القائمة الرئيسية

الشراكات بين القطاعين العام والخاص في كل مكان… لكن هل نفهمها حقاً؟

الشراكات بين القطاعين العام والخاص في كل مكان… لكن هل نفهمها حقاً؟
ملخص المقال

لكن ما هي الشراكة بين القطاعين العام والخاص بالضبط؟ يبدو المصطلح بديهياً، وكأنه يشرح نفسه بنفسه، باعتباره شكلاً من أشكال التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص، لكنه ليس كذلك. فبعض التعريفات تركز على ترتيبات التعهيد، وأخرى تشير إلى هياكل الاستثمار المشترك، بينما يتحدث بعضها عن نماذج حوكمة تتمحور حول تقاسم المخاطر. ولا يُعد أي من هذه التعريفات غير دقيق، لكن هذا التباين في الفهم أخطر مما يبدو.

ملخص: تناقش هذه المقالة الانتشار الواسع للشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتطرح سؤالاً جوهرياً: هل نفهم حقاً ما تعنيه هذه الشراكات قبل الدخول فيها؟ وتوضح أن نجاحها لا يعتمد فقط على التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص، بل على وجود تعريف مشترك للنجاح، واحترام واضح لحدود كل طرف، وإدراك أن هذه الشراكات تُدار في النهاية من خلال البشر، بكل ما يحملونه من مصالح وضغوط وتحديات.

  • تسجّل قاعدة بيانات البنية التحتية التابعة للبنك الدولي نحو 9,300 مشروع شراكة بين القطاعين العام والخاص على مستوى العالم منذ عام 1990.
  • تُطبَّق الشراكات بين القطاعين العام والخاص اليوم على كل تحدٍّ معقّد تقريباً، لكن الأطراف غالباً ما تدخل فيها من دون فهم مشترك لما تنطوي عليه فعلياً.
  • هناك ثلاث سمات تحدد الشراكة بين القطاعين العام والخاص: تعريف مشترك للنجاح، ووضوح حدود كل شريك، والاعتراف بأن هذه الترتيبات ينفذها أشخاص لا مؤسسات فقط.

تشهد الشراكات بين القطاعين العام والخاص اليوم صعوداً سريعاً، وأصبحت تُطرح كإجابة شائعة على كل تحدٍّ معقّد تقريباً: من النقل والطاقة إلى الرعاية الصحية والتعليم، بل وحتى السجون.

لكن ما هي الشراكة بين القطاعين العام والخاص بالضبط؟ يبدو المصطلح بديهياً، وكأنه يشرح نفسه بنفسه، باعتباره شكلاً من أشكال التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص، لكنه ليس كذلك. فبعض التعريفات تركز على ترتيبات التعهيد، وأخرى تشير إلى هياكل الاستثمار المشترك، بينما يتحدث بعضها عن نماذج حوكمة تتمحور حول تقاسم المخاطر. ولا يُعد أي من هذه التعريفات غير دقيق، لكن هذا التباين في الفهم أخطر مما يبدو.

فالمشكلة لا تكمن في غياب تعريف عالمي موحّد، بل في أن المصطلح، مع اتساع استخدامه وانتشاره، بات يُطلق على ترتيبات يدخل فيها الأطراف من دون فهم مشترك لماهية الشراكة وما تستلزمه فعلاً.

والحقيقة أن الشراكات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد تعاون بين قطاعين. فالجهات العامة والخاصة تعمل معاً منذ عقود من خلال نماذج تقليدية للشراء والتعاقد. وتسجّل قاعدة بيانات مشاركة القطاع الخاص في البنية التحتية التابعة للبنك الدولي نحو 9,300 مشروع على مستوى العالم منذ عام 1990. لذلك، فإن التعاون بحد ذاته ليس جديداً. وعندما يتم تجاهل هذا التمييز، تنشأ أخطاء مكلفة مدفوعة بتوقعات غير متوافقة، تقوّض الهدف الأساسي من العمل المشترك.

تعقيدات الشراكات بين القطاعين العام والخاص

الشراكة بين القطاعين العام والخاص ليست مجرد ترتيب مؤسسي آخر. إنها التزام طويل الأمد بين أطراف ذات تفويضات وحوافز وموارد وثقافات مؤسسية مختلفة جذرياً، وهذا الاختلاف يجعلها سلاحاً ذا حدين. فإذا أُديرت بشكل سيئ، أدت إلى صراعات وخسائر مكلفة في الموارد والوقت والجهد. أما إذا أُديرت بشكل جيد، فإنها تفتح الباب أمام نتائج لا يستطيع أي طرف تحقيقها بمفرده.

3 سمات تحدد الشراكة بين القطاعين العام والخاص

قبل الالتزام بأي شراكة من هذا النوع، يجب على كل طرف أن يفهم بوضوح ثلاث سمات أساسية ليعرف حقاً ما الذي يوقّع عليه.

1. الشراكات بين القطاعين العام والخاص تقوم على فهم مشترك لشكل النجاح

الشراكات بين القطاعين العام والخاص هي اتفاقات عمل بين حكومة ومنظمة غير حكومية تشتركان في مصلحة تحقيق النتيجة نفسها، سواء كان الدافع تفويضاً عاماً، أو فرصة تجارية، أو رسالة اجتماعية. لكن مشاركة الهدف لا تعني بالضرورة امتلاك الفهم نفسه لما يبدو عليه النجاح.

لنتخيل شراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال النقل العام هدفها تقديم خدمة حافلات «موثوقة». في البداية، يبدو الأمر واضحاً، إلى أن نسأل: ماذا تعني «موثوقة» فعلاً؟ هل تعني أن تصل الحافلات كل خمس دقائق أم كل عشر دقائق؟ هل تعني تشغيل الخدمة 18 ساعة في اليوم أم على مدار 24 ساعة؟ كل تعريف من هذه التعريفات يشكّل التكاليف وتوزيع المخاطر والنتائج الاجتماعية بطريقة مختلفة، بحسب موقع كل طرف في الشراكة.

لذلك، فإن الوصول إلى تعريف مشترك للنجاح غالباً ما يكون أكثر تعقيداً بكثير مما يبدو في البداية، لأنه يتطلب من جميع الأطراف الاستعداد للتفاوض وقبول المفاضلات. ولتحقيق ذلك، يجب أن يقدّم كل طرف شيئاً إلى الطاولة يضمن أن يكون لكل شريك مصلحة حقيقية في نجاح المشروع، بحيث يستفيد الجميع عند تحقيق الهدف، ويتقاسم الجميع التكلفة عند الإخفاق.

والخبر الجيد هو أنه بمجرد التوصل إلى تعريف مشترك للنجاح، تميل الحوافز إلى التوافق بشكل طبيعي، مما يشجع القرارات التي تعطي الأولوية لاستدامة الشراكة على المدى الطويل بدلاً من المكاسب الفردية قصيرة الأجل.

2. الشراكات بين القطاعين العام والخاص تعمل ضمن حدود كل شريك

في الشراكة بين القطاعين العام والخاص، يحدد ما يقدمه كل طرف ما إذا كان الشريك المناسب أم لا: إذ يجب أن تكون قدراته مكملة لقدرات الآخرين وحاسمة لتحقيق الهدف المشترك. غير أن تقديم الموارد المناسبة لا يكفي.

قبل الدخول في شراكة بين القطاعين العام والخاص، يجب على كل طرف أن يدرك أن هذه الموارد، سواء كانت رأس مال أو قدرة على التنفيذ أو خبرة تقنية أو شرعية اجتماعية، لا تحدد نطاق العمل الذي يمكن لكل طرف التحرك ضمنه. فالحدود تحددها طبيعة القطاع الذي يمثله كل طرف، كما أن جوهر هذا القطاع وقيمه الأساسية لا تنتقل ببساطة لمجرد العمل معاً.

هذا التمييز حاسم، خصوصاً مع دخول المزيد من الجهات غير الحكومية إلى ساحة معالجة المشكلات العامة في السنوات الأخيرة، مما خلق التباساً حول ما إذا كان يمكن استبدال دور الحكومة، لا سيما عندما تفشل في تقديم الخدمات. ففي الشراكة بين القطاعين العام والخاص، لا تستطيع شركة خاصة، مهما كان حجم رأس المال الذي تجلبه، أن تؤثر في السياسة العامة أو تتخذ قرارات تعود إلى المؤسسات المنتخبة. وبالمثل، لا يمكن توقع أن تتحمل الحكومة مخاطر السوق بالطريقة نفسها التي يتحملها الفاعل الخاص، ولا أن تنفذ ما لا تملك القدرة أو الخبرة اللازمة لتنفيذه. وإذا تم تجاوز هذه الحدود، فإن الشراكة تخاطر بأن تصبح تهديداً للمساءلة، وفي النهاية للديمقراطية.

وهذا ما يجعل الشراكات بين القطاعين العام والخاص ترتيبات معقدة: إذ يجب على الشركاء أن يتعاونوا بعمق كافٍ للمشاركة في الابتكار والاستفادة من نقاط قوة بعضهم البعض، مع الحفاظ في الوقت نفسه على وضوح وانضباط كافيين يمنعان أي طرف من تجاوز حدوده.

«إن نجاح الشراكة بين القطاعين العام والخاص لا يكمن فقط في التنسيق بين القطاعات، بل في الدخول إلى الشراكة بفهم واضح لماهيتها.»

3. الشراكات بين القطاعين العام والخاص ينفذها أشخاص لا مؤسسات فقط

قد تُبنى الشراكات بين القطاعين العام والخاص بين مؤسسات، لكنها تُنفَّذ من خلال الأفراد الذين يقفون خلفها، وكل منهم يتأثر بحوافزه وضغوطه وذاته وانحيازاته ونقاطه العمياء. ولهذا السبب، فإن الدخول في شراكة من هذا النوع يتطلب الاعتراف بأن هذه الترتيبات تعمل على أساس إنساني عميق.

لذلك، تتطلب الشراكات الناجحة بين القطاعين العام والخاص أكثر من مجرد توافق تعاقدي؛ فهي تحتاج إلى إدارة واعية لعلاقة العمل، بما في ذلك وضوح الأدوار، وروتين التواصل، وعمليات اتخاذ القرار. إن فهم طريقة تفكير الأطراف المقابلة، وما يقدّرونه، والقيود التي يواجهونها، يُعد مفتاحاً للتنسيق الفعال. لكن هذا الفهم لا ينشأ إلا من خلال تفاعل منظّم وانخراط متكرر.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة لأن الشراكات بين القطاعين العام والخاص لا تقتصر على الحكومات والشركات الخاصة، بل تشمل أيضاً التعاون مع مجموعة واسعة من الجهات غير الحكومية، بما في ذلك المؤسسات الخيرية، والمنظمات غير الربحية، والشركات الخاصة، والأوساط الأكاديمية، وستختلف طريقة الإدارة المطلوبة بحسب كل حالة.

ينبغي ألا يكون الدخول في شراكة قراراً تلقائياً أبداً. فالشراكات بين القطاعين العام والخاص قوية، لكنها ليست دائماً الأداة المناسبة. وقبل الالتزام، يجب على كل طرف أن يسأل نفسه ما إذا كان مستعداً حقاً للتفاوض وقبول المفاضلات من أجل الوصول إلى تعريف مشترك للنجاح؛ واحترام حدوده وحدود شركائه، بغض النظر عن حجم الموارد التي يجلبها كل طرف إلى الطاولة؛ والانخراط في علاقة هي في جوهرها إنسانية، وليست مؤسسية فقط.

وعندما تتحقق هذه الشروط، يمكن للشراكات أن تفتح المجال أمام نتائج لا يستطيع أي طرف تحقيقها بمفرده. ولذلك، فإن نجاح الشراكة بين القطاعين العام والخاص لا يكمن فقط في التنسيق بين القطاعات، بل في الدخول إلى الشراكة بفهم واضح لماهيتها.

المصدر

مقالات ذات صلة