القائمة الرئيسية

المؤشر الغائب وراء العطاء المستدام

المؤشر الغائب وراء العطاء المستدام
ملخص المقال

يتناول المقال مفهوم الاستدامة البشرية في بيئات العمل الحديثة، محذراً من أن السعي المستمر وراء زيادة الإنتاجية والكفاءة قد يؤدي إلى استنزاف الموظفين وارتفاع معدلات الاحتراق الوظيفي. ويوضح أن الضغوط المهنية أصبحت أكثر تعقيداً في عصر التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، حيث تتزايد المهام والتوقعات دون مراعاة للطاقة البشرية. ويؤكد المقال أن نجاح المؤسسات على المدى الطويل لا يعتمد فقط على الأرباح والمؤشرات المالية، بل أيضاً على قدرتها على حماية صحة موظفيها النفسية والجسدية وتنمية مهاراتهم. كما يستعرض عدداً من المؤشرات التي تكشف بيئات العمل غير المستدامة، مثل كثرة الاجتماعات، والعمل خارج الدوام، وتراكم الإجازات، وضعف الأمان النفسي. ويخلص إلى أن المؤسسات تواجه خياراً حاسماً: إما الاستمرار في استنزاف كوادرها البشرية، أو إعادة تصميم العمل بما يحقق التوازن بين الأداء العالي واستدامة الطاقة البشرية، باعتبار أن الإنسان هو الأصل الأهم في أي منظمة.

لا قيمة تذكر لقفزات الإنتاجية وطفرات الأرباح إذا كانت المؤسسات تستهلك طاقة موظفيها حتى النفاذ، فالكيانات الحية القابلة للازدهار والبقاء هي تلك التي تدرك حجم طاقتها البشرية، وتجعل من حمايتها وصيانتها أولوية قصوى.

ثمة حالة عامة من الإنهاك تخيم على الجميع؛ فالقادة وفرق العمل يمرون بمرحلة من استنزاف الشغف والجهد، بيد أن وطأة الأمر هذه المرة تبدو مختلفة تماماً وعميقة الأثر. فخلال أزمة الجائحة، كان الاحتراق الوظيفي شاخصاً أمام العيون ومحوراً لحديث مجتمعي منفتح، أما اليوم، فنحن نقف أمام نوع متجذر من التعب والإنهاك الصامت الذي يتحاشى الجميع نقاشه، حيث تدور عجلة العمل بسرعة جنونية متسارعة، وتتراكم المهام وتتسع رقعة التوقعات بلا هوادة، وحتى الأدوات والمنصات التقنية التي بُشرنا بها لتيسير الأعمال وإزالة عوائقها، تحولت في واقع الأمر إلى مصادر جديدة تفرض ضغوطاً بدنية ونفسية مبتكرة على الإنسان، لدرجة باتت معها قدرتنا اليومية على المراكبة والمجاراة تحت اختبار قاسٍ ومستمر.

وفي غمرة هذا المشهد، لا تتوقف الشركات عن المطالبة بمزيد من الكفاءة ومضاعفة السرعات، والاحتفاء بما تحققه من مكاسب إنتاجية. وتشتد ضراوة هذه الضغوط داخل بيئات العمل القائمة على الذكالي، حيث تتجه قطاعات الأعمال إلى تقليص الهياكل البشرية والاستغناء عن بعض الكوادر، مع إلقاء الأعباء المتبقية والمهام الإضافية على عاتق الموظفين المستمرين، ومطالبتهم باستيعابها دون إخلال.

إنها مفارقة غريبة ولحظة بالغة التعقيد؛ إذ يطارد الموظف شعور مزمن وقلق بأن جدول أعماله لن ينتهي أبداً، وأن مهامه ممتدة بلا آخر.

وحتى لو كانت زيادة الإنتاجية هي المطلب الأول في عالم المال والأعمال، فإن هذا لا يعني بحال من الأحوال دفع الطاقات البشرية نحو حافة الانهيار أو نقطة اللاعودة، بل إن الحكمة المؤسسية تقتضي تهيئة المناخ الملائم وبناء الظروف والروابط التي تمكن الكوادر من تقديم أفضل ما لديها من نتائج، ودون الاضطرار للمقامرة بسلامتهم النفسية والبدنية.

لكن السؤال الجوهري والمقلق هنا: كيف يتسنى للشركات والمؤسسات استشعار هذه الكلفة الإنسانية الباهظة والناتجة عن التوسع اللامتناهي في المهام، قبل أن ينفرط عقد الأداء ويتهاوى صرح العمل؟

الاستدامة البشرية.. لماذا تعد عصب الأعمال؟

في عام 2024، طرحت مؤسسة ديلويت مفهوم «الاستدامة البشرية» كمحاولة لتوسيع أفق المؤسسات في نظرتها للأداء طويل الأجل، وعرّفتها بأنها: «المدى الذي تسهم فيه المؤسسة في خلق قيمة حقيقية لأفرادها كبشر، مما ينعكس إيجاباً على تعزيز صحتهم وسلامتهم، وصقل مهاراتهم، ورفع كفاءتهم وجاهزيتهم للتوظيف والمستقبل...» إلى غير ذلك من المخرجات والنتائج الإيجابية.

ورغم أن هذا المفهوم يمثل أرضية صلبة ونقطة انطلاق ممتازة، إلا أن معطيات الواقع الحالي تفرض علينا التقدم خطوة أبعد من ذلك؛ وذلك من خلال صياغة مؤشر قياس عملي ينبع من الحكايات واللحظات اليومية البسيطة التي يتشكل منها واقع العمل الفعلي، ونقصد بذلك مواطن الخلل التي تتفكك فيها سلاسل المهام، والمواضع التي تخلق فيها الأنظمة البيروقراطية احتكاكاً مزمناً وعوائق غير مبررة. إن التأثير الحقيقي والفعلي لتجربة الموظف يتبلور الآن وبشكل رئيسي على مستوى الفريق الصغير؛ ورغم أن هذا المستوى ليس بالضرورة هو المنبع الأصلي للضغوطات والقرارات الفوقية، إلا أنه يمثل المختبر الحقيقي الذي تترجم فيه سياسات المؤسسة ومطالبها إلى تجربة حياتية معيشة بكل تفاصيلها، وهذا بدوره يعني أن هذا المستوى هو النافذة الأثمن والفرصة السانحة أمام القادة لإعادة اللمسة الإنسانية للعمل وجعله قابلاً للاستمرار.

وتتجلى المشكلة الأساسية في أن المؤسسات لا تتعامل مع معايير استدامة العمل البشري بنفس الجدية والموثوقية والصرامة التي تبديها تجاه مؤشرات الأعمال والمال الأخرى؛ فنراها ترصد بدقة متناهية معدلات نمو الأرباح وعوائد الاستثمار وكفاءة العمليات التشغيلية لضمان نجاح المنظومة، وتتفقد الأصول المادية والمعدات وتجري لها الصيانة الدورية لتلافي أي عطل قد يوقف خطوط الإنتاج، في حين لا تلتفت إلا قلة نادرة من الشركات إلى قياس المدى والطاقة البشرية المستوعبة والضرورية لضمان ديمومة هذه النتائج واستمرار نجاحاتها.

إذ لا يمكن لمنظمة تملك حداً أدنى من الرشد الإداري أن تقبل بإهلاك أصولها الميكانيكية والتقنية ومواصلة تشغيلها حتى الانهيار وهي تأمل في الوقت ذاته الحصول على عوائد مستقرة وممتدة على المدى الطويل، والقدرة البشرية تسير على ذات النسق تماماً وبنفس القواعد؛ فعندما يقع الموظف تحت طائلة الضغط المستمر والمطالب المتلاحقة، تبدأ جودة التنفيذ في التراجع، وتخمد جذوة الابتكار والأفكار الخلاقة، وتتأثر مخرجات الأعمال وصورة المنظمة في نهاية المطاف.

نذر الخطر وعلامات العمل غير المستدام

بناءً على تقديرات معهد غالوب، فإن ظاهرة الاحتراق الوظيفي تستنزف من الاقتصاد العالمي ما يقارب ثلاثمئة واثنين وعشرين مليار دولار سنوياً، تضيع بين تكاليف دوران العمالة المرتفعة وفقدان الإنتاجية وتدني مستويات الأداء. ومن هنا، يتحول الاحتراق المهني الناتج عن بيئات العمل الجافة وغير المستدامة إلى معضلة اقتصادية ومالية بحتة تمس صلب الأعمال، سواء التفتت إليها الشركات وأدخلتها في حساباتها الرسمية أم تجاهلتها.

غير أن الجانب الإيجابي في هذا الصدد يكمن في أن معظم المؤسسات تمتلك بالفعل المؤشرات والبيانات التي تمكنها من رصد ملامح العمل غير المستدام والتنبؤ به، وكل ما يتطلبه الأمر هو البدء في الربط بين هذه المعطيات بشكل منهجي وتكامل عبر المحاور التالية:

هندسة وتصميم العمل: تعيش كل مجموعة عمل تجربة مختلفة تماماً عن غيرها في التعاطي مع المهام، وهنا تبرز أهمية الاستعانة بأدوات التفكير التصميمي مثل خرائط رحلة الموظف وخرائط التعاطف، والتي تساعد في تلمس مواضع الخلل التي تخلق احتكاكاً وضغوطاً مجانية لا طائل منها ولا داعي لها.

القياسات البعدية لبيئة العمل: إن التضخم في أعداد الاجتماعات، والاضطرار للرد على المراسلات والرسائل بعد انقضاء الساعات الرسمية، والتنقل العشوائي والمستمر بين البرامج والتطبيقات المختلفة، كلها تفرز سلوكيات وأنماطاً تستطيع أدوات القياس البعدي كشفها ورفع الغطاء عنها، قبل أن يصبح الاحتراق الوظيفي وتراجع جودة الأداء هما السائد والأصل في المؤسسة.

الطاقة والمخزون البشري: إن ترحيل الإجازات السنوية دون الاستفادة منها، وتكرار الإجازات المرضية الطويلة والاضطرارية، والتحول السلبي الواضح في حيوية ونشاط الموظفين، كلها شواهد حية تفضح الحقيقة؛ وتوضح ما إذا كانت فرق العمل تعمل وفق غريزة البقاء والوجود الشكلي الباهت بدلاً من الإنتاجية الصحية والأداء المتوازن.

الأمان النفسي والمؤسسي: يمثل شعور الموظف بالارتياح والقدرة على مصارحة قادته بمخاوفه، والاعتراف غير المشروط بالأخطاء، والإشارة بوضوح إلى عدم معقولية بعض أعباء العمل ومطالبها، واحداً من أدق المؤشرات وأكثرها نصوعاً؛ فالصمت المؤسسي يولد أنماط عمل مشوهة ومريرة قد لا تكتشفها الإدارة إلا بعد فوات الأوان وتفاقم الخسائر.

مستويات الضغط في البيئة المهنية: إن العيش في جلباب الطوارئ الدائمة، والنقص المزمن في الكوادر وأعداد الموظفين، وجودة أنظمة الحوافز والمكافآت التي ترسخ للعمل المفرط وتعتبره بطولة وتضحية محمودة، كلها عناصر تسهم في خلق ثقافة مشوهة، تجبر الموظفين على المضي قدماً والضغط على أنفسهم حتى وإن تجاوزت الوتيرة حدود القدرة وباتت غير منتجة ولا مستدامة.

وإذا لم تولِ المؤسسات أهمية قصوى لهذه الإشارات والرسائل، فإن قطار الإنتاجية سيتوقف حتماً في نهاية المطاف؛ نظراً لأن فرق العمل ستصبح مثقلة بالهموم والمهام لدرجة تسلبها مرونتها وقدرتها على التكيف الإيجابي مع تحولات السوق، ولسوء الحظ، فإن هذه اللحظة الحرجة قد دقت أجراسها بالفعل في العديد من الشركات اليوم.

مفترق الطرق: الخيار الحتمي للمؤسسات

تقف الكيانات والمؤسسات اليوم أمام مفترق طرق حاسم ولا مفر منه؛

فإما أن تمضي في غيها بالمطالبة بزيادة معدلات الإنتاجية والكفاءة التشغيلية، متعاملة مع الطاقة البشرية والقدرة الإنسانية باعتبارها موارد لانهائية لا تنضب ولا تجف.

أو أن تبادر، عن وعي ودراية، إلى إعادة صياغة وتصميم وهيكلة أساليب العمل، بأسلوب يتيح للأفراد الحفاظ على مستويات أدائهم المهني متزامناً مع سلامتهم النفسية والبدنية على حد سواء على المدى الطويل. وحتى في الحالات التي لا يمكن فيها تقليص حجم العمل أو حينما تكون فرص الاستقطاب وتعيين موظفين جدد محدودة ومقيدة، يظل بإمكان القادة اتخاذ قرارات حكيمة ومؤثرة؛ مثل الحسم في ترتيب الأولويات والتركيز الحصري على المهام ذات القيمة الحقيقية، وإلغاء الأعمال الهامشية وغير الضرورية، ومساعدة فرقهم في رسم خطوط حمراء وحدود واضحة لكيفية استثمار أوقاتهم وتوجيه طاقاتهم.

إن الاستثمار في تهيئة بيئة تدعم العمل المستدام يستند إلى منطق اقتصادي وتجاري صلب؛ حيث كشفت نتائج مؤشر صحة المنظمات الصادر عن مؤسسة ماكينزي أن الشركات التي تتمتع بصحة تنظيمية متماسكة وقوية تمنح مساهميها عوائد مالية تبلغ ثلاثة أضعاف العوائد التي تقدمها الشركات الأخرى.

لقد غدا الأداء البشري المستدام حجر الزاوية والركيزة الأساسية التي تحدد مدى مرونة المؤسسة وقدرتها على التكيف والنمو وتحقيق نتائج راسخة وممتدة.

وهذا الواقع الجديد يحتم على قطاع الأعمال البدء في رصد التوازن الدقيق بين القدرة البشرية والعمل المستدام والاهتمام به على مستوى الفريق الصغير، حيث تنبض الحياة في تفاصيل المهام اليومية، وحيث تبدأ نذر الضغط وعلامات الإنهاك الوظيفي في التسلل أولاً.

وفي نهاية المطاف، ستصطدم كل شركة من هذه الشركات بحقيقة كونية ثابتة، حقيقة تؤكد أن البشر كائنات قابلة للاستنزاف، وأن مخزون طاقتهم سينفد لا محالة إذا لم تتغير هذه السياسات.

المصدر

مقالات ذات صلة