القائمة الرئيسية

فول الصويا يروي قصة الصعود الاقتصادي المذهل للصين

فول الصويا يروي قصة الصعود الاقتصادي المذهل للصين
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يكشف فول الصويا عن جانب مهم من قصة الصعود الاقتصادي المذهل للصين، إذ أصبحت البلاد أكبر مستورد له في العالم لتلبية الطلب المتزايد على اللحوم مع ارتفاع مستويات المعيشة، رغم سعيها الواسع لتحقيق الاكتفاء الذاتي في معظم القطاعات. وتستعرض المقالة التحديات المرتبطة بمحدودية الأراضي الزراعية، واعتماد الصين على البرازيل والولايات المتحدة لتأمين إمداداتها، وما يترتب على ذلك من مخاطر اقتصادية وجيوسياسية وبيئية، لتسلط الضوء على المفاضلات المعقدة بين النمو الاقتصادي والأمن الغذائي واستدامة الموارد الطبيعية في عالم يزداد طلبه على الغذاء.

  • تتجه القصة الاقتصادية الصينية بشكل متزايد نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي على نطاق واسع. ومع ذلك، هناك استثناء لافت يتمثل في فول الصويا.
  • إن اعتماد الصين على الواردات لدعم نظام غذائي آخذ في التغير يمثل نقطة ضعف، كما يسلط الضوء على المفاضلات الصعبة بين الأمن الغذائي واستخدام الموارد الطبيعية التي تواجهها العديد من الدول.
  • تأملوا فول الصويا، هذه البذرة المتواضعة ولكن القوية. فهو مصدر غذائي أساسي ومستدام يدعم ازدهار المجتمعات، كما أصبح أداة في الصراعات الجيوسياسية والاقتصادية بين القوى الكبرى. تحتاج الصين إلى كميات هائلة منه، ويُستخدم الجزء الأكبر منها لتسمين الماشية مع تقدم البلاد في ما يُعرف بالتحول الغذائي، حيث يستبدل السكان الذين أصبحوا أكثر ثراءً وتحضراً الحبوب باللحوم.

لكن بخلاف الألواح الشمسية والمعادن النادرة والسيارات الكهربائية، لا تستطيع الصين إنتاج ما يكفي من فول الصويا محلياً. ويُعتقد أن هذا المحصول نشأ في الصين قبل آلاف السنين، لكنه أصبح اليوم محصولاً رئيسياً يُزرع في أماكن أخرى من العالم أكثر مما يُزرع في موطنه الأصلي.

وقال الدكتور تشو تشونتشوان، مستشار تحالف الغابات الاستوائية والممثل السابق للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة في الصين: ""إنها نقطة ضعف حقيقية"". لكنه أشار أيضاً إلى أن الأمر يمثل خياراً سياسياً؛ إذ حظيت المحاصيل الأساسية للأمن الغذائي مثل القمح بالأولوية في الأراضي الزراعية المحدودة، بينما تُستخدم الواردات لسد احتياجات الأعلاف الحيوانية.

وبطبيعة الحال، يتطلع المزارعون حول العالم إلى تلبية احتياجات الصين. فكل من البرازيل والولايات المتحدة تعتمد على تصدير مليارات الدولارات من فول الصويا إلى الصين سنوياً. ومع ذلك، يؤكد الدكتور تشو أن الهدف النهائي للصين يتمثل في تقليل اعتمادها على البروتين المستخرج من فول الصويا بالكامل، قائلاً: ""إنهم يبحثون عن مصادر أخرى"".

وفي النهاية، تروي هذه البقوليات قصة أوسع عن التنمية السريعة والمذهلة التي شهدتها الصين وتأثيرها الحاسم في التجارة العالمية. فقد كان فول الصويا أحد عناصر ""الخمسة باءات"" التي تصدرت المناقشات الأخيرة بين الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، كما أنه محور لرهانات استراتيجية كبيرة بعيداً عن الأضواء.

كما يعكس علاقة متزايدة التعقيد مع العالم الطبيعي، وهي مشكلة لا تقتصر على الصين وحدها بل تشاركها فيها دول كثيرة.

أما تاريخ الولايات المتحدة مع فول الصويا فهو أقصر نسبياً. ففي عام 1764 جلب أحد البحارة صنفاً صينياً إلى بلاده لزراعته. وبحلول عام 2008 كانت الولايات المتحدة تصدر إلى الصين ما قيمته 8 مليارات دولار سنوياً من فول الصويا، وهو رقم ارتفع إلى 12 مليار دولار في عام 2024. ومع ذلك، يظل هذا الرقم أقل بكثير من صادرات البرازيل، التي بلغت قيمة صادراتها السنوية من فول الصويا إلى الصين نحو 32 مليار دولار بحلول عام 2024.

ويحرص المزارعون الأمريكيون على الحفاظ على وجودهم في هذا السوق. فقد أنفقت الجمعية الأمريكية لفول الصويا أكثر من 900 ألف دولار العام الماضي للضغط على الحكومة الفيدرالية بشأن قضايا مثل النزاعات الجمركية مع الصين التي أدت إلى تراجع الصادرات. وعندما أُعلن عن اتفاق تجاري بين البلدين في الخريف، تضمن التزام الصين بشراء حد أدنى من فول الصويا الأمريكي حتى عام 2028. وفي الوقت نفسه، تستمر حصة البرازيل من صادرات فول الصويا إلى الصين في النمو.

لكن الاعتماد على البرازيل لا يخلو من المخاطر أيضاً. فالعلماء يرون أن تغير المناخ قد يفرض تكاليف باهظة على الإنتاج الزراعي المستقبلي في البلاد.

وهنا يبرز السؤال: لماذا لا تزرع الصين المزيد من فول الصويا بنفسها؟

يقول الدكتور تشو: ""المشكلة أن الصين لا تمتلك ما يكفي من الأراضي الصالحة للزراعة"". وكما هو الحال مع كثير من القضايا المرتبطة بالصين، فإن النظر إلى الصورة الكاملة ضروري لفهم الأمر. فالصين تمتلك نحو 9% من الأراضي الزراعية المنتجة في العالم، لكنها تضم في الوقت نفسه ما يقرب من خُمس سكان العالم. ولذلك لا تتوازن الأرقام، ويصبح الاستيراد خياراً سياسياً ومنطقياً.

ولفترة طويلة بعد بدء زراعته في الصين، ظل فول الصويا محصولاً هامشياً نسبياً ضمن الأغذية. ثم تمكن المزارعون من تطوير أصناف أكبر وأكثر امتلاءً نحو عام 2000 قبل الميلاد، عندما كان عدد سكان العالم لا يتجاوز كثيراً عدد سكان مدينة شنغهاي الحالية.

وفي القرن الثامن عشر رأى البحار السابق صمويل بوين إمكانات كبيرة في هذا المحصول. فقد نقل أصنافاً صينية إلى المستعمرات الأمريكية ونجح في زراعتها في ولاية جورجيا.

وبحلول القرن العشرين، أصبحت الآلات الثقيلة تُستخدم لحصاد فول الصويا بسهولة نسبية، وسرعان ما تجاوز إنتاج الولايات المتحدة إنتاج الصين. وتُعد ولاية إلينوي اليوم أكثر الولايات الأمريكية إنتاجاً لفول الصويا، وقد زرعته في عام 2024 على مساحة تفوق مساحة بلجيكا بأكملها.

وفي خمسينيات القرن الماضي ازدهر استخدام كسب فول الصويا المطحون كعلف للحيوانات. فهو غني بالعناصر الغذائية وسهل الهضم. وبعد ذلك بعقود قليلة بدأت زراعة فول الصويا في البرازيل تشهد طفرة كبيرة بفضل المناخ الملائم وتوافر الأراضي منخفضة التكلفة نسبياً. وأصبحت البرازيل اليوم أكبر منتج لفول الصويا في العالم، وقد ارتفعت صادراتها إلى الصين بنسبة 18% العام الماضي، بينما تراجعت الصادرات الأمريكية بنحو 73%.

ولا تزال قرون فول الصويا الغنية بالزيوت والبروتينات والألياف تمثل محصولاً نقدياً جذاباً للغاية، خاصة في عالم يتزايد فيه استهلاك اللحوم باستمرار.

لم يعد الأمر مقتصراً على لحم الخنزير

تحتل اللحوم موقعاً محورياً في ما يُعرف بقانون بينيت. ويظهر هذا القانون بأشكال مختلفة حول العالم، لكنه يشير عموماً إلى أنه كلما خرج الناس من دائرة الفقر وازدادت دخولهم، ارتفع استهلاكهم للحوم.

ففي مدينة برشلونة، بلغ استهلاك أنواع متعددة من اللحوم ذروته في أواخر القرن التاسع عشر مع تطور البنية التحتية وتوسع شبكات السكك الحديدية. كما ارتفع استهلاك اللحوم في أوروبا خلال القرن العشرين بالتوازي مع زيادة الثروة الفردية، وهو ما حدث أيضاً في الولايات المتحدة. ومن المتوقع أن يرتفع استهلاك اللحوم في أفريقيا بنسبة 33% خلال العقد المقبل.

ورغم أن الاستهلاك استقر في الدول الأكثر ثراءً، بل تراجع في بعض أغناها، فإن الطلب العالمي على اللحوم لا يزال في ارتفاع. ومن المتوقع أن يستهلك الفرد العادي ما يقرب من كيلوغرام إضافي من اللحوم سنوياً بحلول عام 2034.

وفي الصين، لم يعد النظام الغذائي يقتصر على لحم الخنزير الذي كان المفضل تقليدياً. فبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، من المتوقع أن يتضاعف استهلاك لحوم الأبقار والعجول أكثر من مرتين خلال العقود الأولى من هذا القرن، في وقت يُتوقع فيه أن ترتفع الثروة الفردية بنحو عشرين ضعفاً.

ويمثل فول الصويا الذي يغذي هذه المرحلة من التنمية استثناءً في سياسة الصين الصناعية القائمة على إنتاج كل شيء تقريباً محلياً، وهي سياسة واسعة النطاق تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في المواد الخام والتقنيات الأساسية.

ومن الاستثناءات الأخرى للاكتفاء الذاتي الرقائق الإلكترونية المتقدمة، وإن كان هذا الوضع يبدو في طريقه إلى التغير. أما النفط فيُستورد في معظمه أيضاً، رغم أن الاحتياطيات الصينية الضخمة المحتملة تجعل البلاد تبدو أحياناً أشبه بصمام أمان لأسواق النفط العالمية منها مجرد مشترٍ كبير.

لكن الوضع مختلف تماماً بالنسبة لفول الصويا.

فنحو 80% من فول الصويا يُسحق ويُحوَّل إلى أعلاف للحيوانات، ما يساعد على تسمين الدواجن والخنازير والأسماك المستزرعة وأبقار الألبان. ويقول الدكتور تشو: ""هذا يجعل فول الصويا العمود الفقري غير المرئي لصناعات اللحوم والبيض ومنتجات الألبان العالمية"".

وقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل صادرات الأسمدة، مما دفع المزارعين الأمريكيين هذا الصيف إلى زراعة كميات أكبر من فول الصويا لأنه يحتاج إلى أسمدة أقل من الذرة. وشكلت هذه الصدمة في الإمدادات تذكيراً جديداً بمخاطر الاعتماد على عدد محدود من الموردين للسلع الأساسية.

وتحاول الصين معالجة هذه المخاطر عبر البحث عن بدائل لفول الصويا، وفقاً للدكتور تشو، وذلك في إطار توجه أوسع لتنويع مصادر البروتين. كما يجري النظر في استخدام التعديل الوراثي لزيادة الإنتاج، وهي ممارسة شائعة في البرازيل والولايات المتحدة، رغم أن الصينيين يتعاملون معها بحذر.

وفي الوقت الراهن ستواصل الصين الاستيراد بكميات ضخمة. فقد أدت الهجرة الداخلية الواسعة إلى المدن إلى تحرير المزيد من الأراضي الزراعية المحتملة، لكن التحول إلى الحياة الحضرية يعني أن الناس ""قد يأكلون أكثر""، بحسب الدكتور تشو، ما يعني أن ""الطلب الإجمالي لا ينخفض"".

وما نشهده في الواقع هو سلسلة مستمرة من المفاضلات الصعبة بين النمو والأمن والموارد الطبيعية، وهي حقيقة تواجهها معظم دول العالم. فالأراضي والمياه المتاحة لإنتاج الغذاء في عالم يزداد حرارة تبقى محدودة.

ومن الممكن أن تجعل الابتكارات في علوم الأحياء إنتاج الغذاء أقل استهلاكاً للموارد في المستقبل. لكن في الوقت الحالي، يبدو أن اختيار مصدر هذا الغذاء سيصبح أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

المصدر

مقالات ذات صلة