- تُعد خدمات المناخ المخصصة للقطاع الصحي أداة قادرة على إنقاذ الأرواح وتحقيق عوائد اقتصادية كبيرة في الوقت نفسه.
- تمكنت ثلاثة مستشفيات من مواصلة العمل عندما ضرب إعصار ميليسا جامايكا في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بفضل الاستعدادات التي وفرتها مبادرة «المستشفيات الذكية».
- ستصبح الاستثمارات الذكية مناخياً والأدوات المتقدمة أكثر أهمية للحفاظ على عمل الأنظمة الصحية في ظل تزايد الظواهر الجوية المتطرفة.
إن الحلول القادرة على التنبؤ بالتهديدات الصحية، وتحديد الفئات الأكثر عرضة للخطر، وتوفير الموارد اللازمة للاستجابة موجودة بالفعل، وما نحتاجه الآن هو استخدامها على نطاق واسع.
عندما اجتاح إعصار ميليسا جامايكا في أكتوبر/تشرين الأول 2025، تعطلت العديد من المرافق الصحية في الدولة الجزيرة؛ فقد دُمرت الأسقف، وانقطعت الكهرباء، وتضررت إمدادات المياه. ومع ذلك، واصلت ثلاثة مستشفيات تقديم خدماتها.
كان ذلك ممكناً لأن خدمات المعلومات المناخية ساعدت في تحديد المجتمعات الأكثر عرضة للأعاصير، كما جرى تحديث هذه المستشفيات وتجهيزها قبل سنوات من خلال مبادرة المستشفيات الذكية التابعة لمنظمة الصحة للبلدان الأمريكية.
فقد ساعدت الأسقف المعززة، والألواح الشمسية، والمولدات الاحتياطية، وأنظمة تجميع مياه الأمطار على إبقاء المستشفيات عاملة أثناء العاصفة والفوضى التي أعقبتها. وتمكن العاملون من تثبيت حالات المصابين، وإجراء عمليات الولادة، ومواصلة تقديم الرعاية الصحية دون انقطاع.
العالم غير مستعد لتداعيات الظواهر الجوية المتطرفة
يتغير مناخنا بسرعة، ومعظم دول العالم ليست مستعدة لذلك. لكن باستخدام الأدوات المناسبة والاستثمارات الذكية مناخياً، يمكن للحكومات الحفاظ على حياة الناس وضمان استمرار عمل الأنظمة الصحية مع تصاعد هذه الكوارث، كما أن تكلفة هذه الإجراءات أقل مما يتصور كثير من المسؤولين.
إن آثار الاحترار العالمي أصبحت واضحة في كل مكان: في أقسام الطوارئ بالمستشفيات، وفي أماكن العمل، وفي منازل كبار السن الذين يفتقرون إلى وسائل التبريد المناسبة، وفي القرى التي يكافح فيها الأطفال للحصول على مياه شرب آمنة.
ويتحمل الأشخاص الذين يعيشون في الفقر العبء الأكبر، إذ إن طبيعة أعمالهم غالباً لا تمنحهم خيار التوقف عن العمل، سواء في ظروف الحرارة الشديدة في الهواء الطلق أو في أماكن مغلقة تفتقر إلى التبريد الكافي.
ووفقاً لأحدث التقديرات النموذجية، يلقى ما يقرب من 500 ألف شخص حتفهم سنوياً حول العالم بسبب أسباب مرتبطة بالحرارة.
كما نعلم أن ارتفاع درجات الحرارة يجعل انتشار الأمراض المنقولة عبر النواقل أكثر سهولة. ففي عام 2024، سجلت البرازيل أكثر من 10 ملايين إصابة بحمى الضنك وأكثر من 6300 حالة وفاة ناجمة عن هذا الفيروس الذي ينقله البعوض.
وفي شهر مارس الماضي، تسببت الفيضانات والانهيارات الأرضية في كينيا وإثيوبيا وتنزانيا في مقتل مئات الأشخاص خلال أيام قليلة، بينما أدت فيضانات الرياح الموسمية الشديدة في باكستان والهند العام الماضي إلى وفاة أكثر من ألف شخص وإصابة عدد مماثل تقريباً.
وأكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية مؤخراً أن ظروف ظاهرة إل نينيو مرشحة للتطور، مع احتمال يُقدَّر بنحو 80% بحلول منتصف عام 2026، ما يعني أن مخاطر الطقس المتطرف التي تؤثر في الصحة مرشحة للتفاقم أكثر.
ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، قد تتسبب التأثيرات الصحية المرتبطة بالمناخ بحلول عام 2050 في نحو 16 مليون وفاة وخسائر اقتصادية تصل إلى 21 تريليون دولار في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.
قد تبدو هذه الأرقام هائلة، لكنها ليست حتمية. فنحن نعرف ما يلزم للتنبؤ بشكل أفضل بالمخاطر الصحية المرتبطة بالمناخ قبل أن تتحول إلى حالات طارئة في المستشفيات.
خدمات المناخ لدعم التدخلات الصحية
يطلق المتخصصون على هذه التدخلات اسم «خدمات المناخ من أجل الصحة». ويقصد بها استخدام معلومات الطقس والمناخ لمساعدة السلطات الصحية والمستشفيات والمجتمعات المحلية على التنبؤ والاستعداد قبل وقوع الكوارث أو تفشي الأمراض.
ويمكن للأنظمة الصحية استخدام هذه المعلومات للتحرك في الأماكن والأوقات التي تكون فيها المخاطر أكبر، مثل تعزيز قدرة المستشفيات والمراكز الصحية على الصمود أمام العواصف، أو إطلاق تحذيرات صحية مرتبطة بموجات الحر لتعديل جداول العاملين قبل ارتفاع درجات الحرارة، أو توقع مخاطر الأمراض من خلال متابعة التغيرات الموسمية في نشاط البعوض وجودة المياه وتلوث الهواء.
ولا تقتصر فوائد هذه الجهود على إنقاذ ملايين الأرواح، بل تحقق أيضاً عوائد اقتصادية كبيرة قد تصل إلى 68 دولاراً مقابل كل دولار يتم استثماره، وفقاً لتقرير «التكيف مع المخاطر الصحية المرتبطة بالمناخ» الصادر عن معهد الموارد العالمية. فخفض الوفيات وتقليل تكاليف العلاج والحد من خسائر الإنتاجية كلها عوامل تسهم في بناء اقتصادات أكثر قوة ومجتمعات أكثر صحة وقدرة على الصمود.
كما أن هذه الحلول منخفضة التكلفة نسبياً. ففي بلد منخفض أو متوسط الدخل يبلغ عدد سكانه 25 مليون نسمة، لا يتطلب تمويل حزمة متكاملة من الخدمات الصحية المعتمدة على المعلومات المناخية سوى 18 مليون دولار سنوياً، أي ما يعادل 72 سنتاً فقط للفرد.
وتشمل هذه الحزمة أنظمة الإنذار المبكر والمراقبة المتكاملة للأمراض، وحملات التوعية العامة، والبنية التحتية الصحية القادرة على الصمود. ورغم أن التكاليف الأولية قد تبدو مرتفعة بالنسبة للدول المثقلة بالديون، فإن العوائد المتحققة من هذه الخدمات تتجاوز الاستثمار بأضعاف عديدة.
لكن المشكلة تكمن في أن هذه الخدمات تعاني من نقص حاد في التمويل، كما أن التنسيق بين الهيئات الحكومية والمسؤولين المحليين والمنظمات المجتمعية غالباً ما يكون محدوداً.
ويقدم نحو 83% من الدول الأعضاء في المنظمة العالمية للأرصاد الجوية معلومات مناخية للقطاع الصحي. ومع ذلك، لا يدمج سوى نصف وزارات الصحة الوطنية معلومات الطقس والمناخ ضمن أنظمتها، وفقاً لتقرير منظمة الصحة العالمية المرتقب لعام 2025 حول الصحة وتغير المناخ.
وتقر وزارات الصحة بأن تأمين التمويل اللازم للتخطيط التعاوني والاستباقي يمثل تحدياً كبيراً. ومع ذلك، فإن الدول والمدن التي استثمرت في هذه الأدوات بدأت تشهد آثاراً ملموسة تتمثل في إنقاذ الأرواح وتعزيز الاقتصادات.
ففي ولاية غوجارات الهندية، ساعد نظام الإنذار المبكر لموجات الحر على تجنب ما يقرب من 1200 حالة وفاة سنوياً خلال أول عامين من تطبيقه. كما أسهم برنامج مشابه في باكستان في تدريب العاملين الصحيين على التعامل مع الأمراض المرتبطة بالحرارة وخفض حالات الدخول إلى المستشفيات بنسبة 38%.
وتبدو الجدوى الاقتصادية لهذه الأنظمة واضحة للغاية؛ إذ يمكن لكل دولار يُستثمر فيها أن يحقق فوائد تتراوح بين 50 و100 دولار. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن تعميم أنظمة مماثلة في 57 دولة يمكن أن ينقذ ما يصل إلى 100 ألف شخص سنوياً.
التحرك لتنفيذ خطط التكيف الصحي مع المناخ
يجري اليوم تنفيذ هذه الخدمات بشكل متفرق، لكن الزخم السياسي نحو اعتماد نهج أكثر شمولاً ومنهجية يتزايد باستمرار.
وخلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP30 في البرازيل، وقعت أكثر من 30 دولة و50 منظمة على خطة عمل بيليم الصحية الهادفة إلى تعزيز تكيف القطاع الصحي مع تغير المناخ.
وعلى سبيل المثال، تهدف آلية تمويل «كومنز» التابعة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى حشد ما لا يقل عن 100 مليون دولار لتحديث أنظمة بيانات الطقس والمناخ التي تشكل الأساس لأنظمة الإنذار المبكر حول العالم، بما يحمي تريليونات الدولارات من القيمة الاقتصادية ويدعم الأمن العالمي.
كما أن عدداً متزايداً من الحكومات يدمج أولويات الصحة والمناخ ضمن خططه الوطنية، حيث تتضمن أكثر من 90% من خطط التكيف الوطنية للدول إجراءً صحياً واحداً على الأقل.
لقد استفادت الأسر التي تلقت رعاية منقذة للحياة في المستشفيات الثلاثة المقاومة للكوارث في جامايكا خلال أكتوبر الماضي من استثمارات ذكية مناخياً اتخذتها حكومتها قبل سنوات. وينبغي أن يصبح ذلك القاعدة وليس الاستثناء.
إن تكلفة الاستمرار في التقاعس لن تُقاس بالخسائر الاقتصادية فقط، بل بالأرواح أيضاً. فالحلول موجودة بالفعل، وتمكن الحكومات من معرفة موعد اقتراب التهديدات الصحية، وفهم الفئات الأكثر عرضة للخطر، وتوفير الموارد اللازمة للاستجابة. وقد حان الوقت لاستخدامها.
