القائمة الرئيسية

مراكز البيانات الفضائية: بين الوعود الثورية والتحديات الخفية

مراكز البيانات الفضائية: بين الوعود الثورية والتحديات الخفية
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة تصاعد الاهتمام بمراكز البيانات الفضائية كحل محتمل لأزمة الطاقة والمياه والمعارضة المجتمعية التي تواجه مراكز البيانات الأرضية، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن التحدي الأكبر الذي يهدد هذه الرؤية الطموحة: تبريد الحواسيب في فراغ الفضاء. وبينما تبدو مزايا الفضاء مغرية، يوضح المقال أن القيود الفيزيائية المتعلقة بتبديد الحرارة والوزن والاتصالات والصيانة قد تجعل تحقيق مراكز بيانات مدارية واسعة النطاق أكثر تعقيداً بكثير مما يعتقده المتحمسون، ما يعني أن نجاحها سيتطلب ابتكارات هندسية غير مسبوقة.

  • تشير التقارير إلى أن 70% من الأمريكيين يعارضون اليوم بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في مناطقهم المحلية، وهو ما يغذي الاهتمام المتزايد بالبدائل القائمة في الفضاء.
  • تبدو الفكرة المطروحة لمراكز البيانات الفضائية مغرية للغاية: انخفاض تكاليف الإطلاق، وتوافر الطاقة الشمسية بكثرة، وعدم الحاجة إلى الانتظار للاتصال بشبكات الكهرباء، وتجنب النزاعات المتعلقة بالمياه أو إجراءات التخطيط العمراني.

لكن هناك عقبة لا تحظى بالاهتمام الكافي: الحرارة.

في العديد من المناطق في الولايات المتحدة وأوروبا، تتزايد المعارضة المحلية لمراكز البيانات. وفي الواقع، تشير التقارير إلى أن 70% من الأمريكيين يعارضون الآن بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بالقرب منهم. ويساعد هذا الرفض المتنامي على تفسير سبب تحول فكرة مراكز البيانات الفضائية فجأة من مجرد خيال علمي إلى استراتيجية استثمارية حقيقية في قطاع الذكاء الاصطناعي.

وقد أطلقت بالفعل شركة ""ستاركلاود"" المتخصصة في مراكز البيانات الفضائية قمراً صناعياً يحمل وحدة معالجة رسومية من طراز NVIDIA H100. كما أن الطرح الأوسع الذي نسمعه حالياً من إيلون ماسك وشركة سبيس إكس، وغوغل، وإنفيديا، وجيف بيزوس وشركة بلو أوريجين يبدو جذاباً للغاية: تكاليف إطلاق منخفضة، وطاقة شمسية وفيرة، وعدم وجود طوابير للحصول على الكهرباء، ولا نزاعات على المياه، ولا مجالس تخطيط عمراني تعرقل المشاريع.

لكن هناك مشكلة أساسية لا تحظى بما يكفي من الاهتمام: الحرارة.

لماذا يشكل التبريد مشكلة لمراكز البيانات الفضائية؟

عادة ما نتحدث عن الذكاء الاصطناعي من منظور الرقائق الإلكترونية والنماذج الحاسوبية والكهرباء. لكن تقريباً كل واط تستهلكه الرقاقة يتحول إلى حرارة مهدرة. ويجب التخلص من هذه الحرارة بسرعة لأن الرقائق تبدأ بالتعطل إذا ارتفعت حرارتها أكثر من اللازم. وفي الواقع، فإن جزءاً كبيراً من استهلاك المياه الذي يثير احتجاجات السكان ضد مراكز البيانات يعود إلى استخدام المياه لتبريد الرقائق. وعندما لا تتوفر المياه، يتم استخدام الهواء، ولهذا تحتوي أجهزة الكمبيوتر المحمولة والمكتبية على مراوح تبريد.

يدعي المروجون لمراكز البيانات الفضائية أن التبريد سيكون أسهل في الفضاء لأن درجة حرارة الفضاء المحيط تبلغ نحو 270 درجة مئوية تحت الصفر. ويبدو ذلك منطقياً للوهلة الأولى، لكنه أكثر تعقيداً مما يبدو.

في فراغ الفضاء، لا توجد مادة يمكن أن تنتقل إليها الحرارة المهدرة. فلا يوجد غلاف جوي ولا مياه. والطريق الوحيد للتخلص من الحرارة هو الإشعاع تحت الأحمر، أي أن المركبة الفضائية يجب أن تشع حرارتها إلى الخارج على شكل موجات غير مرئية للعين البشرية.

وتكشف الأرقام عن صعوبة هائلة. فوفقاً للورقة البيضاء الخاصة بشركة ستاركلاود، فإن مشعاعاً حرارياً ثنائي الجانبين عند درجة حرارة تقارب 20 درجة مئوية لا يستطيع إلا إطلاق نحو 633 واطاً لكل متر مربع، أي أبطأ بأكثر من ألف مرة من تبريد رقائق الذكاء الاصطناعي بالمياه على الأرض.

وهذا يعني أن مركز بيانات مدارياً صغيراً بقدرة ميغاواط واحد فقط، وهو أصغر بألف مرة من مراكز البيانات الأرضية العملاقة التي تعمل على مستوى الغيغاواط، سيحتاج إلى نحو 1600 متر مربع من المشعات الحرارية، أي مساحة تقارب مساحة حلبة هوكي.

وقد يطرح البعض سؤالاً: أليست الأقمار الصناعية مزودة بالفعل بألواح شمسية ضخمة؟ لماذا لا يتم استخدام الجانب الخلفي منها كمشعاع حراري؟

تبدو الفكرة جذابة، لكنها لا تنجح عملياً. فاللوح الكهروضوئي يحتاج إلى مواجهة الشمس وامتصاص الطاقة، بينما يحتاج المشعاع الحراري إلى زاوية تقلل تعرضه للشمس وتمنحه رؤية واضحة للفضاء البارد. والأهم من ذلك أن الحرارة يجب أن تنتقل من وحدات المعالجة الرسومية إلى أطراف المشعاع، ما يتطلب مشعات أكثر سماكة لنقل الحرارة لمسافات أطول، وهو ما يزيد الوزن بشكل كبير. ولسوء الحظ، فإن الصواريخ والرقائق الإلكترونية تحتاجان إلى متطلبات متعارضة تماماً.

محطة الفضاء الدولية كاختبار للواقع

تمثل محطة الفضاء الدولية اختباراً واقعياً لهذه التحديات. فهي تحتوي على ألواح شمسية منفصلة، وأنظمة تبريد بالأمونيا، وأجنحة مشعات حرارية دوارة. ويستطيع نظام التحكم الحراري الخارجي التابع لناسا التخلص من 70 كيلوواطاً من الحرارة المهدرة عبر مشعات تزن نحو سبعة أطنان مترية.

وعند توسيع هذا النموذج ليخدم مركز بيانات بقدرة ميغاواط واحد فقط، تصبح الكتلة المطلوبة هائلة، إذ سيبلغ وزن المشعات وحدها نحو 100 طن تقريباً. وللمقارنة، فإن أجهزة الحوسبة المتطورة للذكاء الاصطناعي بقدرة ميغاواط واحد تزن في حدود 10 أطنان فقط.

وهنا تكمن المعضلة الاقتصادية الحقيقية: فقد يصل وزن المشعات وحدها إلى نحو عشرة أضعاف وزن أجهزة الحوسبة نفسها. وبما أن تكاليف الإطلاق ترتفع مع زيادة الوزن، فإن التبريد قد يفرض زيادة في تكلفة الإطلاق بمقدار عشرة أضعاف تقريباً قبل إنتاج أي مخرجات حاسوبية فعلية.

فهل يمكن للمهندسين ببساطة تشغيل الرقائق عند درجات حرارة أعلى وتقليل حجم المشعات؟

من الناحية النظرية، يزداد معدل الإشعاع الحراري مع القوة الرابعة لدرجة الحرارة، وهو ما يساعد كثيراً. لكن في المقابل، ترتفع معدلات تسرب التيار والأخطاء في أشباه الموصلات بشكل أسي مع ارتفاع الحرارة، ما يجعل الوضع أكثر سوءاً.

وقد تحدث إيلون ماسك عن إمكانية رفع درجات حرارة الرقائق بنسبة 20% وفق مقياس كلفن لتقليل كتلة المشعات إلى النصف، وهو ما يعني زيادة حرارة الرقائق بمقدار يتراوح بين 50 و70 درجة مئوية إضافية فوق الحدود التي تستطيع الرقائق الحالية تحملها. وربما تتمكن الرقائق المستقبلية من تحقيق ذلك، لكن رفع درجات الحرارة بمئات الدرجات المئوية لتجاوز مشكلة التبريد الإشعاعي البطيء ليس أمراً واقعياً بالنسبة لوحدات المعالجة الرسومية.

وفي الحقيقة، يجب أن يأخذ التصميم في الاعتبار عوامل أخرى عديدة تشمل التبريد، ونقل البيانات بين الرقائق، ومقاومة الإشعاع.

فإذا جرى وضع وحدات المعالجة الرسومية بالقرب من بعضها البعض، تتحسن سرعة الاتصال وتبادل البيانات بينها، كما يمكنها مشاركة أنظمة الحماية من الإشعاع. لكن الحرارة تصبح أكثر تركيزاً وتحتاج إلى الانتقال لمسافات طويلة نحو المشعات الكبيرة، ما يحد من كفاءة التبريد.

أما إذا تم توزيع الرقائق على مساحة أوسع ضمن الهيكل المشع، يصبح التبريد أسهل. لكن عندها تزداد صعوبة توفير الاتصالات عالية السرعة والتزامن بين الرقائق، كما تحتاج كل وحدة إلى درع إشعاعي خاص بها، ما يزيد الوزن. إنها سلسلة لا تنتهي من التحديات الصغيرة التي تتراكم لتصبح مشكلة كبيرة.

ولا تتوقف المشكلات عند هذا الحد. فالأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض تنتقل بين ضوء الشمس والظل كل نحو 90 دقيقة، ما يفرض دورات متكررة من التمدد والانكماش الحراري تؤثر سلباً على الموثوقية. كما أن الإشعاع والأيونات النشطة تزيد من معدلات التآكل والتلف.

أما نقل البيانات إلى الأرض، فلا يزال محدود النطاق مقارنة بشبكات الألياف الضوئية الأرضية. وتصبح أعمال الصيانة أكثر صعوبة أيضاً. فعلى الأرض يتم تحديث أجهزة الذكاء الاصطناعي كل ثلاث إلى خمس سنوات، أما في المدار فإن وحدة المعالجة المتعطلة أو المتقادمة قد تبقى كذلك إلى الأبد.

كيف يمكن أن تبدو مراكز البيانات الفضائية فعلياً؟

من غير المرجح أن تؤدي هذه العقبات إلى القضاء على الحماس تجاه هذه الفكرة الطموحة. فمع توقع بعض المتفائلين أن يرتفع الطلب على قدرات الحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي بمقدار مئة ضعف إضافية بحلول نهاية العقد الحالي، فإن نجاح مراكز البيانات الفضائية سيكون أشبه باكتشاف كنز أسطوري.

كما أن حالة اليأس التي يعيشها القطاع حقيقية بالفعل، فندرة الكهرباء والمياه وقدرات الشبكات الكهربائية وموافقة المجتمعات المحلية ستدفع الشركات إلى خوض رهانات جريئة للغاية.

لكن الذكاء الاصطناعي المداري لن ينجح لمجرد أن الفضاء مجاني أو أن ضوء الشمس وفير أو لأن الفضاء ""بارد"". بل لن ينجح إلا إذا تمكن المهندسون من تحقيق إنجازات استثنائية عبر تطوير أنظمة حرارية واتصالات خفيفة الوزن وفعالة بدرجات تفوق ما هو موجود اليوم بمراحل عديدة.

وقد يفرض ذلك بنية مختلفة تماماً عن مراكز البيانات التقليدية. فبدلاً من إطلاق مستودع ضخم من الخوادم إلى المدار، قد نشهد أساطيل حوسبة معيارية مكونة من العديد من الأقمار الصناعية الصغيرة التي تحلق بالقرب من بعضها البعض، مع وضع الرقائق بالقرب من المشعات لتسهيل التبريد، واعتماد روابط ليزرية بصرية بين الأقمار الصناعية تتجاوز بكثير قدرات التقنيات الحالية.

وإذا انطلقت ثورة الذكاء الاصطناعي المداري بالفعل، فقد لا يبدو مركز البيانات المستقبلي شبيهاً بمحطة الفضاء الدولية، بل أقرب إلى سرب من اليعاسيب الفضية، تنبسط أجنحته للتبريد بينما ترتبط عيونه بمئات الوصلات الليزرية.

المصدر

مقالات ذات صلة