ملخص: يتناول المقال السياسة اللغوية في تشاد بوصفها قضية ترتبط بالهوية والسلطة أكثر من ارتباطها بالتعليم، حيث تضم البلاد نحو 130 لغة محلية بينما تُعد العربية الفصحى والفرنسية اللغتين الرسميتين. ويركز المقال على قرار الحكومة التشادية عام 2026 بمساواة العربية الفصحى بالفرنسية في التدريس والامتحانات، موضحاً أن هذا القرار يعكس تحولات سياسية داخلية وخارجية تهدف إلى تعزيز نفوذ النخبة الناطقة بالعربية وتقليص هيمنة الفرانكوفونيين، بالتزامن مع ابتعاد تشاد عن النفوذ الفرنسي وتقاربها مع الدول العربية، خاصة الإمارات. كما يستعرض الخلفية التاريخية للعربية المرتبطة بالإسلام في شمال البلاد والفرنسية المرتبطة بالإرث الاستعماري في الجنوب، ويبين التحديات التي تواجه مشروع الثنائية اللغوية بسبب ضعف البنية التعليمية ونقص معلمي العربية. ويخلص المقال إلى أن تعزيز مكانة العربية قد يؤدي إلى زيادة التهميش السياسي والاقتصادي لبعض الفئات، مما قد يفاقم الانقسامات الاجتماعية ويهدد الاستقرار في تشاد.
تعد السياسات اللغوية في معظم الدول الأفريقية المتعددة اللغات من القضايا الشائكة والمثيرة للجدل، نظراً لتعلقها الوثيق بالهوية الإقليمية، والانتماء الديني، وتوازنات السلطة السياسية، وهو واقع يتجلى بوضوح في جمهورية تشاد الواقعة في قلب القارة الأفريقية.
تضم تشاد نسيجاً اجتماعياً يتسم بالتعدد العرقي والديني، حيث يتحدث سكانها نحو 130 لغة محلية، بينما تنفرد اللغتان العربية الفصحى والفرنسية بالصفة الرسمية في البلاد، والمفارقة هنا أن كليتهما لا تنبعان من أصول تشادية أصيلة، ولا تمثلان اللغة الأم للأغلبية العظمى من المواطنين.
لقد أسهمت اللغة العربية في تشكيل وجدان وهوية معظم المجموعات العرقية في شمال تشاد على مدار قرون طويلة، في حين أدت الفرنسية الدور ذاته في الجنوب لقرابة قرن من الزمان تقريباً.
ومن واقع دراستي الطويلة للاستقطابات العرقية والدينية في تشاد، يمكنني القول إن التوجه التعليمي الجديد للبلاد يتجاوز حدود الفصول الدراسية، ويحمل أبعاداً أعمق بكثير من مجرد إصلاح تربوي.
وكان وزير التعليم التشادي، محمد أحمد الحبو، قد أصدر تعميماً وزاريياً في أبريل من عام 2026، يقضي بمنح اللغة العربية الفصحى مكانة مكافئة تماماً للغة الفرنسية باعتبارها لغة للتدريس والامتحانات، على أن يدخل هذا القرار حيز التنفيذ مع بداية العام الدراسي المقبل.
ويميط هذا التعميم اللثام عن طبيعة المشهد السياسي الراهن في تشاد، سواء على المستوى الداخلي أو في سياق العلاقات الدولية.
فعلى الصعيد المحلي، يشير هذا القرار الفوري بالمساواة بين اللغتين إلى مسعى متعمد لتمكين النخبة السياسية والاقتصادية الناطقة بالعربية وتوسيع نفوذها، ويأتي هذا التحرك على حساب المجموعات الفرانكوفونية التي تشكل النواة الأساسية للمعارضة السياسية في البلاد.
وعلى الصعيد الدولي، يعكس القرار رغبة واضحة في الابتعاد عن فلك المستعمر القديم، فرنسا، ومحاولة النظام الحالي بقيادة محمد ديبي توثيق شراكاته مع العالم العربي، وتحديداً مع دولة الإمارات العربية المتحدة.
العربية والفرنسية: بين مدّ الأسلمة والتركة الاستعمارية
تختلف الجذور التاريخية لكل من العربية والفرنسية في التربة التشادية، إذ تشير القراءات التاريخية إلى أن العربية دخلت مناطق الشمال التشادية الحالية بالتزامن مع موجات نشر الإسلام بين القرنين الثامن والحادي عشر الميلاديين.
وكما هو الحال في العديد من الأقطار، تفرعت عن العربية الفصحى لغة دارجة متميزة عُرفت بـ "العربية التشادية"، والتي اغتنت بكلمات ومصطلحات اقتبستها من اللغات المحلية السائدة في المنطقة.
وفي وقتنا الحاضر، تظل العربية الفصحى هي لغة القرآن الكريم تلاوة وتعليماً، وتتحدث بها نخبة محدودة ومتعلمة وموسرة من المسلمين الذين يمتلكون صلات وثيقة بالدول العربية، نتيجة للدراسة أو العمل هناك، أما السواد الأعظم ممن يصنفون أنفسهم كناطقين بالعربية، فهم يتواصلون في حياتهم اليومية بالعربية التشادية الدارجة.
في المقابل، غرس الاستعمار الفرنسي في الفترة ما بين 1900 و1960 لغته في مناطق الجنوب، لتصبح لغة الإدارة والتعليم والتبشير.
ولما كان الالتحاق بالوظائف الحكومية في العهد الاستعماري مشروطاً بإتقان الفرنسية، فقد انخرط سكان الجنوب في المنظومة التعليمية الفرنسية وتبنوا لغتها، بينما انصرف الشمال الإسلامي عنها بشكل كبير، متمسكاً بخلاويه ومدارسه الخاصة.
واليوم، تمثل العربية التشادية والفرنسية لغتي التواصل المشترك في سائر أنحاء البلاد، لا سيما في الحواضر الكبرى، لكنهما ما تزالان تحملان دلالات الانقسام القديم حول الأصول والدين، بين شمال مسلم وجنوب مسيحي.
وتنعكس هذه الروابط على موازين القوى السياسية، حيث تستأثر نخبة مسلمة ناطقة بالعربية بمقاليد الحكم منذ أكثر من أربعة عقود.
معضلة الثنائية اللغوية: طموحات رسمية وتحديات الواقع
سارت تشاد المستقلة على نهج جاراتها، فتبنت النظام التعليمي الفرنسي واعتمدت الفرنسية لغة رسمية وحيدة للبلاد تحت قيادة رئيسها الأول الفرانكوفوني نغارتا تومبالباي.
ورغم منح العربية صفة اللغة الوطنية عام 1962، إلا أن الفرنسية ظلت محتكرة لقطاعات الإدارة والتعليم، وهو ما أدى في العقود الأولى للاستقلال إلى هيمنة النخبة الناطقة بالفرنسية على الوظائف العامة والمشهد السياسي.
ولكن بعد سنوات مريرة من الحروب الأهلية، شهدت البلاد عام 1978 تحولاً جوهرياً في السلطة من الجنوب ذي الأغلبية المسيحية إلى الشمال ذي الغالبية الإسلامية، وترجم هذا التحول سريعاً في الاتفاق على اعتماد العربية لغة رسمية ثانية، حيث توافق الرئيس فيليكس مالوم، الذي لم يدم حكمه سوى أشهر قليلة، مع رئيس وزرائه حينها حسين حبري، الذي حكم تشاد لاحقاً بقبضة حديدية من 1982 إلى 1990، على دسترة اللغة العربية.
وعقب وصول إدريس ديبي إلى السلطة عام 1990، سعى المؤتمر الوطني المنعقد عام 1993 إلى رسم خارطة طريق نحو التحول الديمقراطي وبناء تشاد الموحدة، وحظيت المسألة اللغوية بنصيب وافر من النقاش، ولم يعد الخلاف متمحوراً حول الاختيار بين العربية أو الفرنسية، بل أجمع المؤتمرون على تبني خيار الثنائية اللغوية، وانصب النقاش حول نوع العربية المراد اعتمادها: هل هي الفصحى أم الدارجة التشادية؟ ورست الاختيارات في النهاية على العربية الفصحى.
وضعت هذه الخطوة المنظومة التعليمية المتهالكة أمام تحدٍ شبه مستحيل طوال العقود اللاحقة، فالبلاد كانت، وما زالت، تعاني من عجز صارخ في معلمي اللغة العربية المؤهلين وفي المناهج والمواد التعليمية المخصصة لها.
وأدى هذا النقص إلى تقليص الحصص الدراسية الفعلية، ومن ثم تراجع مستويات إتقان العربية في المدارس الحكومية، وحتى الجامعات التي تعتمد العربية لغة للتدريس باتت تشتكي من اضطرارها لتخصيص المراحل الأولى لمحو الأمية وتدريس المبادئ، مما يعني أن مشروع الثنائية اللغوية الحقيقية في المدارس التشادية ما زال بعيد المنال.
فضلاً عن ذلك، قوبلت العربية الفصحى برفض مبدئي من قطاع عريض من السكان الفرانكوفونيين الذين رأوا فيها أداة للهيمنة السياسية المفروضة عليهم.
اللغة كأداة للنفوذ السياسي والاقتصادي
يقضي التعميم الوزاري الجديد برفع ساعات تدريس العربية الفصحى لتتساوى تماماً مع ساعات اللغة الفرنسية بدءاً من الموسم الدراسي المقبل، مع إدراجها فوراً كمادة أساسية وإلزامية في امتحانات الشهادة الثانوية.
بيد أن هذا القرار في واقع الأمر لن يصب إلا في مصلحة أبناء الطبقة الحاكمة والنخبة، الذين يتلقون تعليماً متميزاً ويمتلكون القدرة على تطوير مهاراتهم اللغوية عبر الالتحاق بالمدارس الخاصة المتنامية التي تقدم برامج تعليمية عالية الجودة بالعربية، أو من خلال إرسالهم للدراسة في الخارج.
وعلى أرض الواقع، ستسهم هذه الخطوة في تثبيت نفوذ ومكانة الشرائح الاجتماعية التي تراكمت ثرواتها في عهد الرئيس الراحل إدريس ديبي.
وفي المقابل، ستجد النخبة الفرانكوفونية السابقة نفسها مدفوعة نحو التهميش السياسي والاقتصادي بشكل متزايد.
خلاصة واستنتاج
إن هذا التحول المتسارع نحو تعزيز مكانة العربية الفصحى يترجم بوضوح بوصلة السياسة الخارجية الحالية لندجامينا، فالبلاد قد طوت صفحة التعاون العسكري مع فرنسا، وتتجه بقوة لبناء تحالفات متينة مع منطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة.
ومنذ رحيل إدريس ديبي، سارعت أبوظبي في مناسبات عدة لتقديم مساعدات مالية سخية للخزينة التشادية، غير أن هذه القروض والمنح لم تكن بلا ثمن، بل ارتبطت باشتراطات سياسية، منها دفع تشاد لتقديم الدعم لقوات حميدتي في الحرب الأهلية الدائرة في السودان المجاور، وهو أمر ينطوي على مخاطرة حقيقية بجر تشاد إلى أتون هذا الصراع الإقليمي.
وتأسيساً على ما تقدم، يمكن القول إن السياسة اللغوية التي ينتهجها النظام التشادي الحالي محفوفة بالمخاطر، فإقصاء قطاع واسع من المواطنين وحرمانهم من تكافؤ الفرص في بناء مستقبل أفضل، قد يفتح الباب أمام اضطرابات اجتماعية وسياسية يصعب احتواؤها بالطرق السلمية.
