تُعد استراتيجيات الأمن السيبراني اليوم أكثر تطوراً من أي وقت مضى، ومع ذلك لا تزال المؤسسات تتجاهل نقطة ضعف بالغة الأهمية: عائلات الموظفين. فمع جعل الذكاء الاصطناعي التوليدي عمليات الخداع الرقمي أرخص وأسرع وأكثر إقناعاً، توسعت مساحة الهجوم إلى ما هو أبعد من شبكات الشركات لتصل إلى المنازل والمطابخ وغرف المعيشة.
وتزداد أهمية هذه المسألة اليوم بشكل ملح. فقد أدى الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي إلى خفض العوائق أمام تنفيذ هجمات شديدة التخصيص، مثل استنساخ الأصوات، ومقاطع الفيديو المزيفة الواقعية، ورسائل التصيد الاحتيالي المصممة بدقة لاستهداف أفراد بعينهم.
ووفقاً للتقديرات، قد تصل خسائر الاحتيال المدعوم بالذكاء الاصطناعي التوليدي في الولايات المتحدة وحدها إلى 40 مليار دولار بحلول عام 2027، مقارنة بـ12.3 مليار دولار في عام 2023، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 32%. وفي الوقت نفسه، أدى انتشار العمل الهجين إلى إزالة الحدود الفاصلة بين بيئات العمل والمنزل. فقد يؤدي فتح رابط تصيد احتيالي على جهاز شخصي، أو مشاركة معلومات حساسة داخل المنزل دون قصد، إلى تحول سريع نحو اختراق مؤسسي. وتتمركز هذه الهشاشة بشكل خاص حول فئتين أساسيتين: الأطفال وكبار السن.
المستخدمون الأكثر عرضة للمخاطر في المنظومة الرقمية
بالنسبة للأطفال، نادراً ما تأتي التهديدات السيبرانية في صورة هجمات تقليدية. فهي تظهر على شكل دعوات للعب، أو روابط يشاركها الأصدقاء، أو تفاعلات عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ وهي لحظات تختبر ليس فقط الوعي التقني، بل أيضاً القدرة على اتخاذ أحكام عاطفية سليمة، مثل الفضول والثقة والرغبة في الانتماء. ومع ذلك، لا يزال تعليم السلامة الرقمية المنظم غير متسق، في وقت أصبح فيه الأطفال يصلون إلى الأجهزة المتصلة بالإنترنت في أعمار أصغر من أي وقت مضى.
أما بالنسبة لكبار السن، فإن المخاطر تكون في الغالب مالية وشخصية للغاية. فعمليات التصيد الاحتيالي عبر البريد الإلكتروني، ومكالمات الدعم التقني المزيفة، وعمليات الاحتيال العاطفي، وانتحال الأصوات باستخدام الذكاء الاصطناعي، كلها تستغل الثقة والإلحاح. وفي عام 2025، تجاوزت الخسائر المرتبطة بالاحتيال على كبار السن والمبلغ عنها إلى مركز شكاوى جرائم الإنترنت التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي 7.7 مليارات دولار، بزيادة قدرها 37% مقارنة بعام 2024، علماً أن هذا الرقم لا يمثل سوى الحالات التي تم الإبلاغ عنها. وإلى جانب الخسائر المالية، يمكن أن تكون الآثار النفسية المتمثلة في التوتر وفقدان الثقة طويلة الأمد وشديدة التأثير.
وفي كلتا الحالتين، فإن هذه الفئات تتنقل داخل بيئات رقمية لم تُصمم أساساً مع مراعاة سلامتها، ما لم تحصل على دعم مقصود وممنهج.
المرونة السيبرانية مهارة مدى الحياة وليست تدريباً سنوياً
لا يزال الوعي بالأمن السيبراني يُعامل إلى حد كبير على أنه متطلب وظيفي، عبارة عن تدريب سنوي يمر عليه الموظفون بسرعة ثم ينسونه. لكن المخاطر الرقمية لا تبدأ في مكان العمل ولا تنتهي عنده، بل تتطور على امتداد حياة الإنسان بأكملها.
ويتطلب بناء مرونة حقيقية تحولاً في النهج: من تمارين الامتثال المؤقتة إلى التعلم المستمر والعملي الذي يبدأ مبكراً ويتكيف مع مراحل العمر المختلفة.
وبالنسبة للأطفال، يعني ذلك غرس عادات بسيطة في الحياة اليومية، مثل التشكيك في الرسائل غير المألوفة، وفهم الخصوصية، وممارسة سلوك محترم عبر الإنترنت. وتترسخ هذه المهارات بشكل أكثر طبيعية من خلال القصص والألعاب والأمثلة الواقعية، وليس عبر القواعد المجردة.
أما بالنسبة لكبار السن، فيجب أن يكون التعلم عملياً وسهل الوصول، وأن يُقدم عبر جهات يثقون بها مثل المراكز المجتمعية ومقدمي الرعاية الصحية. وتشمل المهارات الأساسية القدرة على اكتشاف عمليات الاحتيال، والتحقق من الطلبات، ومعرفة الجهات التي يمكن اللجوء إليها للمساعدة. ولكن في عصر المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي، تكتسب المعرفة العاطفية أهمية لا تقل عن الثقافة التقنية، لأن مشاعر الإلحاح والخوف والحماس تُستخدم عمداً للتلاعب بالضحايا.
من سياسات مكان العمل إلى الممارسات المنزلية
تبدأ المرونة السيبرانية في المنزل بالحوار وليس بالقواعد. فالعائلات بحاجة إلى مساحة للتحدث بصراحة حول المنصات التي تستخدمها، وما تواجهه عبر الإنترنت، وكيف تشعر تجاه ذلك. وهذا يبني الثقة ويستبدل ثقافة اللوم بثقافة التعلم.
وقد بدأت بعض المؤسسات بالفعل في الذهاب إلى أبعد من ذلك عبر تقديم ورش عمل مخصصة لتعزيز المرونة الرقمية لأسر الموظفين. ومن هنا تنشأ الممارسات العملية بشكل طبيعي. فاستخدام كلمات مرور قوية، وتحديث الأجهزة، والتريث قبل الرد على الرسائل العاجلة، تصبح جميعها إجراءات ذات معنى عندما يفهم الناس سبب أهميتها.
ويضيف التعلم بين الأجيال بُعداً آخر مهماً. فالأطفال الذين يتلقون تعليماً حول السلامة الرقمية في المدارس يمكنهم مساعدة آبائهم وأجدادهم على مواكبة المستجدات. وهكذا تتحول المرونة إلى قدرة مشتركة داخل الأسرة بدلاً من أن تكون عبئاً فردياً.
توسيع مفهوم المخاطر البشرية
بالنسبة لقادة الأعمال وصناع السياسات، تستدعي هذه المرحلة إعادة تعريف أوسع لمفهوم ""المخاطر البشرية"". فقد سلطت تقارير التوقعات العالمية للأمن السيبراني الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي الضوء باستمرار على اتساع الفجوة بين المؤسسات التي تتمتع بمرونة سيبرانية قوية وتلك التي تتخلف عن الركب. ويتطلب سد هذه الفجوة النظر إلى ما هو أبعد من حدود الشركات.
وعندما يتم العمل عبر شبكات منزلية، يجب أن تتوسع حدود الحماية الأمنية تبعاً لذلك. فالطفل الذي يستخدم منصة ألعاب في الغرفة المجاورة، أو أحد كبار السن الذي يتلقى مكالمة احتيالية، قد يتسببان دون قصد في خلق ثغرة تمتد آثارها إلى المؤسسة بأكملها. وتشير الأبحاث إلى أن القراصنة تمكنوا من اختراق ثلث الهجمات السيبرانية التي استهدفت كبار التنفيذيين عبر شبكات المكاتب المنزلية غير الآمنة، كما أن 42% من المؤسسات تعرض فيها أحد كبار التنفيذيين أو أفراد أسرهم لهجوم خلال العامين الماضيين. نقطة الدخول هي المنزل. ولا يتعلق الأمر بنقل المسؤولية إلى العائلات، بل بالاعتراف بأن المرونة السيبرانية جزء من بنية اجتماعية أوسع.
وقد بدأت بعض الحكومات بالفعل في دمج السلامة الرقمية ضمن المناهج الدراسية، مما يثبت أن التدخل المبكر ممكن وفعّال. لكن الجهود المماثلة الموجهة إلى كبار السن لا تزال محدودة، رغم تزايد الأدلة التي تؤكد حجم المخاطر التي يواجهونها.
الناس هم الحدود الأمنية الحقيقية
إن تعزيز المرونة السيبرانية يعني الاستثمار ليس فقط في الأنظمة والتقنيات، بل في البشر أيضاً، بدءاً من الأماكن التي تتشكل فيها السلوكيات الرقمية يومياً. فالمنازل والمدارس والمجتمعات المحلية ليست خارج نطاق الحماية الأمنية، بل هي جزء منها. وقد يجادل البعض بأن رفع الوعي على مستوى الأسر لا يمكن أن يحل محل التنظيم الأقوى للمنصات أو مساءلة الشركات، وهذا صحيح. لكن الأمرين لا يتعارضان؛ فالمرونة الفردية والضمانات النظامية يعزز كل منهما الآخر، وإهمال أحدهما يضعف المنظومة بأكملها.
وعندما تمتلك العائلات المهارات العملية، والوعي العاطفي، والثقة اللازمة للتعامل مع المخاطر الرقمية، تصبح المنظومة بأكملها أكثر أماناً. وعندها يتوقف الأمن السيبراني عن كونه وظيفة تقنية بحتة، ليصبح قدرة مجتمعية مشتركة.
فهذا المستقبل لا يبدأ عند جدار الحماية الإلكتروني، بل يبدأ قبل ذلك بكثير... في غرفة المعيشة.
