كشفت دراسة علمية صادرة عن جامعة ديوك العام الماضي عن تفاؤل كبير يسود أوساط الفنانين والمبدعين البصريين بشأن مستقبلهم في عصر الذكالي، حيث يسيطر عليهم إيمان راسخ بأنهم الأقدر على توظيف هذه التقنيات الحديثة لصالحهم، وأنهم بمنأى عن خطر الأتمتة والبديل الآلي.
وقد فتح ظهور الذكالي باباً واسعاً للنقاش الساخن حول مآلات الإبداع البشري، وفي هذا السياق، سلطت دراسة من جامعة جنوب أستراليا الضوء على التشابك بين الذكالي والعملية الإبداعية، وخلصت إلى أنه على الرغم من قدرة الآلة على تقديم مخرجات تبدو مبتكرة، إلا أنها تظل عاجزة عن الاستغناء عن اللمسة والتوجيه البشريين.
التفوق الإبداعي.. لمن الغلبة؟
وفي سياق متصل، تناولت دراسة أكثر عمقاً وتوسعاً أجرتها كلية جادج لإدارة الأعمال بجامعة كامبريدج ثلاثة عشرة مهمة إبداعية متنوعة، تراوحت بين تأليف القصص وحل المعضلات العلمية المعقدة، واستهدفت هذه المهام قياس مهارات الكتابة الإبداعية، والقدرة على ابتكار الحلول، والتفكير المتشعب، وهي الركائز الأساسية التي يقوم عليها صرح الإبداع.
وأثبتت النتائج أن الذكاء الإبداعي الجماعي لنماذج لغات الذكالي الكبيرة يعادل تقريباً كفاءة ثمانية إلى عشرة أشخاص مجتمعين، وذلك في حال توجيه عشرة أسئلة أو أوامر متتالية للنموذج، ومع كل إجابتين إضافيتين يقدمهما النموذج بعد ذلك، تزداد كفاءته لتوازي جهداً بشرياً إضافياً، ويرى الباحثون في هذا الصدد أنه في حال استغلال هذه النماذج اللغوية بالشكل الأمثل، فإنها قادرة على منافسة المجموعات البشرية الصغيرة في إنجاز المهام الإبداعية.
هذا المشهد يضعنا أمام مفارقة متباينة للغاية، ففي الوقت الذي يثق فيه فنانو الجرافيك والرسامون بقدرتهم الفائقة على صياغة أوامر ومطالبات ذكية تفوق ما يقدمه الشخص العادي مما يضمن لهم الاحتفاظ بتميزهم، يبدو الأمر مغايراً تماماً في حقول إبداعية أخرى، إذ استطلعت دراسة أخرى لكامبريدج آراء نخبة من المبدعين والأدباء في قطاع النشر البريطاني، وجاءت النتيجة محملة بتشاؤم سوداوي يلف مستقبلهم، وتنوعت مخاوفهم بين ضياع حقوق الملكية الفكرية وتآكل مصادر دخلهم، وصولاً إلى التخوف من اندثار الرواية والقصة كشكل فني بحد ذاته.
صناعة في مهب الريح
وأعرب أكثر من نصف الروائيين المشاركين في الاستطلاع عن قناعتهم بأن الذكالي سيمحو صناعتهم من الوجود في نهاية المطاف، لتصبح الروايات والقصص المستقبلية منتجاً آلياً بالكامل تصنعه الماكينات، ويزيد من مرارة هذا التشاؤم شعور السواد الأعظم من الكتاب بأن نتاجهم الأدبي وفكرهم قد تعرض للسرقة والقرصنة واستُخدم دون إذن لتدريب خوارزميات هذه النماذج.
ولم يكن هذا الإحباط مجرد هواجس عابرة، بل يستند إلى واقع ملموس، إذ أكد أكثر من ثلث الكتاب أن عائدهم المادي قد تضرر بالفعل بسبب زحف التقنية، في حين يرى الباقون تقريباً أن هذا المصير المالي القاتم ينتظرهم لا محالة في القريب العاجل.
ورغم هذا التهديد الوجودي الذي يتربص بمستقبلهم المهني، لم يظهر معظم الروائيين عداءً مطلقاً أو تعصباً أعمى ضد التكنولوجيا، بل أقرت غالبية ساحقة منهم بأن هذه التقنيات قد تحمل منافع جمة للمجتمع، ولو في جوانب محددة منها.
نزيف اقتصادي
ويلفت الباحثون الانتباه إلى الأهمية الاقتصادية لقطاع النشر، حيث يضخ نحو أحد عشر مليار جنيه إسترليني سنوياً في شرايين الاقتصاد البريطاني، فضلًا عن كونه واجهة وطنية مشرقة ومجالاً تتفوق فيه الدولة عالمياً بصفتها المصدر الأكبر للكتب في العالم.
ويبدو أن مناخ الإحباط الذي يخيم على هذه الصناعة يجد ما يبرره في القوانين والتشريعات الصادرة مؤخراً، والتي يرى المؤلفون أنها انحازت لقطاع التكنولوجيا ومنحت شركاته نفوذاً وسلطة غير عادلة للاستحواذ على مصنفاتهم الأدبية لتدريب الأنظمة الذكية، وتتضاعف المخاوف أيضاً حول الكيفية التي سيؤثر بها سيل الروايات المصنوعة آلياً على الرابطة الإنسانية التي تجمع بين الكاتب وقارئه.
وفي هذا الصدد، يشير القائمون على الدراسة إلى وجود قلق عارم يجتاح مجتمع الروائيين من أن الذكالي التوليدي، الذي يتغذى على محيطات من القصص الخيالية، سيبخس من قيمة الكتابة الإنسانية ويخلق منافسة غير متكافئة مع الأدباء البشر، كما ساد شعور بعدم اليقين بين العديد من الكتاب حول ما إذا كانت الأجيال القادمة ستمتلك الشغف والصبر لمطالعة القوالب الأدبية المعقدة والمطولة.
طوفان المنافسة الجديد
وفي غمرة السباق المحموم الذي تخوضه شركات الذكالي لاسترداد المبالغ الفلكية التي استثمرتها في البنية التحتية، برز سوق الرواية والقصة كهدف رئيسي مرصود، حيث تتدفق حالياً أشكال متنوعة من البرمجيات والأدوات المتخصصة التي تتدخل إما بالمساعدة في الصياغة والإلهام، أو بالاستقلال التام لإنتاج كتاب كامل من الغلاف إلى الغلاف.
وإذا ما غرقت الأسواق بهذه المؤلفات الآلية بأسعار بخسة، فإن الكتاب يتوجسون خيفة من أن تتحول الرواية المكتوبة بأيدي البشر إلى سلعة نادرة تقتصر على النخبة والموسرين، لاسيما وأن القوانين الحكومية تبدو وكأنها تعطي الضوء الأخضر لشركات التقنية للتنقيب في النصوص واستغلالها، ما لم يقم المؤلف بنفسه بتفعيل خيار الرفض ومنع الاستخدام، وهو الإجراء الذي أكد جميع المشاركين في الاستطلاع تقريباً أنهم سيتخذونه بلا تردد.
ومع تراجع معدلات القراءة بين أطفال بريطانيا، حيث صرح ثلثهم فقط بأنهم يستمتعون بالمطالعة في أوقات فراغهم، فإن توجس صناع النشر يصبح مبرراً ومشروعاً؛ إذ إن توغل الذكالي كفيل بقطع ما تبقى من حبال الوصل بين المؤلف والجمهور، خصوصاً إذا امتلأت رفوف المكتبات وأسواق القراءة بنصوص باهتة ومكررة تفتقر إلى الروح وتدور في فلك قوالب جاهزة صماء.
رؤية استشرافية للمستقبل
إن الفجوة الآخذة في الاتساع بين تفاؤل أهل الفنون البصرية وقلق أهل القلم والروائيين تكشف نقاباً عن حقيقة أعمق، وهي أن مطرقة الذكالي لن تضرب الجميع بنفس القوة والمقدار، فبينما سيجد بعض المبدعين سبيلاً لتطويع هذه الأدوات والركوب على متنها، سيجد آخرون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع طوفان جارف من المحتوى الزائف المصنوع على نطاق صناعي واسع، والذي تم تخليقه في كثير من الأحيان من سرقة جهودهم وسلب عرقهم دون أدنى موافقة.
وإذا وقف صناع القرار مكتوفي الأيدي دون حسم هذه المعضلات, فإن الضرر المادي الذي يطوق أعناق الكتاب اليوم لن يكون سوى مقدمة لخسائر ثقافية وفكرية أشد فداحة، فالأسواق التي تتكدس بنصوص متشابهة وهجينة وليدة الآلة، تهدد بتهميش الصوت الإنساني وإذابة الروابط الوجدانية الدقيقة بين الكاتب والقارئ، وفي مثل هذا السيناريو، لن يموت الإبداع أو يندثر، لكنه سيعجز عن البقاء كمصدر للعيش الكريم، ويصبح من السهل استبداله ببديل آخر أرخص ثمناً، وأسرع إنتاجاً، وأكثر رتابة وجفافاً.
وما لم نبتكر صيغة عادلة تحفظ للمبدعين البشر أصالتهم وتقدر جهودهم المخلصة، فقد نستفيق يوماً لنكتشف أن الكلفة الحقيقية لأدب الذكالي لن تقف عند حدود الأرقام والخسائر المادية فحسب، بل ستنعكس في هزال ثقافي وفقر معرفي يصعب بعده ترميم هويتنا الإنسانية.
