ملخص: يناقش المقال هشاشة النظام الغذائي العالمي في ظل التغير المناخي، موضحاً أن الزراعة الحديثة تعتمد على عدد محدود من المناطق المنتجة والشركات الكبرى التي تتحكم في البذور والأسمدة والمبيدات، وهو ما جعل وفرة الغذاء مرتبطة بشبكات مترابطة وقابلة للتأثر بالصدمات المتزامنة. فمع ازدياد موجات الجفاف والاضطرابات المناخية، تتراجع قدرة سلال الغذاء العالمية على تعويض بعضها بعضاً، وتنتقل آثار الأزمات بسرعة عبر التجارة وسلاسل الإمداد، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار واضطراب الإمدادات حتى في البلدان البعيدة عن مناطق الكوارث. ويحذر المقال من أن الترابط الذي كان يمثل مصدر قوة للنظام الغذائي أصبح مصدراً للهشاشة، وأن الاعتماد المفرط على عدد محدود من الموردين والشركات، إلى جانب ضعف المخزونات الاستراتيجية، يجعل الأمن الغذائي العالمي أكثر عرضة للأزمات المتزامنة التي يفاقمها تغير المناخ.
تعد الزراعة في عالمنا المعاصر صناعة ضخمة وشبكة معقدة تتخطى الحدود والقارات. ولا شك أن هذا الترابط الوثيق قد أثمر عن توفير فرص عمل لا حصر لها، وساهم في تنويع المائدة البشرية لتصل أطعمة شتى إلى مجتمعات لم تكن لتحلم بالحصول عليها في السابق. بيد أن هذه الصناعة، كحال قطاعات حيوية أخرى اليوم، باتت رهينة حفنة من المناطق الجغرافية الرئيسية التي تشكل عصب هذه الشبكة العملاقة ومحركها الأساسي.
إن سر القوة والتماسك الذي اتسم به نظامنا الغذائي الحديث لم يكن يكمن في وفرة الإنتاج فحسب، بل كانت الجغرافيا هي الحصن الحصين. فمناطق ممتدة مثل مراعي أمريكا الشمالية، وسهوب أوكرانيا، وسهول شمال الهند، هي التي تنتج الحصة الأكبر من المحاصيل الأساسية التي تطعم البشر والماشية على حد سواء.
وكان هذا النظام يمضي بسلاسة بناءً على فرضية مستقرة، وهي أن أزمات المحاصيل تظل دوماً طارئاً محلياً ومحدوداً، ومن المستبعد جداً أن تقع في وقت واحد؛ فإذا تعثر الإنتاج في أحد مخازن الغذاء العالمية خلال عام ما، هبت منطقة أخرى لسد هذا العجز وتعويض النقص. لقد كانت الأرض تقدم لنا حائط صد طبيعياً يمتص الصدمات، غير أن هذا الحائط بدأ يتآكل ويفقد سمكه يوماً بعد يوم.
واليوم، مع تفاقم ظاهرة التغير المناخي، تصاعدت احتمالات الانهيار المتزامن لعدة سلال غذائية معاً، نظراً لزيادة مخاطر تعرض مناطق الإنتاج الكبرى لضغوط بيئية متزامنة. ولم يعد الخطر متمثلاً في موسم حصاد سيء يضرب بلداً بعينه، بل أصبحنا نواجه تهديداً حقيقياً يتمثل في وقوع كبرى المناطق التي يرتكز عليها الأمن الغذائي العالمي تحت وطأة المعاناة والاضطراب في آن واحد.
وينصب تركيز بحثي في مرحلة الدكتوراه على دراسة آليات التغير المناخي وكيفية إسهامها في إعادة تشكيل المخاطر الزراعية وهيكلة النظم الغذائية. وتنبع أهمية هذا المنظور من كون الصدمات المناخية لا تضرب المزارع في معزل عن العالم، بل تمتد آثارها لتلقي بظلالها على الأسواق وسلاسل التوريد، وتنعكس مباشرة على أسعار السلع الغذائية عالمياً. ومن هذا المنطلق، لا يمكننا اختزال الجفاف في كونه مجرد معضلة بيئية عابرة، بل هو خطر هيكلي يهدد بنيان النظام الغذائي العالمي برُمته.
تراجع قدرة سلال الغذاء على امتصاص الصدمات
يعتبر الجفاف من أبرز الشواهد وأكثرها وضوحاً على كيفية قيام التغير المناخي بتقويض كفاءة هذا النظام؛ إذ تعتمد أقاليم إنتاج المحاصيل الرئيسية بالدرجة الأولى على معدلات هطول أمطار يمكن التنبؤ بها، ومستويات رطوبة مستقرة في التربة، ومواسم نمو منتظمة. وفي الأوضاع الطبيعية، إذا داهم الجفاف إقليماً ما، سارعت أقاليم أخرى لتغطية الفجوة، أما عندما تجف عروق عدة سلال غذائية في الوقت نفسه، فإن الخيارات تضيق أمام النظام وتكاد تنعدم البدائل.
وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة تناولت ظاهرة الجفاف التي تضرب سلال الغذاء العالمية، أن احتمالية حدوث موجات جفاف متزامنة في المناطق الرئيسية لإنتاج الذرة خلال القرن الحالي تتراوح بين اثنتين وخمسين إلى ستين بالمئة، ويتوقف ذلك على حجم انبعاثات الغازات الدفيئة. ويؤكد الباحثون أن هذا الخطر يتغذى بشكل أساسي على ظاهرة الجفاف المستمر بعيد المدى في البرازيل وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، بل إن الصدمات العالمية العنيفة قد تطل برأسها حتى وإن تعرضت عدة أقاليم لموجات جفاف متوسطة القسوة في الآن ذاته.
إن الخطر الحقيقي للتغير المناخي لا يقف عند حد إضعاف إنتاجية الأرض وتقليل المحاصيل، بل إنه يضرب المنطق الجغرافي الذي تأسس عليه النظام الغذائي المعاصر في مقتل. فال توازنات التجارية الدولية تفلح وتؤتي ثمارها حينما تكون الأزمات متفرقة ومتباعدة، لكنها تعجز عن الصمود عندما تقع شتى المراكز التي يفترض بها أن توازن بعضها بعضاً تحت وطأة المعاناة والضغط في وقت واحد. وهكذا، فإن النظام الذي يبدو مرناً ومتماسكاً عند مواجهة أزمة منفردة، قد يتحول سريعاً إلى نظام هش وقابل للكسر بمجرد تعرضه لضغوط متزامنة ومترابطة. وبعبارة أخرى، يمكن للترابط الوثيق الذي كنا نعده ميزة، أن ينقلب ليصبح هو نفسه مكمن الخطر.
وتكشف هذه الهشاشة المتزايدة في بنيان النظام الغذائي العالمي أنه كلما تعمقت شبكات التجارة وازداد اعتماد الدول على الخارج لتأمين احتياجاتها، فإن الصدمات لا تمر عابرة عبر الشرايين التجارية، بل تأخذ في التفاقم والاتساع داخل البنية نفسها. ففشل الحصاد في إقليم واحد كفيل بأن يشعل شرارة قرارات حظر التصدير، ويدفع الدول نحو الشراء الاحترازي المذعور، مما يفضي إلى اضطرابات أوسع نطاقاً تعم بقاعاً أخرى من العالم.
ويعكس مفهوم "التطور" في هذا السياق كيف أصبحت الشبكة أكثر تشابكاً وكثافة بمرور السنين؛ فالرابط التجاري هو بمثابة جسر للاستيراد والتصدير يربط بين الدول، كأن تلتزم دولة بتأمين القمح أو الأرز لدولة أخرى. ومع تكاثر هذه الجسور وتشعبها، تجد الأزمات والصدمات أمامها مسارات قنوات متعددة لتنتشر وتتفشى من خلالها.
وفي أوقات شح الغذاء، تنزع الدول المنتجة غريزياً إلى تقييد صادراتها لحماية أمنها الداخلي. وبمعنى آخر، عندما تشتد الأزمة، تتحول ذات الروابط التجارية التي كانت تنقل الحبوب بكفاءة وسلاسة إلى قنوات لتصدير الاضطراب وتعميق الأزمة، حيث تنكفئ كل دولة على ذاتها لتأمين مخزونها، تاركة البلدان المعتمدة على الاستيراد مكشوفة الظهر وفي مواجهة مباشرة مع الخطر.
ولا بد من التنويه هنا بأن الأنظمة الغذائية لا تنحصر في حدود المزارع والحقول، بل هي منظومة متكاملة تشمل عمليات تصنيع وتوزيع البذور، وأعلاف الماشية، والأسمدة، ومواد مكافحة الآفات، ناهيك عن خدمات التخزين، والنقل، والمعالجة، والبيع بالتجزئة.
بناءً على ذلك، فإن كوارث مثل الجفاف لا تشكل صدمة لعملية الإنتاج فحسب، بل تمثل هزة عنيفة تضرب سلسلة التوريد من أولها إلى آخرها. وكلما زاد اعتماد المنظومة على التوريد الفوري القائم على التوقيت الحرج والمخزونات الشحيحة، أصبحت أكثر هشاشة وعرضة للانهيار عندما تتوقف الطبيعة عن السير وفق الخطط والتوقعات.
مخاطر احتكار الشركات
لا تتوقف الزراعة الحديثة في استمرارها على توافر الظروف المناخية الملائمة فحسب، بل ترتكز أيضاً على تدفق متواصل ومحكم للمدخلات والمواد المصنعة، وضمان وصولها إلى الوجهة الصحيحة في الوقت والمكان المناسبين وبتكلفة معقولة.
غير أن هذا التدفق لا يدار عبر سوق حرة مفتوحة للجميع تزخر بالبدائل الجاهزة لتعويض أي خلل، بل يمر عبر قنوات ضيقة تسيطر عليها شركات كبرى تحتكر القرار والنفوذ.
إن هذا التركيز المؤسسي وهيمنة العمالقة على النظم الغذائية يصادر التنوع، ويقيد المرونة، ويفرض سيطرة شبه مطلقة؛ إذ تستأثر كبرى أربع شركات زراعية في العالم بنحو خمسين إلى ستين بالمئة من سوق البذور التجارية، وتتحكم الشركات الأربع ذاتها بنحو سبعين بالمئة من السوق العالمية لمبيدات الآفات.
وتأتي عمليات الاندماج المتواصلة بين شركات البذور والكيماويات الزراعية، فضلاً عن الاستحواذات المستمرة في قطاعي الأسمدة وتجارة التجزئة، لتعمق هذا النمط الاحتكاري المثير للقلق.
وفي أوقات الاستقرار والرخاء، قد يُظن أن هذا الكيان العملاق مصدر قوة ومنعة؛ فالشركات العظمى تمتلك القدرة على تحريك كميات هائلة من البذور والمواد الكيميائية، وتنسيق الإمدادات عبر الحدود بسلاسة، وتقديم منتجات موحدة المواصفات مع خفض تكاليف صفقات البيع والشراء. كما أن الإنتاج الضخم من شأنه أن يجعل العمليات أسرع، وأقل كلفة، وأسهل في الإدارة والتنبؤ، إلا أن ضخامة الحجم لا تعني بأي حال من الأحوال القدرة على مواجهة الأزمات.
فحينما تتقلص الخيارات وينحصر التوريد في يد قلة مهيمنة، تتلاشى البدائل وتصبح المنظومة بأكملها رهينة لقرارات ومسارات محدودة تتخذها تلك الحفنة من الشركات التي تدير أسواق البذور والمبيدات والأسمدة.
وفي ظل هذا النظام المركزي، لا ينزوي الاضطراب في ركن بعيد، بل يتشظى إلى الخارج ليصيب الجزء الأكبر من السلسلة الغذائية. وهنا لا تكمن خطورة الموقف في شح المواد فحسب، بل في شلل القدرة على التنسيق وإدارة الأزمة؛ فعندما تتكالب الضغوط وتتزامن، يفتقر هذا النظام الاحتكاري المتصلب إلى المرونة الكافية للمناورة والتكيف مع المستجدات.
جفاف في قارة أخرى يفرغ الرفوف في بلادنا
تثبت صدمات الغذاء العالمية مراراً وتكراراً أن الدولة لا تحتاج إلى تذوق مرارة الجفاف في أراضيها لتكتوي بنيرانه؛ فإذا كان بلد ما أو إقليم بأكمله يعول بشكل أساسي على استيراد أقواته وسلعه الأساسية من الخارج، فإن أي هزة تصيب الحصاد على بعد آلاف الكيلومترات كفيلة بأن تلهب الأسعار، وتخنق الإمدادات، وتحرم الكثيرين من لقمة العيش.
وعند الحديث عن المجتمعات الأكثر فقراً والأشد احتياجاً، فإن صدمة خارجية طفيفة قد تكون كافية لتتحول سريعاً إلى كارثة إنسانية محققة. لقد شُيد النظام الغذائي المعاصر على فرضية واهمة بأن الجغرافيا كفيلة بتوزيع المخاطر المناخية وضمان عدم تلاقيها في وقت واحد.
وطالما بقيت الصدمات متفرقة ومتباعدة، بدا الارتهان لعدد محدود من الموردين الرئيسيين أمراً مقبولاً وممكناً، ولم يكن النظام يرى حاجة للاحتفاظ بهامش أمان أو مخزون استراتيجي كبير، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الأرض لن تبخل بخيرها، وأن هناك دوماً من ينتج في بقعة ما من هذا العالم.
أما اليوم، فإن المناخ قد وضع كل هذه الفرضيات والمسلمات في قفص الاتهام، وبدأ يختبرها جميعاً في آن واحد.
