القائمة الرئيسية

لماذا سيخلق روّاد الأعمال المليار وظيفة المقبلة لا الخوارزميات

لماذا سيخلق روّاد الأعمال المليار وظيفة المقبلة لا الخوارزميات
ملخص المقال

وفقاً للبنك الدولي، سيبلغ 1.2 مليار شاب في الاقتصادات النامية والناشئة سن العمل خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة، لكن التقديرات الحالية تشير إلى أنه لن يتم خلق سوى نحو 400 مليون وظيفة لتلبية هذا الطلب. ولهذا، من غير المرجح أن تأتي المليار وظيفة المقبلة لهؤلاء الشباب من خوارزميات الذكاء الاصطناعي وحدها، بل ستأتي من روّاد الأعمال الذين يستخدمون تلك الخوارزميات لخلق قيمة حقيقية في العالم الواقعي.

ملخص: تناقش هذه المقالة كيف أن مستقبل الوظائف في عصر الذكاء الاصطناعي لن تصنعه الخوارزميات وحدها، بل روّاد الأعمال القادرون على تحويل الأدوات التكنولوجية إلى مشاريع حقيقية تخلق قيمة وفرص عمل، خصوصاً في الأسواق الناشئة حيث يواجه ملايين الشباب خطر البطالة أو الإقصاء الاقتصادي. وتبرز المقالة أن بناء المهارات، وتوفير الوصول إلى التمويل والبنية التحتية الرقمية، وتبسيط أنظمة الحوكمة، هي مفاتيح أساسية لتمكين جيل جديد من الرياديين من خلق سبل عيش مستدامة وتوسيع المشاركة والكرامة في الاقتصاد العالمي.

  • الأدوات الجديدة لا تخلق سبل العيش وحدها؛ فالبشر هم من يجب أن يوظفوها لبناء الأعمال، وحل المشكلات الحقيقية، وفتح أسواق جديدة.
  • ولهذا يمثّل روّاد الأعمال مستقبل الوظائف في كثير من البلدان، ولا سيما في اقتصادات الأسواق الناشئة.
  • سيكون توسيع نطاق الأفكار الواعدة محوراً رئيسياً في الاجتماع السنوي للأبطال الجدد التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي، المعروف أيضاً باسم «دافوس الصيفي»، في الصين من 23 إلى 25 يونيو 2026.

يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل عالم العمل. وبالنسبة لقادة الأعمال، يعني ذلك إنتاجية أعلى، واتخاذ قرارات أسرع، وتكاليف أقل. لكن بالنسبة إلى ملايين الشباب الذين يدخلون أسواق العمل كل عام، يطرح هذا التحول سؤالاً أساسياً: من أين ستأتي الموجة التالية من الوظائف؟

غالباً ما يجري التعامل مع التكنولوجيا كما لو أنها استراتيجية توظيف بحد ذاتها. غير أن الأدوات لا تخلق سبل العيش؛ فهي لا تكتسب معناها إلا عندما يستخدمها الناس لبناء الأعمال، وحل المشكلات الحقيقية، وفتح أسواق جديدة.

وفقاً للبنك الدولي، سيبلغ 1.2 مليار شاب في الاقتصادات النامية والناشئة سن العمل خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة، لكن التقديرات الحالية تشير إلى أنه لن يتم خلق سوى نحو 400 مليون وظيفة لتلبية هذا الطلب. ولهذا، من غير المرجح أن تأتي المليار وظيفة المقبلة لهؤلاء الشباب من خوارزميات الذكاء الاصطناعي وحدها، بل ستأتي من روّاد الأعمال الذين يستخدمون تلك الخوارزميات لخلق قيمة حقيقية في العالم الواقعي.

وجدت دراسة أجراها المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية عام 2026، وشملت ما يقرب من 6,000 مسؤول تنفيذي في أربع اقتصادات كبرى، أن أكثر من 80% منهم لم يلاحظوا أي أثر قابل للقياس للذكاء الاصطناعي على التوظيف أو الإنتاجية خلال السنوات الثلاث الماضية. وفي الوقت نفسه، فإن نحو 40% من العمالة العالمية معرّضة لتغيرات يقودها الذكاء الاصطناعي، وفقاً للمنتدى الاقتصادي العالمي. كما تقدّر منظمة العمل الدولية أن نحو واحد من كل أربعة شباب حول العالم، أي ما يقارب 262 مليون شخص، لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون تدريباً حالياً.

إن التعرّض للاضطراب لا يعني بالضرورة فقدان الوظائف، كما أن بطالة الشباب ليست نتيجة حتمية للذكاء الاصطناعي. لكن على المجتمعات أن تهيئ الظروف التي تسمح للصناعات والمشاريع الجديدة بأن تنمو وتترسخ في عصر الذكاء الاصطناعي.

كيف يخلق روّاد الأعمال سبل عيش مستدامة

حققت الاختراقات التكنولوجية الكبرى، من الكهرباء إلى الإنترنت، مكاسب اقتصادية واسعة، لكن ذلك حدث فقط عندما تطورت المؤسسات والبنية التحتية ونماذج الأعمال حولها. فلم ترتفع الإنتاجية لمجرد وجود أداة قوية جديدة، بل ارتفعت عندما جعل النظام المحيط بها نشرها ممكناً على نطاق واسع.

ينطبق المنطق نفسه على الذكاء الاصطناعي. يمكن لنموذج لغوي أن يخفض تكلفة تأسيس شركة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الحكم البشري اللازم لفهم سوق محلية، أو كسب الثقة، أو بناء فريق، أو تحديد مشكلة إنسانية تستحق الحل.

غالباً ما تكون ريادة الأعمال هي الحلقة المفقودة في النقاش الحالي حول الابتكار.

وفقاً للبنك الدولي، تمثل الشركات الصغيرة والمتوسطة 90% من الأعمال التجارية، وتستأثر في المتوسط بـ70% من فرص العمل حول العالم، وهي نسبة تزداد أهميتها في الأسواق الناشئة. فالشركات الصغيرة والنامية تكيّف التكنولوجيا مع السياقات المحلية، وتبتكر خدمات حول القدرات الجديدة، وتستوعب المواهب التي قد تُستبعد من أسواق العمل الرسمية. وهي غالباً أكثر قدرة من المؤسسات الكبيرة على تحديد الاحتياجات غير الملبّاة في مجالات الرعاية الصحية، والخدمات اللوجستية، والتعليم، والزراعة، والاقتصاد الرقمي.

ومن خلال تجربتي الشخصية في بناء الأعمال عبر الأسواق الناشئة في آسيا وأفريقيا، رأيت كيف يمكن للشبكات الريادية أن تفتح فرصاً حين تعجز المؤسسات التقليدية عن ذلك.

في الأسواق التي يندر فيها رأس المال وتتفاوت فيها جودة البنية التحتية، فإن براعة روّاد الأعمال المحليين، الذين يستخدمون غالباً الأدوات الرقمية لسد الفجوات في الخدمات اللوجستية أو التعليم أو الشمول المالي، هي التي تخلق سبل عيش مستدامة. فهذه ليست مجرد أعمال تجارية، بل شرايين حياة لمجتمعات كانت ستبقى خارج الاقتصاد الرسمي.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة الآن، في ظل استمرار تدفق رأس المال نحو «الأماكن الخاطئة». فمنذ عام 2022، ذهب ثلاثة أرباع إعلانات الاستثمار الأجنبي المباشر العابرة للحدود إلى التصنيع المتقدم، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والطاقة، وهي قطاعات كثيفة رأس المال لكنها ليست بالضرورة غنية بالوظائف، وفقاً لمعهد ماكنزي العالمي. وفي المقابل، تبلغ فجوة تمويل المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة 5.7 تريليون دولار على مستوى العالم.

كيف يمكن للتكنولوجيا أن تخلق الفرص

ستتناول النقاشات في الاجتماع السنوي للأبطال الجدد هذا العام في داليان كيفية مواءمة استراتيجيات الاستثمار بشكل أفضل مع نتائج التوظيف. وهذه النقاشات لم تكن يوماً أكثر إلحاحاً مما هي عليه الآن.

ولضمان أن تخلق التكنولوجيا الفرص بدلاً من الإقصاء، يجب على القادة المشاركين في هذه النقاشات إعطاء الأولوية لثلاثة تحولات رئيسية:

1. المهارات، ولكن ليس بالمعنى المعتاد

ما زالت أنظمة التعليم التقليدية تعدّ أعداداً كبيرة من الشباب لأدوار مستقرة داخل هياكل جامدة، في وقت يُعاد فيه تعريف هذه الأدوار أو إلغاؤها. لكن الحل لا يتمثل في تدريب الجميع ليصبحوا مهندسين، بل في بناء قدرات قابلة للتكيّف مثل الطلاقة الرقمية، والمعرفة المالية، وحل المشكلات، والتواصل، والثقة في القدرة على الإبداع بدلاً من الاكتفاء بالاستهلاك.

في اقتصاد مدعوم بالذكاء الاصطناعي، قد يصبح تعلّم كيفية طرح أسئلة أفضل مهماً بقدر تعلّم كيفية إنجاز المهام الروتينية. وقد وجد تقرير مستقبل الوظائف لعام 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي أن 63% من أصحاب العمل يرون أن فجوات المهارات هي العائق الرئيسي أمام تحول الأعمال، وكان ذلك قبل أن تسرّع الموجة الحالية من تبني الذكاء الاصطناعي وتيرة التغيير.

2. الوصول، البنية التحتية المنسية لريادة الأعمال

لا يستطيع روّاد الأعمال البناء من دون إنترنت موثوق، وأدوات ميسورة التكلفة، ومدفوعات رقمية، وخدمات لوجستية فعالة، ووصول عادل إلى رأس المال. فهذه ليست شروطاً هامشية، بل هي البنية التحتية الصلبة لإنشاء المشاريع.

لكن كثيراً من الاستثمارات اليوم ما زال يتجه إلى قطاعات توسّع التكنولوجيا من دون أن توسّع المشاركة. ولا ينبغي قياس أثر رأس المال فقط بمدى كفاءته في تنمية الأنظمة القائمة، بل بمدى فعاليته في توسيع دائرة من يستطيعون دخول الاقتصاد كبنّائين لا كمستهلكين فقط.

3. الحوكمة، لتسهيل المشاركة الرسمية لا تعقيدها

تميل المشاريع الجديدة إلى النمو عندما تكون القواعد واضحة، والمؤسسات فعالة، وروّاد الأعمال مقتنعين بأن النظام يمنحهم فرصة عادلة. أما البيئات التنظيمية القديمة أو المجزأة أو الغامضة، فهي تبطئ الابتكار، وترفع تكلفة المحاولة، وتدفع المشاريع إلى العمل في الاقتصاد غير الرسمي.

ولتسريع ريادة الأعمال، ولا سيما خارج عدد محدود من مراكز الابتكار الراسخة، يجب أن تعمل أنظمة الحوكمة بفاعلية على خفض الحواجز أمام بدء الأعمال المشروعة وتوسيع نطاقها.

تشكيل مستقبل الوظائف

لا يقلل أي من ذلك من أهمية الشركات الكبرى. فالشركات الراسخة تظل ضرورية للاستثمار، وسلاسل الإمداد، والتدريب، وشراكات الابتكار. لكنها لا تستطيع مواجهة تحدي التوظيف وحدها، خصوصاً أن الأتمتة ترفع الكفاءة تحديداً عبر تقليص عدد العاملين في كثير من الأدوار التي كان الشباب يدخلون من خلالها تقليدياً إلى الاقتصاد الرسمي.

ستكون النقاشات التي ستُعقد في داليان هذا الشهر حول خلق المليار وظيفة المقبلة، ومواءمة رأس المال مع التوظيف، والهاوية التي تواجه جيل الشباب عند دخول سوق العمل، من بين أكثر القضايا أهمية على جدول أعمال الاجتماع السنوي للأبطال الجدد. وتستحق هذه القضايا التزاماً واضحاً وصريحاً بتشجيع الظروف التمكينية التي تسمح لروّاد الأعمال في كل مكان باستخدام الأدوات الجديدة لبناء شيء حقيقي.

لا ينبغي قياس النمو بارتفاع الإنتاج أو تسارع الأنظمة فقط. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، الاختبار الأهم هو ما إذا كان النمو يوسّع الكرامة والمشاركة والفرص. قد ترسم الخوارزميات ملامح مستقبل العمل، لكن روّاد الأعمال هم من سيشكّلون مستقبل الوظائف.

المصدر

مقالات ذات صلة