تؤكد غالبية الشركات أن تجربة موظفيها تأتي في مقدمة أولوياتها، غير أن تسع عشرة بالمئة منها فقط تنجح في توفير بيئة عمل رقمية مرنة وخالية من العوائق. فما هي أسباب هذا الإخفاق المستمر في منظومة التجربة الرقمية للموظف؟ وكيف السبيل إلى إصلاحها؟
بعد سنوات طويلة من التطور المشهود في بيئات العمل الرقمية، وتعاظم ترسانة الأدوات والبرمجيات، وصعود مفهوم ""تجربة الموظف"" كركيزة إدارية، ناهيك عن القفزات المذهلة التي حققتها تقنيات الذَّكَالِي مؤخراً، كان من البديهي أن تصبح التجربة الرقمية القوية والمثالية للموظف هي الأصل السائد في قطاع الأعمال. وكان من حق الموظف أن يتوقع منظومة تقنية متكاملة، بديهية، وخالية من التعقيد، منظومة ينساب فيها العمل بسلاسة وتتحقق فيها الإنجازات دون مشقة.
غير أن الواقع الفعلي يكشف أننا لا نزال بعيدين كل البعد عن هذا المبتغى. إذ يظهر تقرير مؤسسة ""ريووركد"" لعام ألفين وستة وعشرين حول واقع بيئة العمل الرقمية أن معظم المؤسسات تخوض مخاضاً عسيراً في إدارة هذه التجربة. وعندما طُلب من المشاركين وصف التجربة اليومية لموظفيهم مع البيئة الرقمية، لم تصف سوى تسع عشرة بالمئة من المؤسسات تلك التجربة بأنها ""مرنة ومنتجة"".
وفي المقابل، أفادت نسبة الواحد وثمانين بالمئة المتبقية بمرور موظفيها بتجارب تتراوح بين الحاجة الماسة للتحسين لوجود فجوات حادة في القدرات والإمكانات. وأشار ستة وعشرون بالمئة من هؤلاء إلى امتلاكهم للأدوات الأساسية، ولكنها مغلفة بتجربة مستخدم تعاني من التفكك والأعطال والتعقيد، بينما أقر تسعة عشر بالمئة بغياب مكونات رئيسية وحيوية من المنظومة بالكامل.
وتستند هذه الخلاصات إلى مسح إحصائي شامل شمل سبعمئة من المسؤولين التنفيذيين عن بيئات العمل الرقمية، يمثلون قطاعات اقتصادية متنوعة ومؤسسات ذات أحجام مختلفة. وقد شهدت أسئلة التقرير ونطاقه تعديلات جوهرية هذا العام لتمكين المؤسسات من قياس أداء بيئاتها الرقمية بدقة والخروج برؤى قابلة للتطبيق الفعلي. وجاءت النتائج لتمثل صيحة تحذير قوية توجب الاستيقاظ وتصحيح المسار.
ما الذي يحول دون نجاح التجربة الرقمية للموظف؟
لا يمكن اختزال الأسباب وراء هذا التراجع المستمر للتجربة الرقمية في عامل واحد، بل يشير التقرير إلى حزمة من التحديات المتشابكة التي تكبل خطى فرق العمل.
قد يبدو من السهل الادعاء بأن التجربة الرقمية للموظف قد تراجعت في سلم الأولويات نتيجة للاستحواذ الكامل لتقنيات الذَّكَالِي على المشهد. ونعم، يمثل الذَّكَالِي بؤرة الاهتمام الكبرى حالياً، حيث وضع ثلاثة وسبعون بالمئة من المشاركين قطاع ""الذَّكَالِي والأتمتة"" كأولوية قصوى لبيئاتهم الرقمية، كما اعتبر نصفهم تقريباً الذَّكَالِي الوكيل أولوية بحد ذاته.
ولكن هذا التبرير يسقط أمام لغة الأرقام؛ إذ أكدت المؤسسات أنها لا تزال متمسكة برفع كفاءة تجربة الموظف، حيث وصفت أكثر من نصف المؤسسات وبنسبة بلغت ستة وخمسين بالمئة تجربة الموظف بأنها أولوية رئيسية في بيئة العمل الرقمية ولها جهات مسؤولة ومحاسبة بشكل محدد، في حين اعترف سبعة وثلاثون بالمئة بأهميتها القصوى وإن غابت عنها الهياكل التنظيمية الرسمية.
وإذا كانت تجربة الموظف لا تزال تحتفظ بمكانتها كأولوية، فلماذا لا يترجم هذا الاهتمام إلى واقع يومي أفضل؟ تعيدنا البيانات هنا إلى ثلاث معضلات أكثر عمقاً.
أولاً: تغييب ""الإنسان"" عن مفهوم تجربة الموظف
تتمثل النتيجة الأكثر صدمة في التقرير في ذلك التحول الجذري لكيفية تعريف المؤسسات لتجربة الموظف نفسها. فعندما سُئل المشاركون عن المفهوم الذي يعكس رؤية مؤسساتهم لتجربة الموظف، وصفت نسبة واحد وخمسين بالمئة منها التجربة بأنها ""ترتكز على التقنية في المقام الأول""، وهو ما يتجاوز ضعف النسبة التي رأت فيها مفهوماً ""يرتكز على الثقافة المؤسسية"" والتي بلغت ثلاثة وعشرين بالمئة فقط، في حين لم تتعدَّ نسبة من يراها مزيجاً متوازناً بين التقنية والإنسان حاجز الواحد والعشرين بالمئة.
وبعبارة أخرى، أصبحت غالبية المؤسسات تتعامل مع تجربة الموظف كمعضلة تقنية بحتة يمكن حلها بمجرد نشر وتدشين الأدوات والبرمجيات الصحيحة، بدلاً من النظر إليها كواقع يعيشه الموظف ويتأثر به في طريقة عمله.
وينعكس هذا النمط بوضوح على مستوى الجهة المالكة للمشروع؛ إذ أشار تسعة وثلاثون بالمئة من المشاركين هذا العام إلى أن قطاع تكنولوجيا المعلومات هو المسؤول الأول عن تجربة الموظف، مقارنة بنسبة تسعة عشر بالمئة فقط قطاع الموارد البشرية، وهو انقلاب في الأدوار لم تشهده السنوات السابقة من هذا الاستطلاع.
وإذا ما قارنا هذا الواقع بمفهوم تجربة العميل، نجد أن مؤسسة ماكينزي تعرف تجربة العميل بأنها كل ما تقوم به المنشأة لإنصاف العميل ووضعه في المقام الأول، وإدارة رحلته وتلبية احتياجاته. إن تجربة العميل تتجذر في الواقع الفعلي الذي يعيشه العميل، وهو ما باتت تفتقر إليه تجربة الموظف بشكل متزايد. وعندما يتم تهميش الجانب الإنساني، فإن الحلول التقنية المعتمدة تبتعد حتماً عن ملامسة المعاناة والعقبات الحقيقية التي يواجهها الموظف على أرض الواقع.
ثانياً: إهمال إستراتيجيات التطوير المستمر وإدارة التغيير
تعتمد جودة التجربة الرقمية للموظف على اتخاذ قرارات مبنية على البيانات، والاستماع لآراء المستخدمين، وإجراء الاختبارات، وإحداث تحسينات تدريجية ومتراكمة مع مرور الوقت. ويعد التطوير المستمر ركيزة أساسية في أي نهج يضع الإنسان كأولوية عند تصميم بيئات العمل الرقمية.
لكن الواقع البحثي يشير إلى تقاعس الكثير من المؤسسات عن تبني هذا النهج؛ إذ أفاد ثلاثة وخمسون بالمئة فقط من المشاركين بامتلاكهم لعقلية ""التطوير المستمر"" في بيئاتهم الرقمية. ورغم أن نسبة اثنين بالمئة فقط صرحت بغياب أعمال الصيانة تماماً، إلا أن ذلك يترك خمسة وأربعين بالمئة من المؤسسات رهينة إما لصيانة تفاعلية غير منتظمة بنسبة اثني عشر بالمئة، أو لمراجعات دورية متباعدة بنسبة ثلاثة وثلاثين بالمئة تفتقر إلى أي إستراتيجية واضحة أو جدول زمني محدد.
ولا يقل جانب التمكين، وهو إدارة التغيير التي تساعد الموظفين على استخراج القيمة الحقيقية من أدواتهم، هشاشة وضآلة عن سابقه؛ إذ يقدم ما يقرب من نصف المؤسسات تمكيناً أدنى بنسبة ثلاثة عشر بالمئة أو تمكيناً محدوداً بنسبة ستة وثلاثين بالمئة، أو يلقون بالعبء على المبادرات الفردية وجهود الزملاء لسد الثغرات. وبدون وجود تطوير مستمر وتمكين حقيقي، فإن حتى الأدوات الممتازة ستنتج تجارب رديئة ومخيبة للآمال.
ثالثاً: تشظي وتفكك بيئات العمل الرقمية
تتسم التجربة الرقمية الناجحة للموظف بالتكامل والترابط؛ إذ يستطيع العامل التنقل بين المهام المختلفة دون الحاجة للقفز المستمر بين تطبيقات منفصلة، مما يقلل من تشتت الانتباه الناجم عن تبديل سياق العمل. وعلى النقيض من ذلك، تعمل البيئة المتشظية على هدر الأوقات واستنزاف الطاقات الإنتاجية.
ومع ذلك، لا تضع الشركات مسألة التكامل والربط في مقدمة أولوياتها؛ إذ يصف خمسة وأربعون بالمئة فقط من المشاركين بيئاتهم بأنها محكمة البناء والهندسة. ورغم أن أربعة عشر بالمئة فقط اعترفوا صراحة بتفكك بيئاتهم الرقمية، إلا أن الأغلبية العظمى أشارت إلى وجود جزر معلوماتية منعزلة خارج منصاتهم الأساسية.
وتأتي التقنيات والأنظمة القديمة والموروثة لتزيد الطين بلة؛ إذ تربع تحدي ""القيود التكنولوجية والأنظمة القديمة"" كأكبر عائق يواجه بيئات العمل الرقمية في هذا الاستطلاع بنسبة بلغت أربعة وخمسين بالمئة. وتصر نصف المؤسسات على التمسك بتقنياتها القديمة بدلاً من استبدالها وتحديثها، برغم أن نسبة ثمانية وعشرين بالمئة من هؤلاء يخططون على الأقل لاستخدام واجهات برمجة التطبيقات لربط النظم القديمة بالأدوات الحديثة.
طوق النجاة: إعادة الموظف إلى مركز الصدارة
إن إقصاء ""الموظف"" من مفهوم ""تجربة الموظف"" يماثل تحولاً أوسع نطاقاً يبتعد عن التفكير المتمركز حول الإنسان؛ ويتجلى ذلك في القرارات الصارمة بالعودة للعمل من المكاتب رغم تفضيل الموظفين للعمل عن بعد، والتراجع عن سياسات التنوع والشمول، وصعود نجم المؤسسات الموجهة نحو الذَّكَالِي أولاً بدلاً من الإنسان أولاً.
لا يوجد حل سحري أحادي لإصلاح مسار التجربة الرقمية للموظف، بل يتطلب الأمر نهجاً متعدد المحاور، مدعوماً بإستراتيجية واضحة، وموارد كافية، وفريق عمل مخلص ومثابر. ويقوم نموذج التميز في بيئة العمل الرقمية الخاص بمؤسسة ""ريووركد"" بتوزيع هذه الجهود على أربعة محاور رئيسية تشمل: القيادة، والتقنية والأتمتة، وتمكين الموظفين، وأخيراً القياس والمعايرة والصيانة.
ولكن هناك مبدأ جوهرياً واحداً يجب أن يسري في عروق هذه المحاور جميعاً، وهو إبقاء الموظف دائماً في مركز الصدارة. ويعني ذلك النظر إلى بيئة العمل الرقمية من منظور إنساني بحت وليس من خلف شاشات التقنية الصماء، والاستثمار في تكامل حقيقي بين النظم، والالتزام الصارم بالتطوير المستمر القائم على آراء المستخدمين وتغذيتهم الراجعة، وتوفير الموارد الكافية لبرامج التمكين. وحين تترجم هذه المبادئ إلى أفعال، فإن استطلاع العام المقبل قد يحمل لنا أخيراً مؤشرات تؤكد تحرك التجربة الرقمية للموظف في الاتجاه الصحيح.
