كانت هذه التكاليف تُغطى من ميزانيات الإنفاق الرأسمالي لدافعي الضرائب في الدول المضيفة. وفي المقابل، كانت تلك الدول ترى أن هذه الاستثمارات تستحق العناء باعتبارها تمريناً في بناء صورة الدولة وتسويقها في عالم أكثر عولمة. لكن الملاعب الثلاثة واجهت صعوبة في جذب استخدام منتظم كافٍ بعد انتهاء البطولة.

أما نسخة 2026 فقد قلبت هذا المنطق إلى حد كبير، مع استثناء بسيط يخص المكسيك. فقد استأجر الفيفا الملاعب، وهي في معظمها ملاعب دفع تكاليفها مشجعو كرة القدم الأمريكية، ثم اتجه بقوة إلى تعظيم الإيرادات من خلال تسعير على الطريقة الأمريكية. وبينما شهدت البطولات السابقة تكاليف بناء ضخمة دفعها دافعو الضرائب والاقتراض، فإن تكاليف 2026 يدفعها بدلاً من ذلك الحاضرون. وسترتفع الإيرادات المحصلة بقوة، بفضل زيادة عدد المباريات، وحجم الملاعب، وبالطبع هذه الأسعار المذهلة للتذاكر.

ولا يزال مقدار الإيرادات التي ستُجمع من التذاكر والضيافة غير واضح. فقد كان التوقع الأولي أن ترتفع إلى أكثر من ثلاثة أضعاف، من 929 مليون دولار في كأس العالم 2022 في قطر إلى أكثر من 3 مليارات دولار. ويعتقد ريتشارد شيهان، أستاذ الاقتصاد وخبير تمويل الرياضة في جامعة نوتردام، أن إجمالي إيرادات التذاكر والضيافة في بطولة هذا العام قد يتجاوز 7 مليارات دولار، أي زيادة بسبعة أضعاف. وهو يفترض أن إيرادات التذاكر لكل مباراة لن تتضاعف فقط مقارنة بـ15 مليون دولار في كأس العالم الماضية، بل سترتفع بنحو خمسة أضعاف تقريباً لتصل إلى 71 مليون دولار.

حقق الفيفا 929 مليون دولار من مبيعات التذاكر والضيافة في كأس العالم 2022 في قطر

قد تكون هذه البطولة فرصة ذهبية للمدن المضيفة المحظوظة، ومالكي الملاعب، والفرق واللاعبين، لكن على الأرجح لن تكون كذلك. فعلى عكس نسخة الولايات المتحدة 1994، لا تشارك المدن في هذه الإيرادات المتصاعدة من التذاكر. فقد تم استئجار الملاعب مقابل مبلغ ثابت. كما أن الجوائز المالية محددة مسبقاً. أما المدن، فتواجه ضرورة تمويل التكاليف.

وأوضح آلان روثنبرغ، الذي قاد اللجنة المنظمة لكأس العالم 1994 في الولايات المتحدة، لبرنامج بي بي سي وورلد سيرفيس: «الأمر مختلف تماماً من الناحية الهيكلية. لذلك لا يمكنك المقارنة حقاً. في عام 1994، احتفظ الفيفا بعائدات التسويق الدولي والبث التلفزيوني، ثم سلّم البطولة بأكملها إلى الاتحاد الأمريكي لكرة القدم، الذي أنشأ بدوره كياناً منفصلاً لإدارتها.

«لذلك كان لدينا كيان واحد في هذا البلد نديره نحن. ومُنحنا بعض فئات الرعاية الجذابة وفرص الترخيص، إضافة إلى فرص بيع التذاكر».

وفي عام 2026، ردّت بعض المدن بمحاولة استرداد تكاليف الأمن والنقل المرتبطة باستضافة البطولة. فقد ارتفع سعر قطارات النقل من نيويورك عشرة أضعاف، قبل أن يُخفض قليلاً إلى 98 دولاراً. أما رابط القطار في بوسطن فيبلغ 80 دولاراً. وماذا عن ركن السيارة؟ تتراوح الأسعار الرسمية لتصل إلى 175 دولاراً، بل وحتى 225 دولاراً.

وهذا عالم مختلف تماماً عن النقل المجاني الذي قُدم لحاملي التذاكر في بطولات قطر عام 2022، وألمانيا عام 2010، واليابان عام 2002، وفرنسا عام 1998. ففي اليابان، اصطف متطوعون محليون على الطرق الممتدة من محطات القطار فائق السرعة إلى الملاعب، وكان السكان المحليون ينحنون للجماهير، ويقدمون لهم الطعام، وفي بعض المناسبات، بعدما كانت آخر القطارات قد غادرت، دفعوا تكاليف سيارات الأجرة لإعادتهم إلى منازلهم.

يقول آلان روثنبرغ، منظم كأس العالم 1994 في الولايات المتحدة، إن النموذج المالي للبطولة كان مختلفاً جداً عما هو عليه اليوم

بعد ردود فعل غاضبة، يشير الفيفا إلى طرح بعض التذاكر بأسعار أقل، مثل 60 دولاراً، لتوزيعها عبر الاتحادات الوطنية. أما التطور الجديد الأبرز فكان محاولة دمج السوق الثانوية، أي بيع التذاكر بأسعار أعلى من قيمتها، أو ما يُعرف في الولايات المتحدة باسم «السكالبينغ»، داخل نظام تذاكر الفيفا. ويمكن لمعظم المشجعين تقريباً إعادة عرض تذاكرهم للبيع من دون أي سقف سعري على الإطلاق، بينما يحصل الفيفا على حصة قدرها 15% من كل من البائع والمشتري. كما جرى تخصيص بعض التذاكر عبر نظام للمقتنيات الرقمية المرتبطة بالعملات المشفرة، مبني على سلسلة الكتل الخاصة بالفيفا. ويقول الفيفا إنه ينتزع علاوة أرباح سماسرة التذاكر ويحوّلها لصالحه ولصالح مجتمع كرة القدم العالمي.

وتذهب مليارات الدولارات من الأموال الإضافية في البداية إلى احتياطيات الفيفا، مع وعد بتوزيع أمواله على عائلة كرة القدم العالمية. ويشير الفيفا إلى أن هذا التمويل على مستوى القواعد الشعبية ساعد دولاً مثل الرأس الأخضر على التأهل لبطولة هذا العام، بفضل تحسين البنية التحتية وتطوير اللعبة على مستوى القاعدة. ويميل الفيفا إلى توزيع هذه الأموال التنموية بالتساوي على الاتحادات الأعضاء البالغ عددها 211 اتحاداً، ما يعني أن دولة صغيرة مثل مونتسرات تحصل على مكاسب مفاجئة من الفيفا تعادل 2.5% من ناتجها المحلي الإجمالي السنوي، أو 500 دولار لكل شخص. وقد وُجد نموذج التوزيع المتساوي منذ تسعينيات القرن الماضي، ثم تعزز بقوة على يد رئيس الفيفا جياني إنفانتينو باعتباره جزءاً من تعهده الانتخابي. ويقوم هذا النموذج على نظام «دولة واحدة، صوت واحد»، وهو النظام الذي استُخدم أيضاً لاختيار الدول المستضيفة لكأس العالم اعتباراً من هذا العام.

يقول الفيفا إن الاستثمار في كرة القدم على مستوى القواعد الشعبية ساعد الرأس الأخضر على التأهل إلى كأس العالم 2026

كل ذلك كان قبل أن ينتشر التسعير الديناميكي. وإذا كانت تقديرات نيدهام صحيحة، فإن متوسط إيرادات الفيفا السنوية، البالغ 3.9 مليارات دولار، يتجاوز الآن ميزانية منظمة الصحة العالمية، ويقترب من الميزانية الأساسية للأمم المتحدة.

«ما ترونه الآن في كأس العالم هو على الأرجح أول إدخال حقيقي للتسعير الديناميكي في أكثر صوره ديناميكية واكتمالاً... فالفيفا، في الأساس، يأخذ كل احتمالات المضاربة على التذاكر وينقلها كلها إلى داخل منظومته».

في الوقت الحالي، تعني آلية التسعير أنه من غير الواضح بالضبط حجم الإيرادات التي ستتحقق، لكن أسعار التذاكر تخلق كتلة مالية ضخمة للغاية. ومن الناحية النظرية، سترحب الغالبية الساحقة من الدول الصغيرة بهذه الأموال، وهي دول لن تتأهل أبداً إلى كأس العالم، ولن ترسل مشجعين لدفع أسعار التذاكر، لكنها تشكل القاعدة الانتخابية في انتخابات رئاسة الفيفا وقرارات اختيار الدول المستضيفة. فالإوزة التي تبيض ذهباً تتلألأ حالياً من حيث القيمة.

لكن مع فتح أبواب كأس العالم، هناك خطر ناتج عن هذا التسويق التجاري المفرط.

هل ستكون الملاعب ممتلئة؟ هل ستكون هناك جيوش من المشجعين من الدول الـ48 تخلق ذلك النوع من الأجواء الذي كان سيرضي جوك ستاين؟ هل سيضطر الفيفا إلى تكرار ما حدث في كأس العالم للأندية العام الماضي، عندما خفّض أسعار التذاكر إلى 11 دولاراً فقط لملء المقاعد؟ وفي هذا السياق، ما ليس واضحاً هو ما إذا كان نموذج التسعير الديناميكي لدى الفيفا يعطي الأولوية لتعظيم الإيرادات أم لضمان بيع جميع التذاكر.

في الشهر الماضي، قال إنفانتينو في مؤتمر اقتصادي: «علينا أن نطبق أسعار السوق»، مضيفاً أن كرة القدم يجب أن تتكيف مع هذا «السوق الخاص جداً». لكن من الواضح، مع ذلك، أن السماح بأسعار إعادة بيع غير محدودة، واختيار جولات متكررة وعدوانية من زيادات الأسعار المدفوعة بالطلب، هو قرار بحد ذاته.

نموذج مختلف جداً

النموذج الأوروبي، الذي تتبعه أندية مثل باريس سان جيرمان، بطل أوروبا مرتين متتاليتين، يقوم على تذاكر موسمية رخيصة جداً في طرفي الملعب خلف المرميين، مقابل أسعار استثنائية للشركات في المقاعد الأقرب إلى خط منتصف الملعب. والفكرة هي أن الشركات ستنجذب جزئياً إلى المشهد والضجيج اللذين تصنعهما جماعات المشجعين المتحمسين خلف المرميين في المقاعد الرخيصة. أما الخطر بالنسبة لكأس العالم، فهو أن يضيع كل ذلك.

هناك بعض المؤشرات على أن نموذج تسعير كأس العالم يواجه رد فعل عكسياً. فقد انخفضت أسعار إعادة البيع في المباريات منخفضة الطلب؛ إذ كان بالإمكان شراء تذكرتين تبلغ قيمتهما الاسمية 620 دولاراً، أي 471 جنيهاً إسترلينياً، مقابل 171 جنيهاً إسترلينياً على موقع إعادة البيع الخاص بالفيفا نفسه، أي بسعر أقل بنسبة 64%.

كيف تتراجع أسعار كأس العالم

إعادة البيع والسوق الثانوية

المباراةالقيمة الاسميةإعادة البيع عبر الفيفاسيت غيك
قطر ضد سويسرا471 جنيهًا إسترلينيًا243 جنيهًا إسترلينيًا374 جنيهًا إسترلينيًا
جمهورية التشيك ضد جنوب أفريقيا289 جنيهًا إسترلينيًا190 جنيهًا إسترلينيًا182 جنيهًا إسترلينيًا
الأردن ضد الجزائر353 جنيهًا إسترلينيًا137 جنيهًا إسترلينيًا169 جنيهًا إسترلينيًا
كوراساو ضد ساحل العاج289 جنيهًا إسترلينيًا152 جنيهًا إسترلينيًا255 جنيهًا إسترلينيًا
جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد أوزبكستان236 جنيهًا إسترلينيًا152 جنيهًا إسترلينيًا233 جنيهًا إسترلينيًا

بيعت أعداد قليلة من تلك التذاكر البالغ سعرها 98 دولاراً على قطار نيوجيرسي. وبدأت السلطات في نيويورك ونيوجيرسي وكاليفورنيا والاتحاد الأوروبي النظر في شكاوى تتعلق باستراتيجيات بيع التذاكر. ووصفت جينيفر دافنبورت، المدعية العامة في نيوجيرسي والمدعية الرئيسية في الولاية التي تستضيف نهائي الشهر المقبل، الأمر بأنه «مسار مرهق من الارتباك والندرة المصطنعة والأسعار المستحيلة». أما ما إذا كانت الولاية تملك أي اختصاص قانوني على منظمة «غير ربحية» مقرها سويسرا، فذلك غير واضح. وقد رفض الفيفا التعليق.

السؤال المفتوح هو ما إذا كان الفيفا قد دفع هذه التجربة في التسعير إلى نقطة الانهيار. ويبدو من غير المرجح أن يتسامح المشجعون في المدن المضيفة لكأس العالم المقبلة عام 2030 في إسبانيا والبرتغال والمغرب مع مثل هذه الأسعار. كما أن السلطات البريطانية والأيرلندية استبعدت ذلك بالفعل عندما تستضيف يورو 2028، حين تتنافس كبرى دول كرة القدم الأوروبية فيما بينها. ويأتي ذلك في وقت يمكن فيه للذكاء الاصطناعي أن يتيح الابتكار الكبير التالي في تسعير الخدمات: أسعاراً شخصية مختلفة لكل فرد، بناءً على بياناته.

بدأت بعض أندية الدوري الإنجليزي الممتاز بتجربة تسعير مجموعة مختارة من المقاعد بشكل ديناميكي لزيادة الإيرادات. وهذا يتعارض مع النموذج التقليدي القائم على شراء المشجع الوفي تذكرة موسمية بسعر ثابت. وإذا بدا أن تجربة الفيفا هذه ناجحة، فقد تشجع المالكين المرتبطين بدوري كرة القدم الأمريكية في عدد من الأندية الأوروبية على محاولة تسعير التذاكر بطريقة مشابهة، خصوصاً لتمويل ملاعب جديدة.

الاقتصاد على شكل حرف K

لقد طُبق نموذج دوري كرة القدم الأمريكية على حدث يملكه العالم. وقد يظهر الاقتصاد الأمريكي «على شكل حرف K» داخل الملاعب، حيث يحقق أغنى 10% طفرة تقود ما يصل إلى نصف إجمالي الإنفاق الاستهلاكي، وفقاً لمحللي موديز، بينما تشهد مستويات الدخل الأخرى ركوداً وتراجعاً. والتسعير الديناميكي هو تقنية تبحث عن تلك الشريحة البالغة 10%، وتعيد تسعير ما كان في السابق تجربة جماهيرية للناس العاملين العاديين، ليصبح تجربة نخبوية يغذيها ازدهار التكنولوجيا.

أما الأمل الأوسع لدى كثير من الدول المضيفة، فهو أن تؤدي الآثار التقليدية المرتبطة بالحماس والتفاؤل إلى تعزيز ثقة المستهلكين والاستثمار في كرة القدم. وقد أظهرت الأبحاث وجود بعض هذه الآثار، خصوصاً في الدول المضيفة التي تحقق نتائج جيدة، إلى جانب آثار سلبية على أسواق الأسهم عندما تُقصى المنتخبات. وظهرت بعض المؤشرات في أحدث أرقام الوظائف الأمريكية على خلق عشرات الآلاف من الوظائف الجديدة، خصوصاً في قطاع الضيافة، والمرتبطة بكأس العالم. غير أن الأثر العام على الاقتصاد سيكون محدوداً بسبب الحجم الهائل للاقتصاد الأمريكي وطفرة استثماراته في الذكاء الاصطناعي. وقد تجد مباراة الأردن ضد الجزائر صعوبة في صرف انتباه سان فرانسيسكو عن دورها الحالي في ولادة طروحات شركات ذكاء اصطناعي بتقييمات تصل إلى تريليونات الدولارات في سوق الأسهم.

مقالات ذات صلة