ملخص: يتناول المقال أزمة إنسانية وصحية حادة تتمثل في وفاة ملايين الأطفال ومئات النساء يومياً بسبب مضاعفات يمكن الوقاية منها في الغالب، خصوصاً في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، ويؤكد أن سد هذه الفجوة يقع في صميم الجهود الدولية الرامية لتوسيع نطاق الخدمات الصحية الأساسية لتشمل 1.5 مليار شخص بحلول عام 2030، مع تركيز خاص على النساء والأطفال والمراهقين الأكثر هشاشة. ويعرض المقال دور “آلية التمويل العالمية” بوصفها منصة تمويلية تعمل على تحفيز الاستثمارات الصحية، حيث يسهم كل دولار منها في جذب تمويلات إضافية أكبر، مع اعتمادها على الأنظمة الوطنية وتعزيز دور المجتمع المدني لضمان وصول الخدمات إلى الفئات النائية، وقد شهدت مؤخراً التزامات مالية كبيرة لدعم صحة الأم والطفل ضمن شراكات دولية واسعة. كما يبرز الجهود الإقليمية في غرب ووسط أفريقيا لتطوير نظم الرعاية الصحية ضمن مبادرات تستهدف بناء أنظمة أكثر مرونة واستدامة، عبر تمويل أكثر كفاءة، وتوسيع التدخلات الطبية الفعالة، وتعزيز الرعاية الصحية الأولية. ويخلص المقال إلى أن هذه الشراكات تمثل فرصة حقيقية لتسريع خفض الوفيات التي يمكن تفاديها، رغم التحديات القائمة، عبر الاستثمار في أنظمة صحية أقوى وأكثر عدالة.
تُشير الإحصاءات إلى واقع مؤلم؛ حيث يفقد نحو خمسة ملايين طفل حياتهم سنوياً، ما يعادل تسعة أطفال في كل دقيقة تمر. ولا يقتصر الأمر على الأطفال، إذ تشهد كل يوم وفاة زهاء 700 امرأة لأسباب وترتيبات ترتبط بالحمل والولادة، تقع نسبة 90% منها في المجتمعات والدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط. والمفارقة هنا أن السواد الأعظم من هذه الوفيات كان يمكن تلافيه ومنع حدوثه بالرعاية الطبية المناسبة.
إن ردم هذه الفجوة الإنسانية والصحية يقع في صميم الرؤية الطموحة التي تبنتها مجموعة البنك الدولي، والتي تستهدف إيصال الخدمات الصحية الأساسية إلى نحو المليار والنصف مليار إنسان بحلول عام 2030. وهي غاية لا يمكن إدراكها أو ملامستها على أرض الواقع دون تسليط الضوء، وبتركيز مكثف، على الفئات الأكثر هشاشة وعرضة للمخاطر في أفقر بقاع الأرض، وتحديداً: النساء، والأطفال، واليافعين.
ومن هذا المنطلق، يبعث على التفاؤل والارتياح ما شهدته "اجتماعات الربيع الأخيرة لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي"، حيث توافد حشد واسع من القادة وصناع القرار يمثلون الحكومات الشريكة، والجهات المانحة السيادية، والمؤسسات الخيرية، إلى جانب أقطاب القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني. وقد جاء هذا الاحتشاد لتجديد الدعم والالتزام تجاه "آلية التمويل العالمية لصالح النساء والأطفال والمراهقين" (GFF)، وتُوّج هذا اللقاء بتقديم تعهدات مالية تجاوزت 800 مليون دولار في اليوم الأول من إطلاق الجولة الاستثمارية الممتدة بين عامي 2026 و2030، والمخصصة لدعم صحة الأمهات والأطفال.
وفي إطار هذا الزخم، أتواجد هذا الأسبوع في العاصمة الغانية "أكرا"، حيث أعقد سلسلة من المباحثات مع وزراء الصحة والمالية من مختلف دول غرب ووسط أفريقيا، بهدف بلورة خطط عملية تضمن الارتقاء بالخدمات الصحية المقدمة لنحو 200 مليون إنسان في المنطقة.
وتأتي هذه التحركات كجزء لا يتجزأ من مبادرة "مؤهلون للازدهار" (Fit to Prosper)، وهي استراتيجية إقليمية صُممت خصيصاً للمساهمة في تحقيق الهدف العالمي الشامل (الوصول إلى 1.5 مليار شخص). وتتمحور هذه المبادرة حول ركائز أساسية تشمل: تمكين خدمات الرعاية في الخطوط الأمامية، وتأمين مصادر تمويل مستدامة، فضلاً عن بناء منظومة مرنة لتقديم الخدمات وقادرة على تلبية الاحتياجات الصحية المتنامية للسكان.
وقد أبرز الوزراء، خلال نقاشاتنا، السبل الكفيلة بالنهوض بملفات الصحة والتغذية وتحقيق "السيادة الصحية" في ظل التحديات الراهنة وتراجع الهوامش المالية المتاحة في الميزانيات. فهم لا ينظرون إلى قطاع الرعاية الصحية كمجرد أداة لتحسين المؤشرات الطبية فحسب، بل يرون فيه محركاً أساسياً لبناء رأس المال البشري، وتوليد فرص العمل، ودفع عجلة الازدهار الاقتصادي، وتحقيق الأمن الصحي المستدام.
ما الذي يمنح نموذج "آلية التمويل العالمية" (GFF) ميزته الاستثمارية الفريدة في الوقت الراهن؟
منذ انطلاقها في عام 2015، تتربع "آلية التمويل العالمية" كمنصة دولية وحيدة متخصصة ومكرسة بالكامل لدعم قضايا النساء والأطفال والمراهقين. بيد أن ما يمنح هذه الآلية تفردها واستثنائيتها ليس طبيعة المشاريع التي تمولها فحسب، بل في فلسفة عملها وآلية تنسيقها مع مجموعة البنك الدولي لتحويل التدفقات المالية إلى إنجازات ملموسة وواسعة النطاق على أرض الواقع.
فكل دولار تمنحه "آلية التمويل العالمية" يعمل كمحفز ورافعة مالية تساهم في استقطاب وفك قنوات تمويلية تقارب سبعة دولارات من مجموعة البنك الدولي. وتتميز الآلية بكونها تنفذ برامجها من خلال الأنظمة والمؤسسات الوطنية للدول نفسها، مما يضمن اتساقها التام مع الموازنات والخطط الحكومية، وبقيادة وإشراف مباشر من السلطات الوطنية، وهو ما يسمح بحشد وتوجيه جهود كافة الشركاء وراء استراتيجية وطنية موحدة. وفي هذا السياق، تبرز الأهمية البالغة لدور المجتمع المدني، والمجتمعات المحلية، والشباب في كافة مراحل العمل؛ إذ يقع على عاتقهم تفعيل مبادئ المساءلة، وضمان وصول الرعاية إلى مستحقيها في المناطق النائية والمعزولة، وإبقاء البوصلة متجهة دائماً نحو الفئات الأكثر حاجة من النساء والأطفال واليافعين الذين يصعب الوصول إليهم عادةً.
ولا تحتاج النتائج التي تمخضت عنها هذه الجهود إلى دليل؛ فالبلدان التي حظيت بدعم "آلية التمويل العالمية" شهدت توسعاً متسارعاً في إتاحة خدمات الرعاية الصحية الأساسية، وحققت طفرة في تحسين المؤشرات الحيوية للنساء والأطفال والمراهقين، وبمعدلات تفوق بكثير نظيراتها من الدول التي لم تستفد من هذا الدعم.
وتأسيساً على استراتيجية "التحول 2030" التي تتبناها الآلية، يركز هذا التحالف والشراكة الدولية على ثلاثة مسارات رئيسية:
صياغة وهندسة تمويل أكثر ذكاءً وكفاءة: لتمكين الدول من تعظيم الأثر والعائد الإنساني من كل دولار يُستثمر في مجالات صحة المرأة والطفل واليافعين.
توسيع نطاق التدخلات الطبية المجربة وذات الجدوى الاقتصادية: لقطع دابر وفيات الأمهات والأطفال الناتجة عن أسباب يمكن الوقاية منها.
تطوير وبناء نظم رعاية صحية أولية متينة: تتسم بالمرونة والقدرة على امتصاص الأزمات والصدمات الطارئة، بما يسرع خطى الدول نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي والاعتماد على مقدراتها الوطنية.
وعبر تضافر جهودها وتكاملها مع مجموعة البنك الدولي، تعكف "آلية التمويل العالمية" على رصد الحلول والممارسات التي أثبتت نجاحاً ساحقاً في الحد من وفيات الأمهات والأطفال، ومن ثم العمل على تعميمها واستنساخها؛ لتتمكن الدول من مراكمة النجاحات والمضي قماً في مسار تنموي موحد. إن هذا التناغم والانسجام المؤسسي القوي يعكس القوة الكامنة في هذه الشراكة، والتي تمثل حجر الزاوية في مساعينا الرامية للوصول إلى المستهدف الصحي الكلي والمتمثل في رعاية 1.5 مليار إنسان بحلول عام 2030.
ختاماً، لا يمكننا إنكار أن التحديات والمخاطر المحدقة حقيقية وقائمة، وأن المكتسبات المحققة ليست بمنأى عن التراجع؛ إلا أن حجم الفرصة السانحة أمامنا اليوم يبدد هذا القلق بالقدر ذاته. فالاستثمار في "آلية التمويل العالمية" يمثل البوابة الأساسية لمساعدة الدول على مد مظلة الرعاية الطبية المنقذة للحياة لمئات الملايين من البشر، وجعل الحلم الإنساني في إنهاء وفيات الأمهات والأطفال القابلة للمنع هدفاً قريباً وقابل التحقيق.
