أعادت التوترات المتصاعدة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة إشعال المخاوف الدولية المحيطة بأمن الطاقة العالمي، ومدى ارتداداتها السلبية على مفاصل الاقتصاد الدولي. وفي هذا السياق، تكشف التحليلات الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن ارتهان العالم لطاقة الخليج العربي يتجاوز بكثير مجرد الاستيراد المباشر للشحنات النفطية، إذ يتغلغل هذا الاعتماد العضوي ليخلق نقاط ضعف وهشاشة هيكلية من شأنها أن تستنزف معدلات النمو، وتغذي معدلات التضخم، فضلاً عن إنهاك سلاسل الإمداد العالمية في حال استمرار هذه الاضطرابات وتمددها.
الأهمية الاستراتيجية للاحداث في منطقة الخليج العربي
في الوقت الذي تواصل فيه الأزمات الراهنة في الشرق الأوسط إلقاء ظلالها القاتمة على أسواق الطاقة، يجد صناع القرار والسياسات أنفسهم مضطرين مجدداً لإعادة تقييم المخاطر الجسيمة المترتبة على الاعتماد المفرط على نفط وغاز الخليج العربي. ولئن كان حجم الواردات المباشرة من هذه المنطقة الحيوية يمثل مؤشراً تقليدياً لقياس مدى تأثر الدول، إلا أنه لا يقدم في الواقع سوى قراءة قاصرة للمشهد، بالنظر إلى التشابكات العميقة والأوسع نطاقاً التي تفرزها روابط سلاسل الإمداد المعقدة.
ومن أجل الوقوف على الحجم الحقيقي لهذه التبعات، أتاحت جداول ""المدخلات والمخرجات البينية للدول"" التي توفرها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إمكانية تتبع مسارات تدفق الطاقة الخليجية المستوردة، وكيفية تغلغلها في عروق الإنتاج وسلاسل التوريد عبر مفاصل الاقتصاد العالمي. وتؤكد النتائج المستخلصة عمق التأثيرات المباشرة وغير المباشرة التي تضع جميع الاقتصادات دون استثناء في مرمى الخطر بمجرد حدوث أي هزّة أو انقطاع في إمدادات الطاقة القادمة من دول الخليج.
خارطة القوى الدولية الاعتمادية على طاقة الخليج العربي
تتباين مستويات الارتهان المباشر لطاقة الخليج العربي في العمليات الإنتاجية بشكل حاد بين قوة اقتصادية وأخرى؛ حيث تظهر البيانات أن الاقتصادات الآسيوية والأوروبية، وعلى رأسها تايلاند وكوريا الجنوبية والهند واليونان، تأتي في مقدمة الدول الأكثر تضرراً نظراً لاعتمادها الكثيف على استيراد النفط الخام والمشتقات النفطية المكررة من هذه المنطقة، مقارنة بنظيراتها في قارتي أمريكا الشمالية والجنوبية (الشكل 1).
وعلى النقيض من ذلك، تبدو الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأخرى المنتجة للسلع الأساسية في معزل نسبي عن هذا التأثر المباشر، مستفيدة من قفزات الإنتاج المحلي للطاقة على أراضيها. وبناء على هذه المعطيات، فإن الدول ذات الاعتماد المباشر المرتفع ستكون أولى الضحايا التي تتجرع مرارة انقطاع الإمدادات وارتفاع الأسعار بشكل خاطف، ما لم تسارع إلى احتواء هذه الصدمات عبر تفعيل مخزوناتها الاحتياطية الاستراتيجية أو تبني حزم من السياسات الحكومية الحمائية العاجلة.
الشكل 1. تباين مستويات الاعتماد على واردات طاقة الخليج العربي بين الاقتصادات
حصة الواردات الوسيطة المباشرة من الطاقة حسب المصدر من إجمالي الإنتاج، 2023
سلاسل الإمداد.. المحرك الخفي للأزمة
لا تبوح أرقام الواردات المباشرة إلا بنصف الحقيقة؛ إذ يتطلب قياس المدى الشامل والفعلي للتأثر بطاقة الخليج العربي رصد الكيفية التي تتوغل بها هذه الطاقة في عمق سلاسل الإمداد المحلية والدولية. فمع قيام القطاعات الصناعية بشراء موادها الأولية ومدخلاتها من موردين يعتمدون أساساً على الطاقة الخليجية، فإن حجم التأثر يتضاعف ويتراكم بصورة متوالية مع كل مرحلة من مراحل التصنيع والإنتاج.
وتشير أحدث قراءة لتقرير ""آفاق الاقتصاد"" الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المدى الإجمالي للتعرض لمخاطر طاقة الخليج العربي يقفز بمعدلات قياسية في العديد من الدول بمجرد إدراج روابط سلاسل الإمداد غير المباشرة في الحسبان (الشكل 2). بل إن التأثيرات غير المباشرة تفوق في أحيان كثيرة حجم الاعتماد المباشر، ويتجلى هذا المشهد بوضوح في القارة الآسيوية، حيث تسهم شبكات الإنتاج والتجارة البينية والإقليمية في تضخيم حجم الحساسية الاقتصادية في دول مثل تايلاند وكوريا الجنوبية والهند واليابان وتايبيه الصينية، دون إغفال التداعيات غير المباشرة العابرة للقارات والتي تمتد لتطال طيفاً واسعاً من الاقتصادات غير الآسيوية.
وتأسيساً على ذلك، فإن شرارة الاضطرابات في الخليج العربي قادرة على الانتشار لتلتهم اقتصادات دول قد لا تستورد قطرة نفط أو غاز واحدة بشكل مباشر من المنطقة. وعليه، فإن أي انقطاع طويل الأمد لإمدادات الطاقة الخليجية كفيل بأن يزعزع استقرار أسعار ووفرة مروحة واسعة من السلع المصنعة، وخدمات اللوجستيات والنقل، والمدخلات الصناعية الثقيلة، جنباً إلى جنب مع الارتفاع الطبيعي في تكاليف الطاقة ذاتها.
الشكل 2. الروابط غير المباشرة تزيد بشكل ملحوظ من مدى تأثر الاقتصادات بطاقة الخليج العربي
حصة الواردات الوسيطة المباشرة من الطاقة حسب المصدر من إجمالي الإنتاج، 2023
البوصلة القطاعية.. من هي الصناعات الأكثر هشاشة؟
من المتوقع أن تتباين حدة الضربات الناجمة عن انقطاع طاقة الخليج العربي من قطاع إلى آخر، نظراً لاختلاف درجة استهلاك كل صناعة لمدخلات الطاقة، فضلاً عن التفاوت في طبيعة وهياكل شبكات الإنتاج الخاصة بها. وبطبيعة الحال، جاء قطاع تكرير النفط وصناعات الكوك في صدارة القطاعات الأكثر تضرراً وانكشافاً أمام هذه المخاطر، سواء داخل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أو في الاقتصادات الآسيوية الناشئة والديناميكية (الشكل 3، اللوحة أ).
ويعزى هذا التقرير في جوهره إلى المحورية المطلقة التي يشكلها النفط الخام الخليجي في عمليات تكرير وإنتاج المشتقات البترولية، مدفوعاً بتأثيرات غير مباشرة عبر مدخلات حيوية كقطاعات الكهرباء، والصناعات الكيميائية، والنقل، والمعدات والآلات، والتي ترتبط هي الأخرى برباط وثيق بطاقة الخليج. كما تنضم قطاعات خدمات النقل، والصناعات الكيميائية والبتروكيميائية، والمعادن الأساسية إلى قائمة القطاعات شديدة الحساسية بمجرد تتبع روابط سلاسل التوريد.
وحتى القطاعات التي قد يبدو استخدامها المباشر لطاقة الخليج العربي هامشياً أو محدوداً، لن تكون بمعزل عن التأثيرات الارتدادية لشبكات إنتاجها؛ فعلى سبيل المثال، قد يترنح القطاع الزراعي بشكل غير مباشر جراء اعتماده الكثيف على الأسمدة الكيماوية، والآلات الزراعية، وخدمات الشحن واللوجستيات. وبوجه عام، تبدو الحساسية الإجمالية تجاه طاقة الخليج العربي أكثر عمقاً ووضوحاً في الاقتصادات الآسيوية الناشئة، مما يترجم ارتهانها البنيوي الكبير لواردات الطاقة من هذه البقعة الجغرافية.
وتجدر الإشارة إلى أن حجم التأثر بمدخلات الطاقة قد يتجاوز التقديرات المعروضة بكثير إذا ما تزامنت الأزمة مع اضطرابات أوسع في المعروض العالمي من النفط والغاز، أو في حال تحويل مسار شحنات الطاقة المستهدفة من منتجين آخرين. وتتشارك العديد من القطاعات في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والاقتصادات الآسيوية الناشئة في تعرضها التراكمي المرتفع لملف الطاقة المستوردة من شتى المصادر (الشكل 3، اللوحة ب)، وهو ما يؤكد أنه على الرغم من تفاوت مستويات الارتهان لطاقة الخليج بين الأقاليم، فإن أي زلزال أوسع يضرب أسواق الطاقة العالمية سيمد تداعياته إلى مروحة أشمل من القطاعات عبر قنوات تكاليف الطاقة المرتفعة وتشابكات سلاسل التوريد.
الشكل 3. تباين واسع النطاق في مدى التأثر بطاقة الخليج العربي عبر القطاعات والمناطق
حصة إجمالي واردات الطاقة الوسيطة المباشرة وغير المباشرة من إجمالي الإنتاج، 2023
خيارات المواجهة.. كيف تحمي الدول اقتصاداتها؟
في المدى المنظور والقصير، يمكن للاقتصادات العالمية استيعاب صدمات انقطاع الطاقة والتخفيف من وطأتها عبر تفعيل آليات التنسيق الدولي لإدارة السحب من المخزونات الاستراتيجية. بيد أنه كلما تمدد جدول الجدول الزمني لانقطاع الإمدادات، تعاظمت المخاطر ليتطور نقص المواد البترولية إلى شلل يضرب مفاصل الإنتاج والنشاط الاقتصادي بوجه عام.
أما على المدى الاستراتيجي البعيد، فإن تحصين الاقتصادات وتقليص هشاشتها يستوجب بالضرورة المضي قدماً في تنويع مصادر إمدادات الطاقة، ليس فقط من خلال تعدد المناطق الجغرافية الموردة، بل وأيضاً عبر التخلي عن الاعتماد الأحادي المفرط على نمط معين من مصادر الطاقة، والمتمثل في واردات الوقود الأحفوري. ويتزامن ذلك مع الأهمية القصوى لرفع كفاءة استهلاك الطاقة، وتحديداً في الأقاليم والمناطق التي لا تزال معدلات الهدر والاستهلاك فيها تسجل مستويات مرتفعة عند مقارنتها بالمعايير الدولية المعتمدة.
وكما تبرهن الأزمة الراهنة بكل وضوح، فإن بناء جدار حماية صلب ومقاوم للصدمات المستقبلية يمر حتماً عبر تقليل التبعية للممرات الملاحية وممرات النقل الحيوية، إلى جانب تعميق الفهم ببنية وروابط سلاسل الإمداد التي تشكل القنوات الأساسية لتسرب الاضطرابات وتفشيها في جسد الاقتصاد العالمي.
