ملخص: تخلص الدراسة إلى أن العمل عن بُعد، رغم تراجع زخمه بعد الجائحة بسبب عودة كثير من الشركات إلى فرض الحضور المكتبي، أصبح جزءًا راسخًا من سوق العمل الحديث، إلا أن نجاحه لا يعتمد على التكنولوجيا أو سياسات الشركات وحدها، بل على جودة البيئة المجتمعية المحيطة به. فنتائج الدراسة، التي شملت أكثر من 20 ألف موظف أوروبي، أظهرت أن العمل عن بُعد يعزز الرضا الوظيفي والاستقلالية والتوازن بين الحياة والعمل، لكنه يحقق هذه الفوائد بدرجات متفاوتة تبعًا لتوافر البنية التحتية الرقمية، والخدمات المحلية، والمساحات الخضراء، والمرافق المجتمعية. وترى الدراسة أن دعم المجتمعات المحلية والاستثمار في المناطق الريفية والبلدات الصغيرة يمكن أن يجعل العمل عن بُعد أداة لإعادة توزيع الفرص الاقتصادية والتنموية بشكل أكثر عدالة، بينما يؤدي غياب هذا الدعم إلى تعميق الفجوات الاجتماعية والمكانية، مما يجعل مستقبل العمل مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمستقبل التنمية المكانية وجودة الحياة في المجتمعات المختلفة.
مع تفشي جائحة كوفيد وفرض القيود الصارمة على حركة الأفراد، وجد الملايين أنفسهم مجبرين على تحويل منازلهم إلى مقار عمل. في تلك الفترة، شاع مصطلح "Zoom towns" للإشارة إلى تلك المناطق الهادئة الواقعة خارج نطاق المدن الصاخبة، حيث تنخفض أسعار العقارات وترتفع جودة الحياة، مما جعلها وجهة جاذبة للموظفين الراغبين في مباشرة أعمالهم عن بُعد وسط بيئة أكثر راحة.
واليوم، يمكننا القول إن هذه الطفرة لم تكتمل فصولها كما كان متوقعًا، ويرجع ذلك بالدرجة الأولى إلى تعنت قطاع عريض من أصحاب العمل الذين تمسكوا بمواقفهم وأصدروا قرارات صارمة تلزم الموظفين بالعودة إلى المكاتب. ورغم هذا التراجع، يبقى من المؤكد أن نمط العمل عن بُعد والعمل الهجين (المختلط) قد حجز لنفسه مكانًا راسخًا في سوق العمل، وبات أكثر شيوعًا بمراحل مما كان عليه قبل الجائحة.
معضلة التكافؤ وغياب العدالة التنموية
تكشف دراسة حديثة أجرتها جامعة سري البريطانية أن تجربة العمل عن بُعد ليست نمطًا موحدًا يتساوى فيه الجميع؛ إذ تختلف جودتها باختلاف البنية التحتية للمناطق، كما تتباين آثارها النفسية ومستويات الرضا التي تحققها للموظفين. فبينما يميل الكثيرون إلى حصر النقاش حول العمل عن بُعد في زاوية الحلول التقنية أو الثقافة المؤسسية للشركات، فإن الجذور الحقيقية للمسألة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالفجوات التنموية وأشكال التفاوت الاجتماعي والاقتصادي.
وقد خلص الباحثون إلى أن توفر المرافق المجتمعية المؤهلة، والمساحات الخضراء، والخدمات المحلية المتكاملة، إلى جانب شبكات الإنترنت المستقرة، هي المحركات الأساسية التي تحدد مدى نجاح هذه التجربة. وتتحكم هذه العوامل بشكل مباشر في تحديد ما إذا كان العمل عن بُعد سيجلب الاستقرار والسعادة للموظف، أم أنه سيتحول إلى عامل ضغط إضافي يغذي الفجوات الطبقية والتنموية القائمة بالفعل في المجتمع ويزيدها عمقًا.
وللوصول إلى هذه النتائج، استطلعت الدراسة آراء ما يزيد على عشرين ألف موظف في مختلف أنحاء القارة الأوروبية، لرصد أبعاد هذه الظاهرة بدقة. وركز البحث على قياس تأثير العمل عن بُعد في مستويات الإنتاجية، والسلامة النفسية، والخطط المستقبلية المتعلقة بالانتقال والسكن، والمفاضلة بين العيش في الحواضر الكبرى أو الأرياف، فضلاً عن رصد التغيرات في أنماط التنقل اليومي.
واقع الحياة المهنية خارج الأسوار المكتبية
لم تقتصر الدراسة على رصد التجارب الواقعية للمشاركين فحسب، بل تعمقت في استكشاف رغباتهم وتطلعاتهم المستقبليّة. وشملت عينة البحث تنوعًا واسعًا من حيث الجنسيات، وضمت موظفين من بيئات حضرية وريفيّة مختلفة.
وأظهرت البيانات وجود علاقة طردية واضحة بين العمل عن بُعد وارتفاع معدلات الرضا الوظيفي، إلى جانب تعزيز شعور الموظف بالاستقلالية والمسؤولية الذاتية، وهي نتيجة ثبتت صحتها لدى الموظفين عن بُعد بشكل كامل وأولئك الذين يتبعون نظامًا هجينًا على حد سواء. وتتقاطع هذه الخلاصات مع دراسات سابقة تؤكد أن منح الإنسان حرية التحكم في وقته ومكانه وآلية إنجاز مهامه ينعكس إيجابًا على شغفه ومستوى اندماجه في العمل. كما عبّر المشاركون عن ارتياحهم الكبير لتمكنهم من تحقيق التوازن بين متطلبات المهنة وحياتهم الخاصة، وتخلصهم من الضغوط النفسية والبدنية المصاحبة لرحلة السفر اليومية إلى مقرات العمل.
ومع ذلك، شهدت الفترة التي تلت رفع قيود الحظر تراجعًا ملموسًا في تبني هذا النمط، حيث فرضت شركات عدة العودة الإلزامية إلى المكاتب. وهنا تشير الدراسة إلى أن إجبار الموظفين على العودة إلى دوامة التنقل اليومي، أو اضطرارهم للعيش في أماكن بعيدة جدًا عن مقار عملهم، لا يتوقف ضرره عند الجانب الشخصي للموظف، بل يمتد ليرخي بظلاله السلبية على الحراك الاقتصادي والاجتماعي للبلدات الصغيرة والمجتمعات الريفية التي استقروا فيها.
وفي هذا السياق، يوضح القائمون على البحث أن العمل عن بُعد يعيد صياغة الأدوار الوظيفية للمدن والبلدات، ويتحكم في آليات توزيع الفرص والوظائف المجزية. فعندما يحظى هذا النمط بالدعم والبيئة التشريعية والخدمية المناسبة، فإنه يصبح جسرًا يربط المقيمين والزوار بمجتمعاتهم المحلية، ومحركًا لإنعاش الاقتصاد الداخلي. أما في حال غياب هذا الدعم، فإن النتيجة الحتمية هي اتساع الهوة وزيادة الانقسام التنموي. ومن هنا، يأمل الباحثون أن تقدم هذه الدراسة دليلاً عمليًا واضحًا أمام صناع القرار ورجال السياسة لتوجيه بوصلة التشريعات نحو بناء مستقبل عمل أكثر عدالة واستدامة.
المجتمع كمنظومة متكاملة لحاضنة العمل
إن المبدأ الجوهري الذي ترتكز عليه هذه الدراسة هو أن العمل عن بُعد لا يمكن أن ينمو أو ينجح بمعزل عن المحيط الخارجي؛ فهو وليد البيئة المجتمعية التي يمارس فيها ويدور في فلكها. وصيغتها المبسطة هي أن العمل عن بُعد لا يمكن أن يؤتي ثماره إلا إذا كانت البيئة المحيطة به مؤهلة وتعمل بكفاءة.
فعلى سبيل المثال، إذا كانت المنطقة تفتقر إلى دور رعاية الأطفال، وتغيب عنها شبكات النقل العام المنتظمة، وشحيحة في مرافقها الحيوية، وتعاني من ضعف خدمات الاتصال والإنترنت، فإن جميع المزايا النظرية للعمل عن بُعد ستتبخر سريعًا. وحينها، لن يكون التخلص من عناء التنقل اليومي سوى مقايضة خاسرة يجد فيها الموظف نفسه معزولاً ومحاصرًا ببنية تحتية متهالكة تعجز عن تلبية متطلبات حياته اليومية والمهنية.
وفي المقابل، عندما تتجه الاستثمارات المجتمعية نحو تطوير المساحات الخضراء، وتأهيل الخدمات المحلية، وتأسيس مساحات العمل المشتركة، وتعزيز البنية الرقمية، وفتح آفاق التفاعل الإنساني، يتحول العمل عن بُعد إلى أداة لتمتين النسيج الاجتماعي وزيادة ترابطه بدلاً من تفتيته.
عند هذه النقطة بالتحديد، تلتقي وعود العمل عن بُعد بالخطط والسياسات التنموية للدول. وفي الوقت الذي تصر فيه الشركات على التعامل مع العمل عن بُعد أو الهجين كامتياز إداري داخلي يخضع لتقديرها، تثبت الأبحاث أن الحكومات والسلطات المحلية شريك أصيل ومحوري في هذه المنظومة. فالأقاليم والمناطق المهيأة لتحقيق المكاسب الأكبر من هذا التحول هي ذاتها المناطق التي عانت تاريخيًا من التهميش ونقص التمويل والموارد، وإن لم تلتفت إليها الاستثمارات الرسمية الآن، فإنها تواجه خطر التحول إلى ضحايا جدد للتوزيع الجغرافي غير العادل للثروة والتنمية.
إن التطلعات المتعلقة بإعادة الروح إلى البلدات الصغيرة، ودعم قطاع الأعمال المحلي، وإعادة توزيع الفرص الاقتصادية بشكل متوازن، هي تطلعات واقعية وقابلة للتحقيق، لكنها تشترط التخطيط الإستراتيجي اللصيق ولا تكتفي بالتفاؤل والنوايا الحسنة. فالعمل عن بُعد يزدهر حيث تزدهر المجتمعات، والمسألة تتجاوز مجرد موظف يجلس خلف شاشته المحمولة، لتشمل المنظومة البيئية والحياتية المتكاملة التي تصنع العمل الناجح، والحياة الكريمة، والمكان الصالح للعيش. وإذا كنا ننشد مستقبلاً مهنيًا يتسم بالعدالة، والشغف، والاستدامة، فلا بد أولاً من صياغة مستقبل مكاني يضمن هذه المقومات للجميع.
