القائمة الرئيسية

التطور المهني يواجه معضلة في منتصف الطريق: الشركات مطالبة بإصلاح الخلل

التطور المهني يواجه معضلة في منتصف الطريق: الشركات مطالبة بإصلاح الخلل
ملخص المقال

يجادل المقال بأن الاحتراق الوظيفي المتزايد بين الموظفين في منتصف الأربعينيات وأوائل الخمسينيات ليس مشكلة فردية أو نقصاً في المرونة النفسية، بل نتيجة خلل هيكلي في تصميم المسارات المهنية الحديثة. فبينما أصبحت الحياة المهنية تمتد إلى خمسين أو ستين عاماً، لا تزال المؤسسات تديرها بعقلية صُممت لعقود عمل أقصر، ما يضع أكثر الموظفين خبرة وتأثيراً تحت ضغوط هائلة في مرحلة تعد اليوم منتصف الرحلة المهنية لا نهايتها. وتكشف أبحاث ليندا غراتون أن هؤلاء الموظفين يعانون من نقص الوقت والمساحة اللازمة للتأمل وإعادة تقييم خياراتهم المهنية، رغم أنهم يواجهون أسئلة مصيرية تتعلق بالهوية والمعنى ومستقبل العقود المقبلة من حياتهم العملية. ويرى المقال أن المؤسسات مطالبة بإعادة تصميم مسارات التطور المهني لتشمل الاستكشاف المستمر، وتدوير الوظائف، والانتقالات المدروسة، وفرص إعادة بناء المهارات، تماماً كما تفعل مع الموظفين الجدد. ويخلص إلى أن ما يبدو أزمة احتفاظ بالكفاءات هو في حقيقته تحدٍ استراتيجي يتعلق بكيفية دعم العاملين في منتصف مسيرتهم المهنية، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على طبيعة العمل والمهارات المطلوبة.

توقف أحد الرؤساء التنفيذيين فجأة في منتصف نقاش دار حول استقطاب المواهب وتطويرها في اجتماع قيادي حديث، ليلفت الانتباه إلى أمر غير متوقع؛ فقد أشار إلى أن ظاهرة الاحتراق الوظيفي بدأت تتحول إلى معضلة تؤرق مضجع مؤسسته، وأنها تتركز بشكل لافت في شريحة ديموغرافية غير متوقعة، وهي شريحة الموظفين الذين يتراوح سنهم بين منتصف الأربعينيات وأوائل الخمسينيات. ويمثل هؤلاء الشريحة الأكثر خبرة وكفاءة بين القادة المؤهلين، وهم أنفسهم الأشخاص الذين تتطلع المؤسسة لتبوئهم أعلى المناصب القيادية مستقبلاً.

وعلّق الرئيس التنفيذي على هذا الوضع بقوله إن المؤسسة تفقد زخمها وقوتها الدافعة في النقطة الزمنية ذاتها التي تحتاج فيها إلى هذا الزخم بشدة.

هذه الملاحظة تلخص ما توصلت إليه ليندا غراتون، أستاذة الممارسات الإدارية في كلية لندن للأعمال، والتي أمضت سنوات طويلة في دراسة ظاهرة العطاء الممتد وتأثيراتها على الحياة المهنية. وقد استمعت غراتون إلى الرؤية ذاتها بأشكال وصياغات مختلفة من العديد من المسؤولين التنفيذيين خلال الأشهر القليلة الماضية، ونشرت نتائج أبحاثها في مجلة ""هارفارد بيزنس ريفيو"" في السابع والعشرين من شهر مايو.

قد لا تبدو أسباب هذا الوضع مفاجئة للكثيرين؛ إذ يتربع الموظفون في هذه المرحلة العمرية على قمة هرم المسؤوليات الوظيفية الصارمة التي تفرض عليهم متطلبات لا تهدأ على الصعيدين الشخصي والمهني معاً، مما يدفع ببعضهم في نهاية المطاف إلى الاصطدام بجدار من الإرهاق التام.

ولكن المشكلة تكمن في أن المؤسسات لا تزال تتعامل مع الاحتراق الوظيفي بوصفه معضلة شخصية تخص الموظف وحده. فإذا عجز أحدهم عن تحمل الضغوط المتزايدة، تسارع الشركة إلى نقله لمكان آخر أو الاستغناء عنه، لتستوعب المؤسسة الخسارة وتستمر العجلة في الدوران عبر الاستعانة بشخص بديل.

ولكن السؤال الحرج الذي يفرض نفسه هنا هو: ماذا ستفعل المؤسسة عندما لا تجد ذلك البديل؟

تؤكد الدراسة أن السبب الرئيس وراء هذا الاحتراق الوظيفي هو خلل بنيوي وهيكلي في المنظومة الإدارية؛ فالعاملون في الأربعينيات من عمرهم يعانون ككتلة واحدة، ولا يعود السبب في ذلك إلى ضعف مرونتهم النفسية أو قدراتهم الفردية، بل يرجع إلى وجود فجوة وعدم توافق بين المدى الزمني الطويل الذي باتت تستغرقه المسارات المهنية الحديثة وبين الافتراضات التقليدية القديمة والمدمجة في الأنظمة المصممة لدعم تلك المسارات.

وتشير أبحاث غراتون حول طول العمر المهني إلى أن الأشخاص الذين يمرون حالياً بمنتصف الأربعينيات من عمرهم من المرجح أن يستمروا في العطاء والعمل حتى أوائل أو منتصف السبعينيات من العمر. إن مساراً مهنياً يمتد لخمسين أو ستين عاماً يتطلب أدوات وإستراتيجيات مختلفة تماماً عن ذلك المسار القديم الذي كان ينتهي بعد ثلاثين أو أربعين عاماً. ووفقاً لهذه المعطيات الجديدة، فإن منتصف الرحلة المهنية يقع الآن في بدايات الأربعينيات، في حين لا تزال المؤسسات تتعامل مع هذه المرحلة العمرية على أنها بداية النهاية وفصل الختام.

قمة المسؤولية وغياب المساحة لإعادة الحسابات

لكي تقف غراتون على حقيقة ما يحدث على أرض الواقع، قامت بتطوير برنامج بحثي امتد لعشرة أسابيع، وشمل عشرين من المهنيين في المستويات الإدارية المتوسطة والعليا من ثلاث شركات عالمية كبرى تقع مقارها في فرنسا والسويد والمملكة المتحدة. وجمع البرنامج بين التشخيص الفردي، والتمارين التأملية المنظمة، والحوارات الجماعية بين الزملاء.

وفي الاختبارات التشخيصية التي أجرتها مع هذه المجموعة، سجل الموظفون في الأربعينيات من عمرهم وبشكل مستمر أدنى الدرجات في مؤشر ""الهدوء والسكينة""، وهو المصطلح الذي تطلقه غراتون للتعبير عن القدرة على التأمل الذاتي وإعادة ضبط المسار. ولم تكن هناك أي مشكلة في مستويات الجهد المبذول أو المخرجات العملية، بل كان استعصاء الأمر يكمن في غياب الشيء الوحيد الذي يجعل اتخاذ القرارات المهنية المدروسة والواعية أمراً ممكناً.

وتلخص أبحاث غراتون ثلاث مراحل يمر بها المسار المهني الممتد.

ففي المرحلة الأولى، يميل الموظفون في العشرينيات من عمرهم إلى خوض التجارب بحرية تامة، مدفوعين بإيمانهم بأن الوقت لا يزال مبكراً لتجربة خيارات شتى وتعديل المسارات والانتقال العرضي بين الوظائف. وفي المقابل، يصبح الموظفون في الستينيات من عمرهم أكثر تأملاً وروية وتدبراً، وتبدأ آفاق وفرص جديدة في التكشف أمامهم.

أما في الوسط، فيقبع الموظفون الذين يمرون بمرحلة ""الأربعينيات المحورية"". ويتحمل هؤلاء العاملون ذروة المسؤوليات المؤسسية ويواجهون أقصى درجات الضغط الزمني، ومع ذلك، فهم الأقل قدرة على خوض التجارب واكتشاف البدائل، ويحدث هذا التقييد في المرحلة الدقيقة ذاتها التي ستشكل فيها الخيارات والقرارات التي يتخذونها معالم الثلاثين عاماً القادمة من حياتهم العملية.

إن الهياكل المهنية والأنظمة الإدارية التي تدار بها معظم المؤسسات اليوم لم تضع في حسبانها أيًا من هذه المعطيات المعاصرة؛ إذ جرى تشييدها في الأصل لتناسب حياة عملية أقصر خلت من هذه التحديات، حياة كانت تمثل فيها الأربعينيات من العمر الأمتار الأخيرة والشوط الختامي من السباق.

في منتصف الطريق: السؤال يتحول من جودة الأداء إلى جوهر الهوية

رغم أن هذه الأبحاث قد ركزت بشكل خاص على المديرين والتنفيذيين، إلا أن هذه التجربة لا تقتصر على النخب القيادية فحسب؛ فالعاملون في منتصف مسارهم المهني في كافة المستويات الوظيفية يخوضون الغمار ذاته ويطرحون الأسئلة نفسها، ويمر جلهم بهذه المرحلة دون أي دعم مؤسسي يُذكر، بل إن الكثيرين منهم يعجزون حتى عن إيجاد الكلمات المناسبة للتعبير عما يختلج في صدورهم من مشاعر حيرة وضيق.

وعندما أتيحت للمشاركين في البحث مساحة زمنية منظمة للتأمل والتدبر، اكتشف معظمهم أن القرارات السابقة التي اتخذوها في مقتبل العمر دون تفكير عميق أو تخطيط مدروس قد تراكمت وتضخمت مع الوقت لتصنع المسار الإجباري الذي يسيرون فوق سكتة الآن.

وترافق مع هذا الاكتشاف تحول جذري في طبيعة رغباتهم الحقيقية؛ إذ قل تركيزهم على حجم المخرجات والترقي الوظيفي، وتزايد شغفهم بالبحث عن المعنى، والتوازن، واتخاذ قرارات تعبر عن قناعاتهم الشخصية المستقلة. ومع ذلك، شعر الأغلبية بأنهم مكبلون ويعجزون عن اتخاذ أي خطوة عملية لتغيير هذا الواقع.

والذي تكشف تحت ركام هذه المشاعر هو سؤال جوهري يتعلق بالهوية؛ فلم يعد هؤلاء يشغلهم كيف يرفعون من جودة أدائهم، بل تحول اهتمامهم بالكامل نحو التساؤل عما إذا كانوا يتواجدون في المكان الصحيح، وإلى أي مدى يتعين عليهم التكيف والتنازل، وما الذي يعنيه الحفاظ على جوهر شخصياتهم الحقيقية دون زيف.

والسؤال الأبرز هنا هو: ما الذي أريد أن أكون عليه طوال الثلاثين عاماً القادمة؟

إن غالبية المؤسسات لا تضع هذا السؤال أبداً أمام موظفيها الذين يمرون بمنتصف مسارهم المهني. ورغم ذلك، فإن هذه المرحلة هي الوقت الأكثر أهمية والظرف الأشد صعوبة للإجابة عن هذا التساؤل، نظراً لأن الشروط والظروف البيئية اللازمة للإجابة عنه بروية وتدبر قد جرى إقصاؤها وتغييبها تماماً من تصميم الوظيفة نفسها.

استكشاف الآفاق المهنية يتوقف عند مرحلة التعيين، ومع تغيير الذَّكَالِي للوظائف وجب إحداث التحول

بُذلت جهود حثيثة ومثمرة في إعادة تصميم السلم الوظيفي طوال العقود القليلة الماضية، وساهمت إستراتيجيات التوظيف القائم على المهارات، وأسواق المواهب الداخلية، وحرية الانتقال المرن بين الأدوار الوظيفية في تحسين بيئات العمل بشكل ملحوظ.

بيد أن جل هذه الجهود قد انصب على كيفية توزيع المؤسسات لطاقاتها البشرية وتوظيفها، وقلما التفتت إلى تلمس الملامح الحقيقية للمسار المهني المستدام من منظور الموظف الذي يعيش هذه التجربة بنفسه.

إن الموظف البالغ من العمر خمسة وأربعين عاماً، والذي يمتلك في جعبته عشرين سنة من الخبرة المتراكمة وتنتظره خمس وعشرون سنة أخرى من العطاء، يحتاج إلى خطة حقيقية واضحة المعالم لما يمكن أن يكون عليه مستقبله المهني. وفي المقابل، فإن الخيار التلقائي الوحيد الذي تقدمه معظم المؤسسات هو حث الموظف على الاستمرار في أداء العمل ذاته بالطريقة نفسها حتى تضطره قوة قاهرة أو ظروف طارئة إلى التغيير.

وعندما يحظى أحدهم بفرصة لخوض حوار جاد حول مستقبله، فإن الخيارات المتاحة لا تخرج عن أطر مألوفة ومعروفة:

التحول والانتقال نحو مجال مجاور أو تخصص جديد تماماً. الغوص بشكل أعمق في مجالات خبراتهم الحالية وصقلها. بناء مهارات جديدة في اتجاه مختلف دون مغادرة قطاعهم الوظيفي الحالي.

ويمتلك معظم المهنيين ذوي الخبرة تصوراً واضحاً عن الوجهة التي يفضلون سلوكها عندما يطرح عليهم أحدهم هذا السؤال. لكن المشكلة الكبرى تكمن في أن هذا الحوار نادراً ما يدور في أروقة الشركات. ومع دخول تقنيات الذَّكَالِي التي تعيد صياغة المهارات المطلوبة باستمرار، أصبحت هذه الحوارات أكثر أهمية وإلحاحاً من أي وقت مضى.

إن فتح آفاق الاستكشاف المهني يعد جزءاً أصيلاً من إستراتيجيات دمج الموظفين الجدد في بداية مسيرتهم؛ حيث تُصمم برامج تدوير الوظائف، والمهام التجريبية، والمشاريع التوسعية خصيصاً لتعريف الموظف الجديد بالقطاعات المختلفة ومساعدته على تحديد الموضع الذي يناسب قدراته. ونحن نبني هذه الأدوات لإدراكنا بأن المرء في مقتبل حياته المهنية لا يملك الخبرة الكافية المعينة على معرفة رغباته بدقة.

ولكن الخطأ الفادح يكمن في افتراضنا بأن الموظف بمجرد وصوله إلى أواخر الثلاثينيات أو أوائل الأربعينيات قد استقر أمره وحُسمت خياراته نهائياً.

إن الموظف البالغ من العمر ثلاثة وأربعين عاماً، والذي أمضى خمس عشرة سنة في قطاع وظيفي واحد وتنتظره خمس وعشرون سنة أخرى من العمل، لا يعني بالضرورة أنه قد اهتدى إلى خياراته النهائية بشكل أفضل من ذلك الشاب الذي يبلغ من العمر خمسة وعشرين عاماً. نعم، لقد بنى هذا الموظف خبرة عريضة في اتجاه واحد، ولكن قد تكون لديه اهتمامات وقدرات كامنة لم تحظَ بأي فرصة للاكتشاف والتجلي، وذلك لأن المؤسسات توقفت عن إتاحة المساحة والمناخ الحاضن لمثل هذا الاستكشاف.

إن تدوير الوظائف، والإعارات المؤقتة، والتجارب المنظمة في القطاعات المجاورة، هي أدوات تكتسب القيمة والأهمية ذاتها عند تطبيقها على موظف في الثالثة والأربعين من عمره تماماً مثلما تفعل مع الموظفين الجدد.

وتُظهر التجارب أن المؤسسات التي تبنت هذا النهج الفسيح وجدت أن موظفيها ذوي الخبرة الذين مُنحوا فرصة للاستكشاف وإعادة موازنة الأمور يميلون إلى البقاء والتمسك بشركاتهم، ويقدمون عطاءً أكبر وأعمق في أدوارهم الوظيفية لاحقاً. وفي المقابل، فإن الشركات التي تتجاهل هذه الخطوة تكتشف الفاتورة الباهظة لإهمالها عندما ينجح موظف متميز يبلغ من العمر سبعة وأربعين عاماً، وظل يطرح الأسئلة ذاتها حول هويته المهنية لثلاث سنوات كاملة دون مجيب، في العثور على الإجابة بمفرده وخارج أسوار المؤسسة.

معضلة تخطيط وإستراتيجية وليست أزمة كفاءات بشرية

إن المسارات المهنية التي صممناها في الماضي كانت تفترض أن الموظف سينهي رحلة عطائه عند بلوغ سن الخامسة والستين. لكن الأبحاث الحديثة تثبت وتؤكد أن الأغلبية الساحقة من القوى العاملة لن تتوقف عند هذا الحد.

لقد غدت سنوات منتصف العمر المهني تمثل البداية الفعلية لمنتصف رحلة العطاء، ولم تعد الفصل الأخير من الكتاب. ولم تستجب غالبية المؤسسات بعد لهذه الحقيقة الجديدة وتتعامل مع معطياتها، مما يعني أن الأشخاص الذين يحملون على عواتقهم العبء الأكبر من المعرفة المؤسسية والمسؤوليات القيادية يسبحون اليوم في بحر متلاطم من القرارات المصيرية التي تخص حياتهم المهنية، دون العثور على عون يذكر من الكيانات والمؤسسات التي تعتمد عليهم بشكل كامل. ومع وجود تقنيات الذَّكَالِي، يتضاعف حجم الضغوط المسلطة عليهم، سواء في رحلة فهم هوياتهم المهنية المتغيرة أو في بناء مسار مهني مستدام للثلاثين عاماً القادمة.

إن الموظفين في منتصف مساراتهم المهنية يتخذون بالفعل قراراتهم الكبرى، لكنهم يفعلون ذلك في الغالب بمفردهم، وتحت وطأة ضغوط شديدة، وبأعين لا تكاد تبصر الفرص والخيارات المتاحة أمامهم. والمؤسسات الذكية التي تمد لهم يد العون وتوفر البنية التوجيهية لتنظيم تلك القرارات ستنجح في الاحتفاظ بهم وحماية مكتسباتها. أما الشركات التي تتقاعس عن ذلك، فستستمر في توصيف المشكلة على أنها مجرد أزمة في الاحتفاظ بالموظفين وتدوير الكفاءات.

مقالات ذات صلة