القائمة الرئيسية

الجماعات المسلحة اخترقت سلاسل الإمداد العالمية… ما الذي يجب على الشركات فعله؟

الجماعات المسلحة اخترقت سلاسل الإمداد العالمية… ما الذي يجب على الشركات فعله؟
ملخص المقال

تركّز معظم النقاشات حول مخاطر سلاسل الإمداد على الاضطرابات الواضحة، مثل الرسوم الجمركية أو العقوبات أو إغلاق ممرات الشحن. لكن اهتماماً أقل وُجّه إلى تهديد أكثر هدوءاً: تدهور الوضع الأمني في الاقتصادات الناشئة، وهي المناطق التي تشكّل نقطة الانطلاق أو المعالجة أو العبور للعديد من سلاسل القيمة العالمية.

ملخص: تناقش هذه المقالة كيف أصبحت الجماعات المسلحة والجهات غير المشروعة تهديداً خفياً وعميقاً لسلاسل الإمداد العالمية، من الذهب في أمريكا اللاتينية إلى العناصر الأرضية النادرة في ميانمار والكاكاو والطاقة في أفريقيا، موضحة أن الخطر لم يعد يقتصر على الرسوم الجمركية أو اضطرابات الشحن، بل يمتد إلى المراحل الأولى وغير المرئية من الإنتاج العالمي. وتبرز المقالة أن مواجهة هذه المخاطر تتطلب من الشركات رؤية أعمق لسلاسلها، وبناء تحالفات أوسع، والاعتراف بالفاعلين المحليين المؤثرين، واعتماد استشراف طويل الأمد لحماية الأعمال والاقتصاد العالمي من تهديدات تتطور بصمت.

  • تسببت زيادات الرسوم الجمركية في اضطراب تدفقات تجارية تتجاوز قيمتها 400 مليار دولار، لكن هناك تهديداً أعمق لسلاسل الإمداد العالمية لا يزال إلى حد كبير خارج دائرة المعالجة.
  • من تعدين العناصر الأرضية النادرة في ميانمار إلى الصادرات الزراعية في الإكوادور، باتت الثغرات الأمنية في المراحل الأولى من سلاسل الإمداد تقوّض سلاسل القيمة العالمية.
  • أصبحت المقاربات الجديدة في رؤية سلاسل الإمداد، وبناء التحالفات، والاستشراف طويل الأمد ضرورية لمعالجة المخاطر التي تقع خارج نطاق الحوكمة التقليدية بين المشترين والمورّدين.

تواجه سلاسل القيمة العالمية اليوم تقلبات هيكلية كبيرة. فقد تسببت زيادات الرسوم الجمركية في اضطراب تدفقات تجارية تتجاوز قيمتها 400 مليار دولار، كما ارتفعت تكاليف شحن الحاويات بنسبة 40% في عام 2025. وينظر قادة الأعمال وصانعو السياسات وخبراء سلاسل الإمداد الآن إلى المخاطر والقدرة على الصمود باعتبارهما عنصرين لا يقلان أهمية عن الكفاءة في الحفاظ على القدرة التنافسية.

تركّز معظم النقاشات حول مخاطر سلاسل الإمداد على الاضطرابات الواضحة، مثل الرسوم الجمركية أو العقوبات أو إغلاق ممرات الشحن. لكن اهتماماً أقل وُجّه إلى تهديد أكثر هدوءاً: تدهور الوضع الأمني في الاقتصادات الناشئة، وهي المناطق التي تشكّل نقطة الانطلاق أو المعالجة أو العبور للعديد من سلاسل القيمة العالمية.

وبما أن هذه المناطق تضم احتياطيات معدنية كبيرة، وأراضي زراعية واسعة، وإنتاجاً كثيف الاعتماد على العمالة، فإن إعادة التصنيع إلى الداخل، أو نقله إلى دول قريبة، أو توجيهه نحو دول صديقة، لا يمكنها وحدها إزالة هذا التعرض للمخاطر. كما تجد الأطر التقليدية صعوبة في التعرّف إلى هذا التهديد، لأنه يوجد على بعد عدة مستويات في المراحل الأولى من سلسلة الإمداد، ويتضمن جهات فاعلة خارج قنوات الحوكمة المعتادة لسلاسل الإمداد.

كيف وأين تؤثر الجماعات المسلحة في سلاسل الإمداد العالمية؟

على الرغم من تباعدها الجغرافي، تواجه مناطق أفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا تحديات ناتجة عن التقلبات في سلاسل القيمة العالمية.

في أفريقيا جنوب الصحراء، تؤثر المشكلات الأمنية بشكل متزايد في سلاسل إمداد الغذاء والطاقة. فقد شهدت نيجيريا تراجعاً في الاستقرار على مدى ثلاثة عقود، مع اندلاع تمرد بدأ عام 2009 وأسفر عن نزوح 2.4 مليون شخص بحلول عام 2018. وانتشرت أعمال اللصوصية المسلحة في الشمال الغربي، بينما تحركت النزاعات بين المزارعين والرعاة جنوباً انطلاقاً من منطقة الحزام الأوسط. ويبلغ عدد النازحين أكثر من 2.2 مليون شخص، فيما يعاني 33.1 مليون شخص من انعدام أمن غذائي حاد. وفي الوقت نفسه، دفعت أزمات نقص الكاكاو في كوت ديفوار وغانا أسعار الشوكولاتة عالمياً إلى مستويات قياسية. وفي موزمبيق، أدى تمرد في كابو ديلغادو إلى إعلان شركة توتال إنرجيز حالة القوة القاهرة في مشروعها للغاز الطبيعي المسال البالغة قيمته 20 مليار دولار في عام 2021. وتوقف البناء لأكثر من أربع سنوات قبل أن يُستأنف في أواخر عام 2025، مع توفير 4,000 جندي من رواندا ومجموعة تنمية الجنوب الأفريقي الحماية الأمنية، بينما لجأت اليابان مؤقتاً إلى الغاز الطبيعي المسال النيجيري. لقد غيّر تمرد واحد خطط أوروبا لتنويع مصادر الطاقة.

في أمريكا اللاتينية، تغلغلت الجهات غير المشروعة بعمق في التجارة القانونية، ملوّثةً سلاسل الإمداد العالمية بصورة خفية. ففي أنحاء منطقة الأمازون الأندية، ازداد تعدين الذهب غير القانوني بشكل كبير، وأصبحت صادرات الذهب غير المشروعة تتجاوز الآن صادرات الكوكايين في بيرو وكولومبيا. وبحلول عام 2022، قدّر ديوان المحاسبة في كولومبيا أن 85% من صادرات الذهب في البلاد كانت من مصادر غير قانونية. وفي عام 2024، استوردت الولايات المتحدة ذهباً كولومبياً بقيمة 1.43 مليار دولار، وربط تحقيق لصحيفة نيويورك تايمز مكونات تابعة لدار سك العملة الأمريكية بشبكات إجرامية كولومبية. وتمثل الإكوادور مثالاً على السرعة التي يمكن أن تؤثر بها مثل هذه الأنشطة غير القانونية في الصادرات المشروعة، إذ توفر نحو 30% من موز العالم، وهي أكبر مصدّر للروبيان في العالم. ومع تحول الإكوادور إلى مسار رئيسي لعبور الكوكايين، اخترق المهربون صناعات الموز والروبيان والكاكاو فيها، ما أدى إلى مقتل 63 عاملاً على يد جماعات إجرامية في عام 2022 وحده. وشهد ذلك العام أيضاً زيادة بنسبة 400% في تلوث الحاويات، فيما ينفق المصدّرون الآن أكثر من 100 مليون دولار سنوياً على الأمن الخاص.

أما في جنوب شرق آسيا، فقد أصبحت الجماعات المسلحة مدمجة داخل سلاسل إمداد الطاقة النظيفة. تنتج ميانمار ما يصل إلى ثلثي الإمدادات العالمية من العناصر الأرضية النادرة الثقيلة، التي تُكرَّر في الصين ثم تُستخدم في المغناطيسات الخاصة بالمركبات الكهربائية وتوربينات الرياح وأنظمة الدفاع. ومنذ انقلاب عام 2021، ارتفع عدد مواقع التعدين في ولاية كاشين من نحو 130 موقعاً إلى أكثر من 370. وفي أكتوبر 2024، سيطر جيش استقلال كاشين على مدن تعدين رئيسية، ويفرض الآن ضريبة تصدير بنسبة 20% على مركزات العناصر الأرضية النادرة. وبالمثل، في الفلبين، ثاني أكبر منتج للنيكل عالمياً، تربط التحقيقات خام النيكل القادم من مينداناو بسلاسل إمداد العديد من أكبر علامات السيارات في العالم عبر تجار صينيين. وتواجه هذه المناجم ضغوطاً من متمردين محليين يبتزون ملايين الدولارات سنوياً، ومن ميليشيات تدافع عن مواقع استخراج الموارد. وخلص تحقيق أجرته منظمة غلوبال ويتنس في ديسمبر 2025 إلى أن النيكل القادم من هذه المناطق التعدينية يُحتمل أنه يدخل سلاسل إمداد أشهر علامات السيارات في العالم.

إن روح التعاون المطلوبة لمواجهة تأثير المخاطر الأمنية في سلاسل الإمداد العالمية لن تُختبر في الاجتماعات المعتادة بين المشترين والبائعين، بل من خلال الجهود الرامية إلى إشراك اللاعبين الرئيسيين الذين يشكلون المشهد الأمني في الاقتصادات الناشئة.

الأمن في المراحل الأولى هو النقطة العمياء في التفكير الحالي بشأن المخاطر

تطورت إدارة مخاطر سلاسل الإمداد من التركيز على الكفاءة المرنة في تسعينيات القرن الماضي، إلى معالجة مشكلات تركز الموردين بعد زلزال وتسونامي توهوكو عام 2011، ثم الانتقال إلى القدرة على الصمود خلال الجائحة، وأخيراً إلى إعادة التصنيع إلى الداخل استجابةً للمخاطر السياسية. وتنظر كل مرحلة من هذه المراحل إلى المخاطر عند نقطة محددة، أو داخل علاقة المشتري بالمورّد، أو بناءً على عوامل جغرافية. غير أن المخاطر الأمنية في الاقتصادات الناشئة تُظهر سلوكين متميزين لكنهما يعززان بعضهما بعضاً.

فهم تركيبي: يبدأ الخطر على بعد عدة مستويات في المراحل الأولى من سلسلة الإمداد، حيث لا تملك الشركة المحورية مورّداً مباشراً أو سيطرة تعاقدية، ثم ينتشر عبر شبكات متعددة المستويات لا يرى المشاركون فيها عادةً سوى الأطراف التي يتعاملون معها مباشرة. كما أن هذا الخطر متعدد المراكز، إذ تشكله مراكز سلطة متداخلة عدة: متمردون، وكارتلات، وسلطات تقليدية، وتجار غير رسميين، وميليشيات غير نظامية، تعمل جميعها عبر أنظمة حوكمة تقع خارج الأنظمة الرسمية التي تشرف عادةً على سلاسل الإمداد. وكثير من هذه الأنظمة متجذر في الاقتصادات غير الرسمية الواسعة داخل الأسواق الناشئة، وهذا جزء من سبب بقاء هذه الشبكات معتمة أمام الأطر التقليدية.

قد لا يدرك مصنع سيارات ألماني أن الديسبروسيوم المستخدم في محركاته يمر عبر أراضٍ تسيطر عليها جماعة مسلحة. وبالمثل، قد لا تعلم شركة مجوهرات أمريكية أن ذهبها جرى غسله عبر وسطاء كولومبيين. وفي الوقت نفسه، قد لا تدرك شركة شوكولاتة أوروبية أن نزوح المزارعين في شمال نيجيريا يضيّق إمدادات الكاكاو في أنحاء خليج غينيا. وعندما تكون الشركات مدركة لهذه المخاطر، فإنها غالباً ما تعتبر أن المسؤولية تقع على جهة أخرى. وفي نهاية المطاف، فإن هذا التعرض للمخاطر مدمج داخل البنية ذاتها للإنتاج العالمي.

أربع طرق يمكن للشركات والشبكات والمؤسسات الاستجابة من خلالها

1. الرؤية

في حين أن رسم خرائط الموردين المباشرين أصبح ممارسة قياسية، فقد حان الوقت لإضفاء الطابع الرسمي على الشراكات مع الوسطاء الميدانيين، مثل الباحثين الإقليميين، والوكالات الإنسانية، والصحفيين الاستقصائيين. إضافة إلى ذلك، ينبغي اختبار حماية المصادر في مواجهة سيناريوهات تشمل سيطرة جهات مسلحة، وليس فقط المخاطر المالية أو العبودية الحديثة أو العمل القسري أو المخاطر المناخية.

2. التحالفات

لا يمكن فرض استراتيجيات الحد من المخاطر ببساطة من قبل المشترين عبر العقود في المناطق التي تسيطر فيها الجماعات المسلحة على أجزاء من الممرات. فمثل هذه الحالات تتطلب حوكمة تشاركية قائمة على العلاقات، يطور فيها أصحاب المصلحة، مثل المشترين والوسطاء والمنتجين والجهات المحلية، شكلاً من أشكال المساءلة المشتركة. ويُظهر الاتفاق الإقليمي للتعاون في مكافحة القرصنة في آسيا أن تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الدول وشركات الشحن وشركات التأمين يساعد على خفض المخاطر البحرية. لكن اتفاقات مماثلة للممرات الغذائية الأفريقية، وطرق المعادن في منطقة الأنديز، ومناطق الاستخراج في جنوب شرق آسيا، لا تزال غائبة حالياً.

3. الشرعية

لا تزال حوكمة سلاسل الإمداد تتعامل مع المشترين والبائعين والدول المضيفة باعتبارهم الفاعلين الشرعيين الأساسيين. لكن عملياً، فإن المنظمات غير الحكومية، والسلطات العرفية، والمنظمات الأمنية الإقليمية مثل مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي، وفي بعض الحالات الجهات غير الحكومية التي تملك سيطرة فعلية على الأراضي، تشكل بالفعل هذه التدفقات. وتعمل شراكة عام 2025 بين أمانة منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، والبنك الأفريقي للتنمية، وأفريقيا50، إلى جانب المراجعة الختامية للخطة الرئيسية للترابط في آسيان 2025، على دفع البنية التحتية للممرات وفق معايير متوافقة مع الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات. لكن أياً منهما لا يتعامل بعد مع أداء أمن الممرات باعتباره شرطاً صريحاً للتمويل أو لتفضيلات الرسوم الجمركية. وإدماج هذا البعد في أطر الجيل القادم الجاري تصميمها أكثر عملية من إنشاء أطر جديدة.

4. الاستشراف

يتطلب الاستشراف والحد الفعال من المخاطر فهماً للحالات التي تتطور على مدى عقود. فالتقييمات المنتظمة للمخاطر وعمليات التدقيق الفصلية غير كافية لالتقاط هذه الاتجاهات طويلة الأمد. تحتاج مجالس الإدارة إلى اختبارات ضغط تمتد على فترات من خمس إلى عشر سنوات، إلى جانب تأمين ضد المخاطر السيادية وشبه السيادية في المناطق الواقعة في المراحل الأولى من سلاسل الإمداد، واستراتيجيات تخارج واضحة عندما لا يمكن تقليل التعرض للمخاطر.

إن روح التعاون المطلوبة لمواجهة تأثير المخاطر الأمنية في سلاسل الإمداد العالمية لن تُختبر في الاجتماعات المعتادة بين المشترين والبائعين، بل من خلال الجهود الرامية إلى إشراك اللاعبين الرئيسيين الذين يشكلون المشهد الأمني في الاقتصادات الناشئة.

المصدر

مقالات ذات صلة