القائمة الرئيسية

أذربيجان تكسر فخ الابتكار في الأسواق الناشئة: كيف يمكن للطلب الحقيقي أن يصنع الفرق؟

أذربيجان تكسر فخ الابتكار في الأسواق الناشئة: كيف يمكن للطلب الحقيقي أن يصنع الفرق؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف تواجه أذربيجان التحدي الذي يعيق الكثير من الأسواق الناشئة، حيث تزخر بالمواهب والأفكار والبرامج الداعمة للشركات الناشئة لكنها تفتقر إلى الطلب الحقيقي الذي يحول الابتكار إلى نجاح تجاري مستدام. وتستعرض المقالة جهود البلاد لبناء منظومة تربط الشركات الناشئة مباشرة باحتياجات الشركات الكبرى، بما يخلق فرصاً حقيقية للنمو ويحول الابتكار من مجرد أفكار وتقنيات واعدة إلى حلول عملية تحقق قيمة اقتصادية وتجذب المستثمرين وتدعم التنمية طويلة الأمد.

  • تشهد النظم البيئية للشركات الناشئة في الأسواق الناشئة نشاطاً متزايداً، لكنها غالباً ما تواجه صعوبة في الوصول إلى نطاق تجاري مستدام.
  • ولا تكمن المشكلة عادة في نقص المواهب أو التكنولوجيا، بل في غياب الطلب الحقيقي، ما يدفع الشركات الناشئة إلى البحث عن حالات استخدام بدلاً من التركيز على حل المشكلات الفعلية.
  • وتعمل أذربيجان على بناء نموذج لمعالجة هذه الفجوة، من خلال التركيز على الدور الذي يمكن أن تؤديه الشركات الكبرى في دعم الشركات الناشئة مع تحقيق أهدافها الخاصة.

في مختلف أنحاء العالم، أصبحت الشركات الناشئة محركاً مهماً للنمو الاقتصادي. فهي تخلق فرص العمل، وتسرّع التحول الرقمي، كما تدفع الشركات الكبرى إلى الابتكار بوتيرة أسرع مما كانت ستفعله لو لم تواجه هذا النوع من المنافسة.

وقد أبدى المستثمرون اهتماماً بهذا المجال لأكثر من عقدين من الزمن. وأسهمت رؤوس أموالهم وخبراتهم في مساعدة شركات بدأت كمشروعات ناشئة لتصبح من بين أكبر الشركات في العالم.

ومع ذلك، لا تزال هناك فجوة في معظم الأسواق الناشئة بين النشاط الكبير داخل المنظومة الريادية وبين تحقيق نتائج ملموسة في قطاع الشركات الناشئة. فالبرامج تُطلق، والمنح تُوزَّع، والمسابقات تتكاثر، لكن العديد من الشركات الناشئة لا تتمكن من الوصول إلى حجم تجاري مستدام. والمشكلة نادراً ما تكون في المواهب أو التكنولوجيا، بل في غياب الطلب الحقيقي.

وما يميز منظومة الشركات الناشئة المنتجة عن تلك التي تبدو نشطة فقط هو ما إذا كانت الشركات الناشئة تحل مشكلات حقيقية لعملاء حقيقيين. وهذه هي الفجوة التي تسعى أذربيجان إلى سدّها.

منظومة الشركات الناشئة في أذربيجان والتحديات التي تواجهها

تضم أذربيجان حالياً نحو 200 شركة ناشئة، إلا أن طموح البلاد يتمثل في زيادة هذا العدد بشكل كبير.

وفي أذربيجان، لعبت الدولة نفسها الدور الأكثر نشاطاً في قيادة منظومة الشركات الناشئة، وحققت العاصمة باكو تقدماً ملحوظاً في مواءمة الأهداف الوطنية المتعلقة بتنمية هذا القطاع. ويجري التعامل مع تنمية رأس المال البشري التنافسي والابتكار الحديث باعتبارهما هدفين استراتيجيين مباشرين ضمن أولويات التنمية الوطنية لعام 2030.

فعلى سبيل المثال، تقوم وكالة الابتكار والتنمية الرقمية بتوزيع المنح ورؤوس الأموال على الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة، بينما تمنح وكالة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة الشركات الناشئة وضعاً قانونياً رسمياً من خلال شهادة خاصة بالشركات الناشئة. كما أعد البنك المركزي مشروع قانون مخصص لتمويل رأس المال الاستثماري، وهو حالياً قيد المراجعة الحكومية. كذلك يتطور الإطار القانوني بما يتلاءم مع احتياجات الشركات الناشئة، من خلال تسهيل إجراءات التسجيل، وتقديم الحوافز الضريبية، وحماية الملكية الفكرية، وإنشاء بيئات تنظيمية تجريبية لاختبار التقنيات الجديدة.

وعلى مستوى الشركات الكبرى، تعمل مبادرات مثل ABB Innovation على ردم الفجوة بين الشركات الكبيرة والشركات الناشئة. كما توفر منصات مثل INMerge وBaku ID وبرامج مثل SABAH.Hub وStartup Azerbaijan شبكة وصل حيوية داخل المنظومة.

وتقدم هذه البرامج دعماً منظماً للمؤسسين. غير أن هذه المبادرات ليست سوى جزء من استراتيجية أوسع تعتمدها أذربيجان، تقوم على الاستفادة من خمس فئات رئيسية من الأصول الوطنية: الدولة، والجامعات، والشركات الكبرى، والمستثمرون، ورواد الأعمال.

تجنب فخ الابتكار في الأسواق الناشئة

ورغم ذلك، لا تزال الأسس القائمة تعتمد بشكل أساسي على جانب العرض. فلا توجد آلية فعالة على جانب الطلب لدعم مخرجات الشركات الناشئة وتشجيعها. وهذا هو فخ الابتكار في الأسواق الناشئة: مواهب وأفكار متميزة، ولكن دون وجهة واضحة يمكن توجيهها إليها.

فما ينقص المنظومة هو خلق الطلب؛ أي وجود آلية تحدد التحديات التي تواجه الشركات الكبرى وتربطها بالقدرات المناسبة لدى الشركات الناشئة. فالكثير من الشركات الناشئة تُبنى دون رؤية واضحة لمن يحتاج إلى منتجاتها أو خدماتها.

وتشير البيانات الصادرة عن النظم البيئية الأكثر نجاحاً إلى أن الحل واضح: الشركات الناشئة التي تُبنى استجابة لطلب حقيقي ومحدد تحقق نتائج أفضل دائماً من تلك التي تبدأ من التكنولوجيا ثم تبحث لاحقاً عن مشكلة تحلها. وتشير أبحاث حديثة إلى أن الشركات الناشئة المدفوعة بالطلب تحقق نجاحاً تجارياً بمعدلات تزيد بنحو 25% إلى 30% مقارنة بنظيراتها التي تركز على التكنولوجيا أولاً.

ولا يأتي هذا الفارق من قبيل المصادفة. فالشركات الناشئة القائمة على التكنولوجيا لا تمتلك حلاً مصقولاً منذ البداية، بل تقضي أشهرها الأولى والأكثر أهمية في البحث عن حالة استخدام مناسبة. وعندما تصل إلى التوافق بين المنتج والسوق – إذا تمكنت من ذلك أصلاً – تكون الشركات المنافسة ذات الموارد الأكبر والمرونة الأعلى قد تحركت بالفعل بشكل أسرع. أما الشركات الناشئة الموجهة بالطلب فتتجاوز هذه المرحلة بالكامل.

ويظهر هذا النمط بوضوح في السياق الأذربيجاني. فالشركة الناشئة التي تتوجه إلى المستثمرين قائلة: ""لدينا خوارزمية ذكاء اصطناعي، كيف يمكننا استخدامها؟"" تكون في موقع أضعف بطبيعتها من شركة تبني نظاماً للمراقبة الزراعية في الوقت الحقيقي أو حلاً مالياً رقمياً لتلبية حاجة معروفة لدى إحدى الشركات.

وهذا هو المعنى العملي للابتكار المنظم: ليس خلق المزيد من النشاط الريادي، بل توجيه النشاط القائم نحو طلب تم التحقق منه. ويتحقق ذلك عندما تحدد الشركات الكبرى مشكلاتها بدقة، بينما تسهم الشركات الناشئة في إيجاد الحلول. ويُعرف هذا النموذج عالمياً باسم ""نموذج العميل الاستثماري""، حيث تتعامل الشركات الكبرى مع الشركات الناشئة ليس كمستفيدة من الاستثمارات، بل كمزودات للحلول.

وتملك أذربيجان قاعدة صناعية تؤهلها لتحقيق ذلك. فهناك أكثر من 20 شركة كبرى تعمل في قطاعات الطاقة والخدمات اللوجستية والاتصالات والخدمات المصرفية والتجزئة وتقنيات المعلومات والاتصالات، وجميعها تواجه تحديات تشغيلية مرتبطة بالتحول الرقمي وكفاءة الطاقة وتحسين الخدمات اللوجستية والخدمات المالية. ولهذا السبب تحديداً ينمو قطاع الشركات الناشئة في أذربيجان. كما بدأت بالفعل تتشكل تحديات الابتكار المفتوح، وبدأت الشركات الناشئة اختبار منتجاتها داخل مؤسسات كبرى.

ويمكن للشركات التي تمتلك موارد كبيرة أن تتعاون مع الشركات الناشئة باعتبارها مزودات للحلول دون الحاجة إلى الاستثمار في حصص ملكية. وهنا تكمن قوة النموذج، إذ يعيد مواءمة حوافز الشركات الكبرى الراغبة في حل مشكلاتها التشغيلية الحقيقية مع حوافز الشركات الناشئة الساعية إلى الحصول على عملاء يدفعون مقابل خدماتها.

كيف يمكن للشركات الكبرى أن تقود عملية خلق الطلب؟

ما تفتقر إليه أذربيجان حالياً هو وجود آلية منهجية منظمة. فإذا وافقت أكبر عشر شركات في البلاد على الإعلان سنوياً عن مشكلتين تشغيليتين محددتين في إطار تحديات ابتكار مفتوحة، فإن ذلك وحده سيخلق عشرين فرصة حقيقية سنوياً أمام الشركات الناشئة.

وعند ربط هذه المبادرات بمشروعات تجريبية ضمن المشتريات العامة، فإن المنظومة بأكملها ستتحول من نموذج قائم على دفع العرض إلى نموذج قائم على الطلب المنظم. والمنصات والجهات الوسيطة الداعمة لهذا التحول موجودة بالفعل في البلاد، لكن ما تحتاجه هو التزام منظم من جانب الشركات الكبرى وانضباط في إدارة عملية التوجيه والاختيار.

وتعكس تجربة أذربيجان دورة شائعة في العديد من الدول النامية. فالجيل الأول من بناء النظم البيئية – مثل الأطر التنظيمية وبرامج الاحتضان والمنح التمويلية – يمكن استنساخه بسرعة نسبية. أما الخطوة الثانية الأكثر صعوبة، والمتمثلة في خلق طلب مؤسسي منظم، فهي المرحلة التي تتعثر عندها معظم الأسواق الناشئة.

وتشترك معظم هذه الأسواق في الانقسام الهيكلي نفسه: نشاط كبير على جانب العرض، مقابل سلبية على جانب الطلب. والدول التي تنجح أولاً في سد هذه الفجوة لن تبني فقط منظومات شركات ناشئة أقوى، بل ستجذب أيضاً نوعية مختلفة من المستثمرين ومستوى أعلى من رواد الأعمال.

ويُعد الابتكار المدفوع بالطلب هو الحل، وللشركات الكبرى دور رئيسي في تحقيقه، فضلاً عن أنه يمنحها فرصة كبيرة لتحسين أعمالها الخاصة. فمن خلال تحديد مشكلاتها الحقيقية وربطها بمجتمع الشركات الناشئة، فإنها تسد فجوة قائمة في المنظومة. وتحصل الشركات الناشئة على فرص عمل حقيقية، ويحصل المستثمرون على تدفقات استثمارية أقل مخاطرة، بينما تكتسب المنظومة الزخم التجاري الذي افتقدته لفترة طويلة.

ولا تزال الأسس اللازمة لهذا التحول قيد البناء في أذربيجان وغيرها من الأسواق الناشئة المشابهة. وما ينقص هذه الأسواق ليس برنامجاً جديداً أو نوعاً مختلفاً من الصناديق الاستثمارية، بل الانضباط اللازم لتوجيه الجهود وتحويل التحديات التشغيلية للشركات الكبرى إلى فرص ابتكار مفتوحة بطريقة منهجية ومنظمة.

المصدر

مقالات ذات صلة