القائمة الرئيسية

السم أو الفقر: الخيارات الاقتصادية المستحيلة التي تواجه عاملي النفايات الإلكترونية في غانا

السم أو الفقر: الخيارات الاقتصادية المستحيلة التي تواجه عاملي النفايات الإلكترونية في غانا
ملخص المقال

يتناول المقال واقع النفايات الإلكترونية في منطقة أغبوغبلوشي بالعاصمة الغانية أكرا، التي تُعد من أكبر مواقع تجميع ومعالجة النفايات الإلكترونية في العالم، حيث يعمل آلاف الأشخاص في تفكيك الأجهزة الإلكترونية وإعادة تدويرها بوسائل بدائية وخطرة. ويوضح أن هذا النشاط يوفر دخلاً ضرورياً للعمال الفقراء والمهاجرين، لكنه يأتي على حساب صحتهم والبيئة بسبب حرق المخلفات واستعمال مواد كيميائية سامة لاستخلاص المعادن الثمينة، مما يؤدي إلى تلوث الهواء والتربة والمياه وانتشار أمراض خطيرة. كما يكشف المقال عن مفارقة الاقتصاد الدائري؛ فبينما تستفيد الدول الغنية من المواد المعاد تدويرها، يتحمل العمال الأكثر هشاشة في الدول الفقيرة التكاليف الصحية والبيئية لهذه العملية. ويؤكد الباحثون أن الحل لا يكمن في طرد السكان أو هدم مساكنهم، بل في دمج العاملين في القطاع غير الرسمي ضمن سياسات التنمية، وتوفير معدات أكثر أماناً، وتحسين ظروف العمل، وتعزيز الرقابة على تجارة النفايات الإلكترونية، بما يحقق استدامة بيئية واقتصادية تحترم كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية.

في قلب العاصمة الغانية ""أكرا""، وتحديداً في منطقة ""أغبوغبلوشي""، يمتد مستودع هائل للمخلفات والخردة في الهواء الطلق، جاثماً بجوار بحيرة شاطئية وتجمع سكاني عشوائي آخذ في الاتساع. في هذا المكان، يتجمع نحو ستة آلاف شخص، يمضون نهارهم في تفكيك الأجهزة الإلكترونية القديمة والمعطلة، وإعادة تدويرها، وحرقها.

يُنتج العالم سنوياً ما يقارب اثنين وستين مليون طن من النفايات الإلكترونية، ويصنف موقع ""أغبوغبلوشي"" كأحد أكبر مكبات هذه النفايات على مستوى الكوكب.

وتشمل النفايات الإلكترونية كافة الأجهزة والوسائل التقنية القديمة أو المعطلة التي استغنى عنها أصحابها وتعمل بالبطاريات أو التوصيلات الكهربائية، مثل الهواتف المحمولة، والأجهزة المنزلية، وأجهزة التلفاز. ويُلقى أكثر من ثمانين بالمئة من هذه المخلفات في مكبات النفايات أو يجري التعامل معها عبر قطاعات غير رسمية، على أيدي عمال يفتقرون إلى أدنى مقومات الحماية الصحية وتدابير السلامة، ويعملون في ظل غياب شبه تام للإشراف الحكومي، أو الدعم المؤسسي، أو الأمان المهني.

إن المداومة على تدوير السلع وإعادة استخدامها بدلاً من التخلص منها يُعد حجر الزاوية في مفهوم ""الاقتصاد الدائري""، وهو نظام يُفترض منه تعزيز الاستدامة والمساعدة في كبح جماح التغير المناخي.

بيد أن الواقع يبدو مغايراً تماماً خلف كواليس سلاسل التوريد التي توصف بـ ""المستدامة"" في مواقع النفايات الإلكترونية بـ ""أغبوغبلوشي""؛ وهذا ما تكشف لنا مؤخراً بصفتنا باحثين متخصصين في دراسة الاقتصادات غير الرسمية وآليات حركة المواد عبر سلاسل التوريد العالمية، برفقة الزميلين باتريك كوبيناه وديميتريوس غوناريديس.

لقد خلصنا في بحثنا إلى أن التدوير العشوائي يوفر للعمال دخلاً يعد، في كثير من الأحيان، أفضل حالاً من بقية الفرص الوظيفية المتاحة أمامهم. إلا أن الضريبة قاسية للغاية؛ فالآثار الجانبية المترتبة على حرق البلاستيك والمعادن، أو الاستعانة بالأحماض الحارقة لاستخلاص المعادن النفيسة من قلب النفايات، تدمر صحة الإنسان والبيئة الطبيعية على حد سواء.

إن ما يحدث في ""أغبوغبلوشي"" ليس إلا وجهاً من وجوه الجور والظلم العالمي؛ إذ تنعم الدول الثرية بمنافع المواد المعاد تدويرها كالأنحاس والألومنيوم، في حين تقع الفئات الأكثر استضعافاً في العالم تحت وطأة الاضطرار، فيضحون بصحتهم وسلامة بيئتهم لتبلغ تلك السلاسل غايتها وتستمر في التدفق.

وبدلاً من إشاحة الوجه عن قاطني العشوائيات والعاملين في هذا القطاع الهامشي، يتعين على الفعاليات المجتمعية أن تمارس دوراً ضاغطاً يوجه السياسات الحكومية نحو النهوض بظروف عمل هؤلاء. إن إرساء بنية تحتية داعمة في موقع النفايات وفي المستوطنات العشوائية المحيطة به بات أمراً ملحاً. وعلى القدر نفسه من الأهمية، يجب على الهيئات التنظيمية الدولية وصناع القرار في الدول المصدرة والمستوردة تفعيل رقابة صارمة على مسارات تدفق هذه النفايات، والتي تجد طريقها بسهولة شديدة للتخلص منها في بلدان مثل غانا، في ظل انعدام سبل المحاسبة أو الرادع القانوني.

حين يتطلب كسب العيش استنشاق الهواء السام

يخوض الرجال والنساء الذين يقفون خلف عجلات اقتصاد النفايات الإلكترونية غير الرسمي في ""أغبوغبلوشي"" غمار تجربة مريرة نطلق عليها ""المفارقة غير الرسمية"". وتتجلى هذه المعضلة في اضطرار العامل إلى تعريض نفسه وأهل بيته ومجتمعه لسموم التلوث، في سبيل تحصيل مكاسب معيشية آنية وقصيرة الأجل؛ إذ تبرز غريزة البقاء والحاجة الملحة للقوت اليومي لتزيح من طريقها أي تفكير في الأخطار المزمنة التي تتربص بصحة الإنسان والبيئة.

وعلى سبيل التمثيل، تسبب الحرق المكشوف للمعدات الإلكترونية في تهيئة بيئة بالغة الخطورة، يعمها استنشاق الجسيمات الدقيقة التي يقل قطرها عن نقطة خمسة ميكرومتر، وهي جزيئات مجهرية لا حصر لها من الغبار والأتربة والسخام والدخان المنبعث من ألسنة اللهب.

ويستنشق العمال في ""أغبوغبلوشي"" هذه المواد بتركيزات تفوق معايير السلامة المعتمدة لدى منظمة الصحة العالمية بخمسة أضعاف، الأمر الذي يرفع احتمالات الإصابة بالنوبات القلبية، والأمراض السرطانية، وتلف الجملة العصبية، وغيرها من الأوبئة الفتاكة.

ولا يتوقف الأمر عند حدود المكب، بل يمتد هذا الغبار السام ليتطاير فوق المستوطنات العشوائية المجاورة ويلف مدينة ""أكرا"" برمتها، ناهيك عن التلوث الشديد الذي أصاب تربة ومياه ""أغبوغبلوشي"" نتيجة ترسب هذه المواد والمعادن الثقيلة، في فيضان من الأضرار البيئية التي ألقت بظلالها على سوق المنتجات الزراعية القريب والبحيرة الشاطئية المجاورة.

ما كشفته الأقمار الاصطناعية: عشرون عاماً من التلوث وصراع البقاء

وللوقوف على مدى عمق هذه المعضلة وتشابك خيوطها، عكفنا على تحليل بيانات استشعار مستمدة من الأقمار الاصطناعية تغطي عقدين من الزمن، بالتوازي مع إجراء مقابلات شخصية مع خمسة وخمسين فرداً من أهالي المنطقة وعدد من خبراء التخطيط العمراني في ""أكرا"".

وقد تظافرت نتائج البحث لتؤكد أنه في الفترة الممتدة بين عامي ألفين وألفين وعشرين، سجلت معدلات تلوث الهواء والجسيمات الدقيقة قفزات هائلة في محيط ""أغبوغبلوشي"". وتزامن هذا التدهور البيئي مع نمو مطرد في أعداد قاطني العشوائيات وأكواخ الصفيح المتاخمة للموقع، مما جعل أعداداً غفيرة من البشر عرضة لاستنشاق هذا السخام القاتل.

وينزح هؤلاء المهاجرون من أريافهم صوب ""أغبوغبلوشي"" فراراً من غوائل المجاعة، والنزاعات المسلحة، وتردي الأوضاع الزراعية التي خلفها التغير المناخي، لتغدو مهنة معالجة النفايات الإلكترونية وإعادة تدويرها الملاذ الوحيد المتبقي لهم لتأمين عيشهم.

ولم يكن هؤلاء العمال غافلين عن المصير الذي ينتظرهم؛ بل إنهم على دراية تامة بحجم الخطر، وعبر عن ذلك أحدهم قائلاً بلسان حالهم: إن القناص المحترف لا ترهبه البنادق، ونحن كذلك لا نهاب السلاح الذي نكسب منه قوتنا.

القطاع غير الرسمي هو الأصل عالمياً وليس الاستثناء

تثبت الإحصاءات أن ما نسبته واحد وستون بالمئة من إجمالي الأيدي العاملة في شتى بقاع الأرض تندرج تحت مظلة القطاع غير الرسمي، مما يعني أن العمل غير الرسمي ليس مجرد تجربة هامشية يمر بها بضعة أفراد على حافة المجتمع، بل هو ظاهرة عالمية ضاربة في عمق الواقع المعاش.

ومن هذا المنطلق، تبرز حاجة ملحة لابتكار رؤى جديدة تدمج العمالة غير الرسمية في مسارات التنمية وسلاسل التوريد العالمية، على أن ترتكز هذه الرؤى على مبدأ الشراكة والتعاون مع الفئات الأكثر حرماناً من الخدمات والفرص، بدلاً من اتخاذ مواقف مناوئة لهم.

إن كفالة الحقوق الإنسانية والعمالية الأساسية يجب أن تظل ركيزة قطعية غير قابلة للمساومة في بنيان الاقتصاد الدائري العالمي. وفضلاً عن الجانب الإنساني، ينطوي تحسين ظروف العمل في قطاع التدوير الإلكتروني على فرص اقتصادية هائلة وجدية؛ إذ تُقدر القيمة المالية لمخزونات النفايات الإلكترونية حول العالم بنحو خمسة وستين مليار دولار أمريكي، ورغم هذه الأرقام الفلكية، لا يزال عديد من هؤلاء العمال يتقاضون أجوراً زهيدة لا تتجاوز دولاراً واحداً وربع الدولار في اليوم.

وإذا ما أُديرت هذه الثروة بروح من المسؤولية ومراعاة لمصالح المجتمعات المحلية، فإن إعادة التدوير كفيلة بانتشال آلاف الأسر من وهدة الفقر، والمساهمة في صياغة اقتصاد دائرى يتسم بالاستدامة الحقيقية.

خارطة الطريق: ما العمل؟

وعلى الرغم من أن غانا قد وقعت على الاتفاقيات الدولية المعنية بتنظيم تداول النفايات الإلكترونية، وسنت قانوناً وطنياً خاصاً بإدارتها في عام ألفين وستة عشر، إلا أن جهود التدخل الحكومي لا تزال قاصرة، بل وتأتي في بعض الأحيان بآثار عكسية وهدامة؛ إذ عمدت السلطات إلى شن حملات إخلاء قسرية وهدم للمساكن لطرد السكان من محيط المكبات، وهي إجراءات لم تفلح في تقويض نشاط التدوير، بل إنها عمقت جراح العمال وزادت حياتهم بؤساً وهشاشة.

ولوضع حد لهذه المعضلات، يتعين على مجلس بلدية ""أكرا الكبرى"" الكف الفوري عن سياسات الهدم والإخلاء التي تطال بيوت العشوائيات في ""أغبوغبلوشي"".

وعوضاً عن مقاربتها الأمنية، يجدر بالحكومة الاستثمار في الآليات التكافلية التي استحدثها السكان بأنفسهم لتقاسم الموارد وتحسين واقع أحيائهم، والعمل على تعزيزها. ويتحقق ذلك، على سبيل المثال، عبر رفدهم بمعدات وأدوات أكثر أماناً، مثل الآلات الميكانيكية المخصصة لتقشير الأسلاك الكهربائية للاستغناء عن خيار الحرق الملوث، فضلاً عن توفير ملابس ومعدات الوقاية الشخصية. كما يمكن للإدارة المحلية في ""أكرا"" إرساء منظومة تضمن للعمال عوائد مالية مجزية وعادلة، تشجيعاً لهم على تبني وسائل تدوير آمنة وصديقة للبيئة.

الخطوة الثانية تتطلب إرساء مبدأ الشراكة والشفافية عند منافذ بيع وتداول هذه النفايات؛ وذلك من خلال فرض تشريعات تلزم كبار تجار الخردة بتوثيق أوزان المواد المشتراة رسمياً، وتضمن التزامهم بأسعار السوق المعلنة للعامة.

أما الخطوة الثالثة والأخيرة، فتقوم على العمل التشاركي مع العمال وأفراد المجتمع المحلي لإيجاد مصادر مستدامة للمياه النظيفة، وتقنين عمليات الحرق، والحد من الإفراط في استخدام الأحماض الكيميائية الحارقة أثناء عمليات الاستخلاص.

إن إحداث تغيير حقيقي في هذا الملف يتطلب ثورة شاملة في طريقة التفكير والتعامل مع قاطني المستوطنات العشوائية وممتهني الاقتصاد غير الرسمي؛ وهي مسيرة لا تبدأ إلا ببسط قيم الاحترام وصون الكرامة الإنسانية التي يستحقها هؤلاء البشر، وتستحقها أعمالهم التي يقدمونها للعالم.

المصدر

 

مقالات ذات صلة