القائمة الرئيسية

مدن ذكية لا تستثني أحداً

مدن ذكية لا تستثني أحداً
ملخص المقال

ريادة سندرلاند: الإنسان أولاً والتكنولوجيا في خدمته

ملخص: يطرح المقال رؤية نقدية لمفهوم “المدينة الذكية” التقليدي الذي غالبًا ما يرتبط بالبنية التحتية التقنية المعقدة في المدن الكبرى، مؤكدة أن جوهر هذا التحول يجب أن يكون اجتماعيًا وإنسانيًا قبل أن يكون تقنيًا. وتعرض تجربة مدينة سندرلاند كنموذج مختلف يركز على توظيف التكنولوجيا والبيانات لتحسين جودة الحياة، وتعزيز الشمول الرقمي، ودعم الفئات الأكثر ضعفًا بدل الاكتفاء بالتطور التقني بحد ذاته. فمن خلال مراكز الصحة الرقمية، وشبكات المتطوعين، ومبادرات مثل “بنوك البيانات”، استطاعت المدينة توسيع الوصول إلى الخدمات الرقمية وتقليص الفجوة الاجتماعية، مع الحفاظ على القنوات التقليدية لمن لا يستطيعون التحول الكامل. كما تؤكد التجربة أهمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني في بناء منظومة متكاملة. وتخلص المقالة إلى أن نجاح المدن الذكية لا يقاس بتقدم التكنولوجيا فقط، بل بمدى قدرتها على خدمة الإنسان وتحقيق العدالة والشمول في الحياة اليومية

شاع في شتى أرجاء المملكة المتحدة استخدام مصطلح "المدينة الذكية" كرمز يختزل الطموحات الرقمية، غير أن هذا المفهوم لا يزال في الأذهان مقترناً بالحواضر الكبرى، والبنى التحتية الباهظة، والبرامج التقنية المعقدة التي تبدو في معزل عن تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.

وهذا المنظور يبتعد تماماً عن التوجهات الوطنية والغايات الكبرى؛ مثل تحقيق تكافؤ الفرص، وتعميق الشمول الرقمي، وتحفيز التنمية المحلية المستدامة، وهي مستهدفات ترمي في جوهرها إلى أن تلمس المجتمعات كافة ثمار التطور، وألا تظل حكراً على المدن الكبرى دون غيرها.

وتأتي تجربة مدينة سندرلاند لتقدم نموذجاً مغايراً تماماً؛ فلم يكن التحول إلى "مدينة ذكية" بالنسبة لنا مجرد سباق تقني، بل ركزنا بالدرجة الأولى على تسخير البنية التحتية الرقمية، وتحليل البيانات، وتطوير الخدمات لتدعيم النمو الشامل، وتمكين المجتمعات المحلية، والارتقاء بنوعية حياة السكان ودعم قطاع الأعمال.

كيف نطوع التكنولوجيا لخدمة المجتمع؟

يتجلى هذا الأثر بوضوح في المنظومة الجديدة لإعادة تصميم الخدمات؛ حيث تعمل المراكز المشتركة على دمج خدمات البلدية والشرطة والإطفاء مع بقية الشركاء في منصة واحدة، مستعينة بتقنيات التحليل البصري للبيانات لرصد مؤشرات الجريمة وظواهر السلوك السلبي، الأمر الذي يتيح للفرق الميدانية استقراء الاتجاهات العامة، والتنبؤ ببؤر التوتر، ومن ثم توجيه الموارد بفاعلية واستباقية.

وفي قطاع الإسكان، أحدثت أجهزة الاستشعار الذكية فارقاً كبيراً عبر الكشف المبكر عن مخاطر الرطوبة والعفن، مما يسمح للفرق الفنية بالتدخل السريع وصيانة المنازل قبل تفاقم المشكلات. أما في المرافق العامة، فتصدر الأجهزة المتصلة بالشبكة تنبيهات فورية في حال تحريك طوق النجاة من مكانه، وهو ما ساهم في خفض جولات التفتيش الروتينية الوجوبية مع ضمان جاهزية معدات السلامة الحيوية في أوقات الطوارئ.

الشمول الرقمي عصب البنية التحتية

إن التحول الرقمي يفقد قيمته إن لم يستوعب الجميع بلا استثناء؛ فبدون تحقيق الشمول الرقمي، قد يتحول تطور شبكات الاتصال إلى أداة تزيد من عمق الفجوات الطبقية والاجتماعية القائمة. ومن هنا، يرتكز نهج سندرلاند على الموازنة بين الاستثمار في شبكات الاتصال وتقديم دعم حقيقي ومباشر في قلب المجتمع.

واليوم، تفتخر المدينة بتشغيل 37 مركزاً للصحة الرقمية، أُسست بالتعاون مع الشركاء في القطاعين الطوعي والمجتمعي. وتقدم هذه المراكز للأهالي إمكانية استخدام الأجهزة الذكية مثل الحاسبات المحمولة ومعدات الألعاب الإلكترونية، فضلاً عن توفير الاتصال بالإنترنت ومحو الأمية الرقمية، مما يسلح السكان بالثقة والمعرفة ويقودهم نحو الاعتماد على الذات.

ولعل الركيزة الأساسية لنجاح هذه المراكز هي شبكة "الزملاء التقنيين" التي تضم نحو 200 متطوع من أبناء المدينة، يعملون جنباً إلى جنب مع الأهالي لتقديم العون التقني والنصائح العملية بأسلوب مبسط يبني جسور الثقة ويزيل الرهبة من التعامل مع الخدمات الرقمية.

وامتداداً لهذه الرؤية، استحدثت المدينة مبادرة "بنوك البيانات" والتي تحاكي في فكرتها بنوك الطعام، لكنها توفر بطاقات الهاتف والبيانات الخلوية للفئات الأكثر احتياجاً، إيماناً بأن التمكين الرقمي لا يتوقف عند حدود تشييد البنية التحتية، بل يرتبط أساساً بالقدرة المادية على النفاذ للخدمة والاستفادة منها.

ومع هذا التحول، لم نغفل أهمية القنوات التقليدية؛ فرغم أن المعاملات الرقمية تستأثر بنحو 60% من إجمالي التواصل مع المستفيدين، فإن الدعم الهاتفي والمقابلات المباشرة لا تزال تؤدي دوراً جوهرياً لا غنى عنه.

من التجربة المحدودة إلى الممارسة اليومية

تثبت التجارب دائماً أن البدء بخطوات مدروسة ثم التوسع تدريجياً هو الخيار الأنجع؛ ففي عام 2018، انطلق طموح البلدية من مستهدف متواضع يرمي إلى تزويد 200 أسرة بالتقنيات المساعدة، واليوم، يتجاوز عدد الأسر المستفيدة من هذه المنظومة الرقمية 7300 أسرة، مما يضمن رعاية الفئات الأكثر ضعفاً والحفاظ على سلامتهم.

ويبرز في هذا السياق أيضاً مشروع تطوير الرقابة على حدائق الألعاب التي تتطلب فحصاً دورياً صارماً لسلامة مرتاديها؛ حيث استبدل المشروع التجريبي المعاملات الورقية بتطبيق رقمي يتيح للمفتشين رفع تقاريرهم فورياً، مع تفعيل نظام آلي لإرسال التنبيهات وتصعيد الملاحظات، وحفظ كافة البيانات تلقائياً لسهولة استدعائها في أي وقت.

وقد حققت هذه التجربة نجاحاً باهراً دفع بالبلدية إلى تعميمها سريعاً لتشمل كافة حدائق المدينة البالغ عددها 106 حدائق، مما أثمر عن منظومة عمل أسرع وأكثر شفافية عززت من ثقة المجتمع في كفاءة إدارة المرافق العامة.

الشراكة كنموذج عمل مستدام

لا يمكن لجهة بلدية بمفردها أن تبني مدينة ذكية متكاملة الأركان، لذلك يرتكز نموذج سندرلاند على بناء شراكات استراتيجية عابرة للقطاعات الحكومية والخاصة والتطوعية. وفي الوقت الذي يتولى فيه شركاء القطاع الخاص بناء ودعم البنية التحتية المحفزة للابتكار، تبرز أسماء مثل "بولدين نيتوركس" و"سيتي فايبر" كجهات فاعلة وداعمة لمسيرة المدينة الذكية. وتتكامل هذه الجهود مع منظمات المجتمع المدني التي تقود دفة العمل في مراكز الصحة الرقمية الـ 37، مستندة إلى قطاع تطوعي حيوي ومزدهر.

وعلى صعيد العمل الحكومي، تتبادل الجهات العامة الرؤى وتنسق جهودها لمواجهة التحديات المشتركة، وتجسد مراكزنا المشتركة متعددة الوكالات نموذجاً يحتذى به في تكامل الجهود ومشاركة البيانات بين الشرطة، وجهاز الإطفاء، وجمعيات الإسكان الاجتماعي، ومجلس البلدية.

خارطة طريق لصناع السياسات

تضع تجربة سندرلاند أمام صناع السياسات أربعة دروس رئيسية ومحددة:

أولاً، الانطلاق من المشكلات الواقعية للمواطنين وليس من نوعية التقنية المتوفرة؛ وخير دليل على ذلك هو تمكين كبار السن والفئات الضعيفة من العيش بأمان واستقلالية في منازلهم عبر تكنولوجيات الرعاية المساعدة المطبقة حالياً في أكثر من 7300 منزل حول المدينة.

ثانياً، التعامل مع الشلومل الرقمي كركيزة أساسية لا غنى عنها وليس كرفاهية ثانوية؛ إذ أصبحت مراكز الصحة الرقمية الـ 37 جزءاً أصيلاً من النسيج المجتمعي، وقدمت خدماتها حتى الآن لأكثر من 200 ألف مواطن ممن كانوا يواجهون العزلة الرقمية.

ثانياً، الاستثمار في شبكات اتصال مستدامة وطويلة الأجل، مع جعل الأثر الملموس في حياة الناس هو المعيار الحقيقي للنجاح؛ حيث تدعم شبكة الواي فاي المجانية الممتدة في أرجاء المدينة أكثر من 300 ألف عملية اتصال شهرياً.

رابعاً، صياغة شراكات قائمة على الثقة المتبادلة لتسهيل تبادل البيانات وتجاوز الحواجز الإدارية بين المؤسسات؛ وتثبت منظومة المراكز المشتركة الستة حجم المزايا التي يمكن حصدها عند توحيد الجهود بين الشرطة، وجهاز الإطفاء، ومؤسسات الإسكان الاجتماعي، والبلدية.

إن مستقبل المدن الذكية لن تصنعه البقاع التي تكدس التقنيات الأكثر تعقيداً وحداثة، بل ستصنعه المجتمعات التي تطوع الأدوات الرقمية بذكاء وكفاءة لترتقي بوجدان الإنسان وحياته اليومية.

ومع أن مسيرة سندرلاند لا تزال تشهد فصولاً متجددة من التطور، فإن البوصلة تظل ثابتة وموجهة نحو غاية أسمى؛ وهي أن العمل في المدينة الذكية يجب أن يرتكز على الإنسان، ويدار بالشراكة، ويتحرك بدافع تحقيق هدف نبيل.

ومن هنا، تصبح الدعوة الموجهة للحكومات بمختلف مستوياتها واضحة وجلية؛ ادعموا التحول الرقمي الذي يضع الشمول الإنساني في أصل تصميمه، واجعلوا غايتكم ألا يُترك إنسان أو مكان في طي النسيان.

المصدر

مقالات ذات صلة