تناولت في مقال حديث بحثاً أجرته جامعة جنوب كاليفورنيا حول الاستخدامات الأكثر فعالية للذَّكَالِي في مجال التعليم. وقد تلخص الأمر أساساً في معرفة ما إذا كان الطلاب يستخدمون الذَّكَالِي لمساعدتهم على التفكير، أم أنهم يستخدمونه ليكون بديلاً عن أفكارهم الخاصة.
وقد وجد تقرير حديث صادر عن مختبر وسائل التواصل الاجتماعي بجامعة ستانفورد أن مشكلات مماثلة تبرز في بيئة العمل، حيث غالباً ما يستخدم الموظفون الذَّكَالِي لاتخاذ طرق مختصرة تؤدي في نهاية المطاف إلى مزيد من العمل في المراحل اللاحقة بسبب رداءة جودة ما يتم إنتاجه.
الحد الأدنى من الجهد الممكن
وأظهر التحليل أن الناس غالباً ما يستخدمون الذَّكَالِي لإنتاج أعمال مقبولة بالحد الأدنى وتتطلب أقل قدر ممكن من الجهد. وفي إشارة إلى المواد الرديئة التي يولدها الذَّكَالِي وتملأ خلاصات وسائل التواصل الاجتماعي، يطلق الباحثون على هذا النوع من الإنتاج في بيئة الوظيفة اسم ""العمل الهجين الركيك"".
وتوضح الدراسة أنه مع نمو قدرات الذَّكَالِي، ظهر انقسام في التطبيقات يشبه إلى حد كبير ما وجده باحثو جامعة جنوب كاليفورنيا. فبعض الأشخاص يستخدمون الذَّكَالِي كأداة لدعم التعلم تساعدهم على تحسين عملهم الخاص، بينما يتخذ آخرون النهج الأسهل ويجعلون الذَّكالِي يقوم بالعمل نيابة عنهم.
ولسوء الحظ، وعلى الرغم من الضجيج التسويقي الصادر عن الشركات البائعة، فإن مخرجات هذه الطرق المختصرة غالباً ما تكون مليئة بالمشكلات. ونحن لا نتحدث هنا فقط عن الهلوسات التي يكثر الاستشهاد بها، إذ وجد التحليل أعمالاً غير مفيدة وغير مكتملة، وغالباً ما يكون ذلك بسبب غياب السياق المحيط بالمشروع.
مكاسب ضئيلة
يعتقد الباحثون أن هذا قد يكون سبباً رئيساً وراء عدم التماس إلا القليل جداً من المؤسسات لأي نوع من مكاسب الإنتاجية بفضل الذَّكَالِي. فهذه التطبيقات الكسولة تنقل ببساطة عبء العمل إلى المراحل التالية، حيث يتعين على شخص آخر ترتيب هذا العمل ومحاولة فهمه.
وقد وجدت الدراسة أن أربعين بالمئة من الموظفين كانوا في الجانب المتلقي للعمل الهجين الركيك خلال الشهر الماضي. وفي الواقع، استطرد هؤلاء الأشخاص ليوضحوا أن أكثر من خمسة عشر بالمئة من المحتوى الذي تلقوه يمكن تصنيفه على الأرجح كنفايات ناتجة عن الذَّكَالِي. وكان معظم هذا العمل الركيك يُرسل بين الزملاء الذين هم في نفس المستوى الوظيفي، غير أن الموظفين لم يكونوا ممتنعين تماماً عن إرساله إلى مديريهم أيضاً. وفي حين أن العمل الهجين الركيك كان شائعاً في مختلف القطاعات، فقد كان منتشراً بشكل خاص في قطاعي الخدمات المهنية والتكنولوجيا.
وبطبيعة الحال، فإن المخاوف المحيطة باستخدامنا للتكنولوجيا للقيام بالتفكير نيابة عنا كانت موجودة منذ سنوات عديدة، ولكن الجيل الجديد من أدوات الذَّكَالِي يجعل الأمور أكثر سوءاً لأننا ننقل عبء التخلي المعرفي إلى شخص آخر. وبعبارة أخرى، في حين أن استخدام خريطة تحديد المواقع أو محرك البحث قد يضعف حواسنا الخاصة، فإن أثره يقتصر علينا إلى حد كبير، بينما عندما نستخدم ""شات جي بي تي"" لإنتاج شيء نمرره إلى شخص آخر، فإننا نبرمجه على القيام بمزيد من العمل لفهم النفايات التي نرسلها إليه.
تكاليف التنظيف وترتيب الفوضى
يعد هذا الأمر مهماً للغاية، لأنه في حين أن التكاليف الذهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى التوليدي بواسطة الذَّكَالِي تعد ضئيلة، فقد وجدت الدراسة أن تنظيف وترتيب ما تم إنتاجه استغرق من المتلقين في المتوسط أقل قليلاً من ساعتين، أو ما يعادل مئة وستة وثمانين دولاراً تقريباً لكل حالة. وعند تعميم هذا الرقم على مستوى مؤسسة نموذجية في الدراسة، فإن هذا يترجم إلى تراجع في الإنتاجية تزيد قيمته عن تسعة ملايين دولار سنوياً.
ولم تكن التكاليف مالية فحسب، إذ إن مشاركة العمل الهجين الركيك حملت أيضاً تكاليف اجتماعية وعاطفية. فعلى سبيل المثال، أفاد المشاركون في الدراسة بشعورهم بعدم اليقين التام بشأن كيفية الرد عندما يرسل إليهم أحد الزملاء عملاً تم إنتاجه بواسطة الذَّكَالِي، حيث قال الجميع تقريباً إنهم شعروا بالانزعاج وحتى بالإهانة من ذلك.
وقد ترتب على ذلك تكاليف اجتماعية حتمية أثرت على العلاقات، حيث اعتُبر الأشخاص الذين يرسلون العمل الهجين الركيك لاحقاً أقل كفاءة وموثوقية. وفي الواقع، ذهب حوالي نصف المشاركين إلى حد رؤية المرسلين على أنهم أقل جدية بالثقة. ولا ينبغي أن يكون هذا مفاجئاً، إذ أظهرت أبحاث سابقة أننا ننظر إلى مستخدمي الذَّكَالِي على أنهم أقل كفاءة وإبداعاً.
بناء المبادئ التوجيهية
أظهرت دراسات متنوعة أن العديد من الموظفين اليوم يستخدمون الذَّكَالِي سراً، وهو ما يلعب ربما دوراً في استخدامهم غير الملائم له. وفي الأوساط الأكاديمية، يدعو باحثو جامعة جنوب كاليفورنيا إلى وضع مبادئ توجيهية وتدريب على كيفية استخدام الذَّكَالِي ليس فقط بفعالية بل وبطريقة أخلاقية أيضاً.
ويجب أن يتضمن جزء من هذه المبادئ التوجيهية نهجاً أكثر تمييزاً وحذراً تجاه التكنولوجيا. ويرى باحثو ستانفورد أنه بدلاً من اقتراح استخدام الذَّكَالِي في كل مكان وفي جميع الأوقات، يجب أن نكون أكثر انتقائية بشأن مكان وكيفية استخدامه.
وتعتبر الثقافة المؤسسية عاملاً مهماً أيضاً، حيث أظهرت الدراسة أن الموظفين الذين يعتقدون أن لديهم القدرة على التأثير والتفاؤل لم يكونوا أكثر عرضة لاستخدام الذَّكَالِي فحسب، بل كانوا أيضاً أكثر عرضة لاستخدامه بطريقة تعزز ذكاءهم بدلاً من أن تحل محله.
ونظراً للاستثمار الضخم في الذَّكَالِي, فإنه من الحتمي أن نمر بفترة استكشاف لمعرفة ما ينجح وما لا ينجح. وقد وجدت دراسة شاملة حول تبني الذَّكَالِي في الصين أن نشر الذَّكَالِي من أجل خفض التكاليف يعد فكرة سيئة دائماً تقريباً. وتأتي أفضل النتائج عندما يتم استخدامه لتعزيز ما نقوم به بدلاً من استبداله. وليس من الواضح ما إذا كانت هذه الرسالة قد وصلت إلى القوى العاملة بعد، ولكن نأمل أن تصل قريباً.
وفي نهاية المطاف، لا تكمن المشكلة في التكنولوجيا نفسها، بل في كيفية اختيارنا لاستخدامها. يمكن للذَّكَالِي أن يصقل تفكيرنا أو يمكنه أن يضخ العمل الهجين الركيك، ولكنه لا يستطيع القيام بالأمرين معاً. وإلى أن تتوقف بيئات العمل عن التعامل معه كطريق مختصر رخيص وتبدأ في معاملته كأداة للتعزيز الحقيقي، فإن مكاسب الإنتاجية الموعودة ستظل بعيدة المنال بشكل عنيد.
