ملخص: يوضح المقال أن مفهوم “هدف الشركة” أصبح محورًا أساسيًا في الخطاب المؤسسي الحديث، لكنه في كثير من الحالات لا يزال منفصلًا عن الواقع العملي الذي يعيشه الموظفون، حيث تتغلب ضغوط الأرباح قصيرة الأجل على الالتزامات الأخلاقية والمجتمعية المعلنة. ونتيجة لهذا التناقض، ظهر دور “المدير التنفيذي للعمليات المرتبط بالهدف” كآلية جديدة لمحاولة سد الفجوة بين الخطاب والممارسة، من خلال دمج الهدف المؤسسي في القرارات الاستراتيجية والحوكمة وأنظمة الحوافز، وإعادة توجيه الشركات نحو تحقيق توازن بين الأداء المالي والمسؤولية الاجتماعية. وتبين الدراسة أن هذا الدور يمكن أن يكون فعالًا فقط إذا حظي بصلاحيات حقيقية ودعم من القيادة العليا وربط فعلي بالاستراتيجية، وإلا فإنه قد يتحول إلى مجرد واجهة شكلية. كما تشير المقالة إلى أن هذا التوجه يعكس تحولًا أوسع في الرأسمالية الحديثة، حيث تتزايد التوقعات من الشركات لتبرير دورها المجتمعي، خاصة في أوروبا مع تشديد التشريعات المرتبطة بالاستدامة. وفي النهاية، يُنظر إلى هذا الدور كأداة مساعدة لإعادة تعريف كيفية خلق القيمة داخل الشركات، وتحويل “الهدف” من شعار تسويقي إلى ممارسة مؤسسية ملموسة.
هيمن نموذج أولوية المساهمين على الاستراتيجيات الشركاتية لعقود من الزمن، الأمر الذي أدى في كثير من الأحيان إلى إقصاء المناقشات الصريحة حول الهدف الأوسع للمؤسسة. أما اليوم، وفي عالم تصيغه تقنيات الذكاء الاصطناعي وحالة عدم اليقين الاقتصادي والتغيير المؤسسي المستمر، فإن العديد من أصحاب المصلحة يتطلعون إلى أن تتبنى الشركات مبادئ تتجاوز مجرد تحقيق النتائج قصيرة الأجل. ونتيجة لذلك، تحول مصطلح "الهدف"، والذي يُعرّف بأنه سبب وجود الشركة في المجتمع، إلى كلمة رنانة وقوية في عالم الأعمال، لا سيما بعد البيان الذي أصدرته المائدة المستديرة للأعمال عام 2019 بشأن هدف الشركات. ومع ذلك، فبقدر ما تكثر الشركات من الحديث عن الهدف، يقل تصديق الموظفين لوعودها.
وتشير البحوث والدراسات إلى أن هدف الشركات قد يكون "أجمل من أن يصدق"، إذ يلمس الموظفون بشكل متزايد أن الخطاب المتعلق بالهدف يبدو غامضاً وسطحياً ومنفصلاً عن واقع العمل اليومي. فالشركات تقدم وعوداً طموحة بشأن القيم والمسؤولية للتواصل مع المجتمع، ورغم ذلك يظل العمل اليومي محكوماً بمستهدفات النمو وضغوط الكفاءة والنتائج الربع سنوية، حيث يلاحظ الموظفون تلك الفجوة بين ما تقوله المؤسسات وما تفعله على أرض الواقع.
ظهور المدير التنفيذي للعمليات وأهمية القيادة الموجهة بالهدف
أدت هذه التعقيدات المتزايدة إلى نشوء دور تنفيذي جديد ظهر على الساحة بهدوء، وهو المدير التنفيذي للعمليات. وبادرت شركات مثل يوبي سوفت وفيرجن أتلانتيك وسيسكو وسيفورا وكي بي إم جي، على سبيل المثال لا الحصر، إلى استحداث أدوار قيادية تركز على الهدف في السنوات الأخيرة.
وتعد مهمتهم بسيطة من الناحية النظرية لكنها صعبة في الممارسة العملية، وتتمثل في ضمان أن يؤثر هدف الشركة المعلن في القرارات الحقيقية. وبدلاً من التنافس مع الأهداف المالية، يساعد المدير التنفيذي للعمليات في توضيح كيفية المواءمة بين الهدف والأداء، خاصة عندما يواجه القادة مقايضات صعبة تتعلق بالنمو وأصحاب المصلحة والمسؤولية طويلة الأجل.
وقد أظهرت دراستنا الحديثة التي شملت 44 مديراً تنفيذياً للعمليات في قطاعات متنوعة مثل الألعاب الإلكترونية والسفر والتجميل، أن هؤلاء التنفيذيين يعملون عند نقطة التقاء الاستراتيجية والثقافة والأخلاقيات لتحويل مؤسساتهم إلى كيانات أكثر توجهاً بالهدف، حيث يساهمون في ربط عبارات الهدف السامية بواقع الحياة المؤسسية.
ويعني هذا في الممارسة العملية طرح أسئلة صعبة خلال اجتماعات القيادة ومنها:
هل يتوافق القرار التجاري مع التوجه طويل الأجل للمشركة ومع هدفها؟
متى يقوض النمو هدف المؤسسة؟
كيف تخلق الشركة قيمة للمجتمع؟ وأين تتسبب أنشطتها في حدوث أضرار، وما هي التغييرات المطلوبة لتحويل مسار العمل؟
يقوم بعض المدراء التنفيذيين للعمليات بإعادة تصميم أنظمة التوظيف والمكافآت بحيث يُقوّم الموظفون جزئياً بناءً على مساهماتهم في تعزيز هدف المؤسسة، بينما يطور آخرون "مقاييس الهدف" التي يناقشها التنفيذيون جنباً إلى جنب مع الأداء المالي.
وتأتي بعض الأمثلة ملموسة بشكل مثير للاهتمام، حيث أفاد أحد التنفيذيين أن شركتهم أنهت علاقاتها مع عملاء تعارضت ممارساتهم مع قيمها، ووصف آخر اجتماعات القيادة التي ناقش فيها التنفيذيون بصراحة ردود أفعالهم العاطفية تجاه الأحداث المرتبطة بالتغير المناخي. ويعمل البعض الآخر على جعل الهدف مرئياً بطرق بسيطة وملموسة، فعلى سبيل المثال، أنشأ أحد المدراء التنفيذيين للعمليات "جدار المصابيح الكهربائية"، فحينما يتصرف موظف بطريقة تحيي هدف المؤسسة، يُضاء مصباح جديد، ومع مرور الوقت، يصبح الجدار تذكيراً مرئياً بأن الهدف يُفعل من خلال القرارات اليومية والأفعال الصغيرة المتكررة.
وقد تبدو ممارسات المدير التنفيذي للعمليات غير مألوفة للوهلة الأولى، لكنها تعكس في واقع الأمر تحولاً أعمق في الإدارة نفسها، يسعى إلى دمج الاعتبارات الأخلاقية والعاطفية في صنع القرار الاستراتيجي.
وينطلق المدير التنفيذي للعمليات لإعادة صياغة الطريقة التي تفكر بها المؤسسات في دورها المجتمعي، فيعززون الارتباط العاطفي حول القيم المشتركة، ويبنون العلاقات بين أصحاب المصلحة والإدارات المختلفة، ويدمجون الهدف في هياكل ملموسة مثل الحوافز والمقاييس وأنظمة الحوكمة. وبإيجاز، هم يحاولون تحويل المثل العليا المجردة إلى واقع تشغيلي.
هل يمكن للمدير التنفيذي للعمليات إحداث فارق حقيقي؟
يتمثل السؤال الأكبر في مدى حاجة الشركات إلى تنفيذي مخصص لهذا العمل. ورغم أن هذا الدور قد يتداخل مع وظائف مثل الموارد البشرية، فإن المدير التنفيذي للعمليات يضيف قيمة من خلال ربط الهدف بالاستراتيجية طويلة الأجل والحوكمة. ولأن الهدف ليس أمراً ثابتاً، فإن المدير التنفيذي للعمليات يدعم تطور هذا الهدف، ويضمن أن تعكس القرارات مسؤوليات المؤسسة تجاه الموظفين والعملاء والمجتمعات، مما يحول الهدف إلى دليل عملي للشركة.
ويجادل النقاد بأن المدير التنفيذي للعمليات يواجه خطر التحول إلى رموز صورية يمتلكون القليل من النفوذ الحقيقي. فإذا كان هناك تنفيذي واحد يدعم الهدف بينما تسيطر فِرق المالية والعمليات على القرارات الفعلية، فلن يتغير شيء.
وبناءً على ذلك، يمكن أن يتحول هذا الدور في بعض المؤسسات إلى شكل من أشكال الاستعراض المؤسسي، أي التزام ظاهري بالقيم دون إصلاح هيكلي هادف. وأخيراً، يصعب قياس الهدف أيضاً، فخلافاً للمبيعات أو الأرباح، يصعب قياس تأثيره كمياً، مما يسهل على المشككين استبعاد هذا الدور واعتباره مجرد صرعة إدارية أخرى.
وتشير أبحاثنا إلى أن المدير التنفيذي للعمليات لا يحدث فارقاً إلا في ظل ظروف معينة ومنها:
يجب على المؤسسة أن تستخدم الهدف بصدق كمعيار لتصفية القرارات وأن تربط الهدف بالاستراتيجية.
يجب أن يتمتع المدير التنفيذي للعمليات بالشرعية والسلطة معاً، وأن يتبع مباشرة للرئيس التنفيذي ويشارك في الاجتماعات الاستراتيجية.
يجب على القيادة أن تجسد الهدف بشكل مرئي، لا سيما عندما يتعارض مع الأرباح قصيرة الأجل. فإذا تخلى الرئيس التنفيذي عن الهدف عندما يصبح غير مريح، فإن المسعى بأكمله ينهار ليصبح مجرد استعراض صورى.
وعندما تتوفر هذه الشروط، يمكن للمؤسسات أن تتغير بطرق ملموسة، فتتطور ممارسات التوظيف، وتتحول العلاقات مع الموردين، وتُعاد صياغة أنظمة الحوافز، ويبدأ الهدف في صياغة القرارات اليومية ويصبح ذا أهمية استراتيجية.
إذن، هل تحتاج الشركات إلى المدير التنفيذي للعمليات؟ الإجابة هي نعم وبشكل متزايد.
ففي عالم أعمال يتسم بالاضطراب التكنولوجي والضغوط الاجتماعية والمتنامية تجاه الخطاب المؤسسي، تواجه الشركات ضغوطاً من جميع الاتجاهات في آن واحد. ويتعين عليها أن تظل مربحة، وأن تبتكر بسرعة، وأن تجذب المواهب, وأن تستجيب للتوقعات الاجتماعية، وأن تتكيف مع التغيير التكنولوجي. والهدف لا يحل محل هذه الغايات، بل يساعد في الربط بينها.
وهنا يمكن للمدير التنفيذي للعمليات أن يحدث الفارق، حيث يتمحور دورهم حول مساعدة المؤسسات في توضيح المبادئ التي تقف وراءها عندما تواجه مقايضات صعبة وأولويات متنافسة.
ولا يمكن للمدير التنفيذي للعمليات حل هذه التوترات بمفردهم، لكن يمكنهم مساعدة المؤسسات في تحويل الهدف من مجرد رسالة تسويقية إلى واقع مؤسسي ملموس يمكن التماسه في مكان العمل.
لماذا تحتاج أوروبا إلى المدير التنفيذي للعمليات
يرفع المجتمع سقف التوقعات فيما يتعلق بالأعمال التجارية المسؤولة. وتتطلب توجيهات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بإعداد تقارير استدامة الشركات والميثاق الأخضر الأوروبي الآن من الشركات الكبرى مواءمة الشؤون المالية والعمليات مع التزامات الاستدامة المعلنة وتقديم تقارير عن تأثيرها. ومع ذلك، فإن الامتثال وحده لا يخلق هدفاً.
فقد تسجل الشركة أداءً بيئياً قوياً ورغم ذلك تفتقر إلى سبب واضح للوجود يتجاوز عوائد المساهمين. ويعد المدير التنفيذي للعمليات أحد الحلول الناشئة والحديثة التي تساعد في سد هذه الفجوة من خلال ضمان أن يشكل هدف الشركة القرارات المالية والتشغيلية بصدق، مما يدفع بتحول الشركات الأوروبية نحو نماذج أكثر مسؤولية واستدامة.
شخصيات جديرة بالمتابعة
قائمة بأبرز التعيينات التنفيذية المخصصة للحفاظ على أفضل الممارسات:
ريتشارد بويلي، المدير التنفيذي للعمليات في شركة كي بي إم جي أستراليا
ألكسندرا ميشات، المدير التنفيذي للعمليات في شركة إكسو ترافيل
سيمون تشيثام، المدير التنفيذي للعمليات في شركة أندرو بروبرتي آند بيربوس
بريا سرينيفاسان، المدير التنفيذي للأفراد والعمليات في شركة كوتي
لورا دون، المدير التنفيذي للعمليات والطروحات في شركة لينكونشير كو أوب
كارولين جيانتور، المدير التنفيذي للعمليات في شركة يوبي سوفت
ومن المفارقات أن عدداً من المدراء التنفيذيين للعمليات في دراستنا أشاروا إلى أن نجاحهم النهائي سينعكس في جعل هذا المنصب أقل ضرورة بمرور الوقت عبر دمج الهدف في أنظمة المؤسسة وروتينها وعمليات صنع القرار فيها.
ومع ذلك، فإن مجرد ظهور منصب المدير التنفيذي للعمليات يشير إلى تحول أوسع في الرأسمالية الحديثة، حيث يُتوقع من الشركات بشكل متزايد إثبات كيف يشكل هدفها أسلوب خلق القيمة، وحوكمة نفسها، والاستجابة لمتطلبات المجتمع.
