لماذا تصر كبرى المؤسسات الاستشارية والمالية والقانونية في العالم، وعلى رأسها قطب الاستشارات ""ماكينزي"" وعملاق المال ""غولدمان ساكس""، على إنفاق الغالي والنفيس في استقطاب الكفاءات الشابة وتأهيلها، لتفتح لها باب المغادرة على مصراعيه بعد سنوات معدودات؟ الإجابة تأتينا من روقة البحث العلمي، حيث كشفت دراسة حديثة أعدها باكورة من الأكاديميين في جامعتي ""روتشستر"" و""ويسكونسن ماديسون"" عن مفاجأة؛ مفادها أن هذا الإقصاء الممنهج وسياسة ""الترقي أو الرحيل"" الصارمة لا يعكسان خللاً في المنظومة الإدارية، بل هما ركيزة أساسية وهندسة مقصودة بنيت عليها آلية عمل هذه الشركات.
وقد وضع الباحثون نموذجاً تفسيرياً يفكك خيوط العلاقة المتشابكة بين السمعة المؤسسية، وتدفق المعلومات، والقدرة على الاحتفاظ بالكوادر، لا سيما في القطاعات التي تشكل المهارة الفردية فيها حجر الزاوية، والتي يسهل فيها رصد الإنجازات وتقييمها بدقة، مثل قطاعات المحاماة، والاستشارات، وإدارة الأصول، والتدقيق المالي، والهندسة المعمارية. ويلفت الباحثون الانتباه إلى أن هذه المجالات تتكئ في بنيتها على ""الشركات الوسيطة""، وهي تلك الكيانات التي تجمع بين توظيف الخبراء وتسويق مهاراتهم للعملاء في آن واحد؛ وهي بنية فرضتها طبيعة السوق نظراً لعدم قدرة العميل على سبر أغوار الكفاءة الحقيقية لأي مهني في بداية عهده بالعمل.
الموهبة فرس الرهان
يرى الباحثون أن اكتشاف الموهبة الفذة يمثل غاية المنى للعملاء، رغم أنه أمر محفوف بالصعوبة والغموض بطبيعته. وهنا تحديداً تظهر مزية الشركات الوسيطة؛ إذ تحظى بأسبقية معرفية تمكنها من قراءة منسوب الكفاءة لدى موظفيها الجدد وتقييم أبعاد قدراتهم قبل أن يلمح الخصوم أو الغرباء ذلك بفترة طويلة. وفي هذه المراحل الأولية التي يصطلح على تسميتها بـ ""الفترات الهادئة""، تعمد الشركات إلى استبقاء كل من يثبت جدارته ويقدم أداءً مرضياً، مع منحهم أجوراً اعتيادية تتماشى مع السائد في السوق.
بيد أن عقارب الساعة لا تقف مكانها؛ فمع مرور الوقت تبدأ المؤشرات العلنية للأداء بالظهور على السطح، وتتجلى في قضايا رابحة في ساحات المحاكم، واستثمارات تجني أرباحاً طائلة، ومشاريع كبرى تُسلم بنجاح. هذه النجاحات تبدد تدريجياً الضبابية المعلوماتية، حيث يبدأ العملاء في التعرف عن قرب على قدرات الموظفين المتميزين، ويعيدون صياغة توقعاتهم بناءً على ذلك. وفي هذه المرحلة، تجد الشركات نفسها مجبرة على رفع أجور هؤلاء النجوم لحمايتهم من إغراءات المنافسين الذين يتربصون بهم لاقتناصهم، أو لمنعهم من فرض شروط مالية أعلى.
ولكن، سرعان ما تتقلص تلك المزية المعرفية التي كانت تستأثر بها الشركة، وتصبح الفجوة المعلوماتية بينها وبين السوق ضئيلة للغاية. وهنا، يرى الباحثون أن السلوك العقلاني والأكثر جدوى اقتصاديًا للشركة هو البدء في غربلة طواقمها وضخ دماء جديدة عبر ما يُعرف بـ ""تدوير الموظفين"". فمن خلال الاستغناء عن بعض الكوادر المؤهلة ولكن ذات العطاء المتوسط، ترفع الشركة من القيمة الذهنية والصورة الاحترافية لمن وقع عليهم الاختيار للبقاء. والمفارقة هنا أن العملاء ينظرون إلى هؤلاء الراحلين بكثير من التقدير، ويرونهم على درجة عالية من الكفاءة لا تقل عن رفاقهم المستمرين، وهو ما يفسر النجاحات الباهرة التي يحققها هؤلاء المطرودون من ""جنة المؤسسة"" بمجرد خوضهم غمار العمل المستقل.
وعلى عكس ما تبدو عليه الأمور من قسوة، فإن هذه الغربلة المستمرة تحمل في طياتها منفعة متبادلة لكلا الطرفين؛ فالكوادر التي يقع عليها الاختيار للاستمرار ترتضي أجوراً متواضعة نسيباً، مدفوعة برغبتها في جني ثمار ""الهيبة المهنية"" التي يضفيها عليها الانتماء المستمر لكيان من طراز رفيع. وحينما يقرر هؤلاء النجوم المغادرة في نهاية المطاف، فإن هذه المكانة المرموقة والسمعة المصقولة تؤهلهم لفرض رسوم باهظة وشروط مالية مالية مجزية مباشرة على العملاء دون وسيط.
تضييق الفجوة وتكامل الأدوار
تسهم سياسة التدوير هذه أيضاً في تقليص الهوة المعرفية بين الشركة والعميل، مما يحد من قدرة الشركة على تحقيق أرباح سهلة قائمة مجرد احتكار الأسرار الداخلية للاعبين. ولكن، بدلاً من أن يؤدي هذا التحول إلى تآكل أرباح الشركة، فإنه يمنحها سلطة خفية لتعظيم مكاسبها من النجوم الباقين؛ فبما أن العرف السائد قد استقر على أن مغادرة الشركة مؤشر على عدم الأهلية أو النقص، فإن الشركات تستغل هذا الهاجس لتمنح نجومها الباقين أجوراً دون مستوى كفاءتهم الحقيقية، وكأنها تتقاضى منهم ضريبة خفية مقابل شرف النجاة من الغربلة وامتياز كونهم ""المختارين"".
هذه الديناميكية المعقدة تفضي في نهاية المطاف إلى حالة من التوازن المستقر في السوق، وإن كانت مغلفة بنوع من القسوة الجافة؛ فالشباب الطامحون يبدون استعداداً تاماً لتحمل أعباء العمل المضنية وساعاته الطويلة والقبول بأجور زهيدة في بداية مشوارهم، لإدراكهم اليقين بأن اقتران أسمائهم بعلامة تجارية نخبوية هو شهادة دمغ تعلن للسوق امتلاكهم لقدرات استثنائية نادرة. ومن هذا المنطلق، فإن أولئك الذين يوضعون على قطار الرحيل ليسوا فاشلين بالمعنى الدارج، بل إن خروجهم ليس إلا ترساً في منظومة فرز دقيقة تساعد السوق في التمييز بين النخبة الفريدة من جهة، وأولئك الذين يقفون عند حدود التميز العادي من جهة أخرى.
خلاصة القول، إن ثقافة ""الترقي أو الرحيل"" المهيمنة على قطاع الخدمات المهنية الرفيعة ليست مجرد طبع مؤسسي غريب أو نزعة إدارية عابرة، بل هي استجابة اقتصادية محكمة ومدروسة لكيفية صناعة السمعة وإدارة تدفق المعلومات في السوق. وما يبدو في ظاهره طرداً تعسفياً وقاسياً للموظفين، ليس في حقيقة الأمر —بحسب استنتاجات الباحثين— سوى عملية معايرة بالغة الدقة، يستطيع السوق من خلالها فرز المواهب الحقيقية، واعتمادها، ومن ثم مكافأتها بما تستحق.
