القائمة الرئيسية

الابتكار في الذكاء الاصطناعي: لماذا لا يكفي الاختيار بين حرية السوق وتمويل الدولة؟

الابتكار في الذكاء الاصطناعي: لماذا لا يكفي الاختيار بين حرية السوق وتمويل الدولة؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة فكرة أن النجاح في سباق الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على زيادة تمويل الدولة أو منح الأسواق مزيداً من الحرية، بل على وجود طبقة مؤسسية قوية تربط بين البحث العلمي والتطبيق التجاري. وتوضح كيف أسهمت مؤسسات مثل الجامعات وحاضنات الأعمال وشبكات الابتكار في تحويل الاكتشافات إلى صناعات مزدهرة في وادي السيليكون والصين وغيرها، مؤكدة أن الدول التي تستثمر في بناء هذه الجسور طويلة الأمد بين الحكومة والقطاع الخاص ستكون الأقدر على قيادة عصر الذكاء الاصطناعي، بينما ستتخلف الدول التي تكتفي بالجدل بين دور الدولة ودور السوق.

  • في اقتصاد الابتكار الناجح، يمكن لطبقة مؤسسية تضم التعاون بين الجامعات والصناعة، وحاضنات الأعمال، وشبكات المؤسسين والمرشدين أن تساعد في تحويل الأبحاث إلى مشاريع قابلة للتسويق التجاري.
  • وتُظهر الأدلة المستمدة من وادي السيليكون وغيره من مراكز الابتكار أن وجود طبقة مؤسسية قوية يمكن أن يضاعف أثر الاستثمارات التي كان من الممكن أن تتبدد لولا ذلك.
  • ولهذا، فإن الاقتصادات التي ترغب في تعزيز الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن تنشغل بالموازنة بين تدخل الدولة وحرية السوق، بل عليها أن تعمل على تقوية الطبقة المؤسسية التي تربط بينهما.

هناك جدل شائع يدور حول ما إذا كان ينبغي للحكومات تمويل الابتكارات الثورية أم الاكتفاء بالابتعاد عن الطريق وترك السوق يعمل بحرية. لكن هذا الجدل يغفل عن العنصر الأساسي الذي يميز الاقتصادات الابتكارية الناجحة عن تلك التي تتعثر.

فالعنصر الحاسم ليس حجم الإنفاق الحكومي ولا درجة حرية السوق، بل قوة الطبقة المؤسسية الواقعة بينهما. فهي المحرك القوي الذي يحول الاكتشافات إلى صناعات.

وتجسد إعلانان حديثان هذا الجدل بوضوح: فالصين تضخ 138 مليار دولار في صندوق رأس مال استثماري مدعوم من الدولة لتوجيه الاستثمارات نحو التقنيات الاستراتيجية. وفي المقابل، اقترح الرئيس الأمريكي خفض تمويل المؤسسة الوطنية للعلوم بنسبة 55%، من 8.75 مليارات دولار إلى 4 مليارات دولار، مع إطلاق ""مهمة جينيسيس"" بقيمة 293 مليون دولار لتطبيق الذكاء الاصطناعي على أكثر من 20 تحدياً وطنياً.

وتشكل هاتان الخطوتان طرفي النقاش التقليدي. فبكين تراهن على أن رأس المال الموجه من الدولة قادر على اختيار الفائزين في الموجة التقنية المقبلة. أما واشنطن فتسير في الاتجاه المعاكس من خلال تقليص التمويل العلمي واسع النطاق الذي دعم الابتكار الأمريكي طوال 75 عاماً، مع الإبقاء على رهان أصغر وأكثر تركيزاً على الذكاء الاصطناعي.

لكن كلا الرهانين يعتمدان على مؤسسات لا تستثمر فيها أي من الحكومتين بالشكل الكافي. فلا يكتمل أي جانب من هذا النقاش من دون الطبقة المؤسسية التي تساعد على جعل الأبحاث قابلة للتطبيق التجاري.

لماذا يهم ذلك بالنسبة للذكاء الاصطناعي؟

في اقتصاد الابتكار الفعّال، تمثل الطبقة المؤسسية المحرك الأساسي بين البحث العلمي والتجارة. وتتكون هذه الطبقة من مكاتب نقل التكنولوجيا، والبرامج المشتركة بين الجامعات والصناعة، ومعاهد الأبحاث التطبيقية، وحاضنات الأعمال، وشبكات المؤسسين والمرشدين. ولديها سجل طويل ومثبت في تحويل الاكتشافات إلى صناعات كاملة.

ومع ذلك، غالباً ما يتم تجاهل هذه الطبقة الحيوية عند مناقشة ما إذا كان التمويل الحكومي أو حرية السوق هو أفضل وسيلة لدعم الابتكار الثوري.

وتتناول دراستان بارزتان هذه الفجوة. فقد أوضح جوش ليرنر في كتابه ""شارع الأحلام المحطمة"" الصادر عام 2009 أن معظم محاولات الحكومات لتصميم الابتكار تحقق نتائج أقل من المتوقع. بينما أظهرت ماريانا ماتسوكاتو في كتابها ""الدولة الريادية"" الصادر عام 2011 أن الاستثمار العام كان أساسياً في تطوير الإنترنت والتكنولوجيا الحيوية ولقاحات الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) والذكاء الاصطناعي الحالي.

ويخلص العملان إلى نتيجة مشتركة: الطبقة المؤسسية القوية تضاعف أثر الاستثمار، أما في غيابها فإن الاستثمار يتبدد.

وهذه الطبقة لا تنشأ من تلقاء نفسها. فالقطاع الخاص يميل إلى الاستثمار بأقل من المطلوب في الأبحاث الأساسية واسعة النطاق، وهي مشكلة وصفها الحائز على جائزة نوبل كينيث آرو عام 1962. كما أن الجامعات وشركات رأس المال الاستثماري والصناعة تعمل وفق آفاق زمنية مختلفة، ما يجعلها غير قادرة على التنسيق لبناء بنية تحتية مشتركة يستفيد منها الجميع، لكنها لا تحقق مصلحة مباشرة لأي طرف بمفرده.

إضافة إلى ذلك، تتركز العوائد الاقتصادية جغرافياً، ولا يبرر الاستثمار في المؤسسات الرابطة التي تحتاجها المناطق المختلفة إلا الجهات المحلية المرتبطة بها بشكل مباشر.

ولهذا، لا تستطيع الحكومات ولا الأسواق وحدها معالجة هذه المشكلات.

وادي السيليكون كنموذج للبناء المؤسسي

وادي السيليكون هو المثال الأشهر والأكثر تعرضاً لسوء الفهم. فالرواية التقليدية تقول إما إن السوق هو الذي بناه أو إن وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة الأمريكية (DARPA) هي التي أنشأته. لكن الحقيقة، كما توثق مارغريت أومارا في كتابها ""الكود"" الصادر عام 2019، هي أن وادي السيليكون نشأ نتيجة بناء مؤسسي استمر أربعة عقود.

في أواخر أربعينيات القرن الماضي، سعى فريد تيرمان، عميد كلية الهندسة في جامعة ستانفورد، إلى تحويل الاستثمارات الفيدرالية في الأبحاث إلى نشاط صناعي من خلال تصميم مقصود لا مجرد مصادفة. ولهذا أُنشئت حديقة ستانفورد الصناعية، التي أصبحت لاحقاً حديقة الأبحاث، عام 1951 لتضع الصناعة بجوار البحث الأكاديمي.

كما أسس نيلز رايمرز مكتب ترخيص التكنولوجيا عام 1970، وابتكر نموذج مشاركة أعضاء هيئة التدريس في الملكية، وهو النموذج الذي جرى تقنين جزء منه لاحقاً في قانون بايه-دول لعام 1980، والذي أتاح امتلاك الاختراعات المطورة بتمويل حكومي وتسجيل براءات اختراعها وتسويقها.

أما ويليام ميلر، الذي أصبح لاحقاً نائب رئيس جامعة ستانفورد ورئيس شركة الأبحاث والتطوير SRI International، فقد أعاد هيكلة المؤسسة لتصبح وسيطاً مستقلاً خارج الحرم الجامعي، وشارك في تأسيس برنامج ستانفورد لمناطق الابتكار وريادة الأعمال.

وتدفقت الأموال الفيدرالية المخصصة للأبحاث عبر هذه الطبقة المؤسسية لمدة 40 عاماً قبل أن يطلق ستانلي كوهين وهربرت بوير صناعة التكنولوجيا الحيوية، وقبل أن تؤدي أبحاث الشبكات في مؤسسة SRI إلى ظهور الإنترنت.

فمن دون هذه الطبقة المؤسسية، كانت الاستثمارات الحكومية ستنتج أوراقاً بحثية فقط. أما بوجودها فقد أنتجت صناعات كاملة.

لذلك لم يكن نجاح وادي السيليكون انتصاراً للسوق أو للدولة، بل انتصاراً للمؤسسات الوسيطة.

أنماط مماثلة في بيئات الابتكار الأخرى

يتكرر هذا النموذج في حالات مشابهة أخرى.

ففي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ارتبط مسار التطور الموازي لوادي السيليكون بإد روبرتس، الذي أظهرت منهجيته لقياس أثر الخريجين تأسيس أكثر من 30 ألف شركة من قبل خريجي المعهد، توظف نحو 4.6 ملايين شخص.

كما حددت دراسة لجامعة ستانفورد شاركتُ في إعدادها مع بيل ميلر نحو 40 ألف شركة و5.4 ملايين وظيفة يمكن تتبعها إلى أنشطة الجامعة المرتبطة بريادة الأعمال.

وتُظهر الأنظمة الآسيوية البنية نفسها في مراحل مختلفة من التطور. ففي تايوان، قامت مؤسسة أبحاث التكنولوجيا الصناعية بالدور الذي لم تستطع الجامعات والشركات القيام به، وأسهمت في تأسيس شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات عام 1987.

أما شبكة توسبارك التابعة لجامعة تسينغهوا فتنتشر اليوم في أكثر من 30 مدينة صينية، بينما بنت مدينة شنتشن طبقة مؤسسية على مستوى المدينة من خلال صناديق الابتكار البلدية وسلاسل توريد الأجهزة وحاضنات الأعمال.

وقد أظهرت لي زياراتي المتكررة إلى بكين على مدى عشرين عاماً مدى تشابه هذه البنية المؤسسية. سواء في توسبارك أو في مجتمع الأبحاث مفتوح المصدر X-lab، تختلف التفاصيل المؤسسية لكن وظيفة الربط تظل نفسها.

كما وجدت الأبحاث الأكاديمية حول إصلاحات مشروع 985 في الصين، الذي موّل مراكز الأبحاث الجامعية، أن التأثيرات الإيجابية على ريادة الأعمال التكنولوجية جاءت نتيجة التغييرات المؤسسية، لا نتيجة حجم الإنفاق الحكومي وحده.

هل تُبنى هذه المؤسسات لتتكامل أم لتحل محل بعضها؟

شهدت السنوات الأخيرة ظهور موجة من الأدوات العامة والخيرية التي تعمل على بناء البنية التحتية الوسيطة التي تشكل هذه الطبقة المؤسسية الحيوية.

فقد نجح برنامج ""محركات الابتكار الإقليمية"" التابع للمؤسسة الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة في تحقيق أثر مضاعف بلغ عشرة أضعاف عند مرحلة منح التمويل، حيث استقطب أكثر من مليار دولار من الالتزامات المقابلة مقابل 135 مليون دولار موزعة على تسعة مشاريع تشمل الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والطاقة النظيفة.

كما تستطيع المؤسسات البحثية المتخصصة معالجة الاختناقات التي تتجنبها الجامعات وصناديق رأس المال الاستثماري، وهو ما تقوم به وكالة الأبحاث والاختراعات المتقدمة في المملكة المتحدة.

وفي الوقت نفسه، تطور القطاع الخاص عبر صناديق رأس المال الجريء المتخصصة في التقنيات العميقة، وآليات الاستثمار طويلة الأجل، ورؤوس الأموال السيادية والاستراتيجية للشركات.

ويبقى السؤال: هل ستتكامل الطبقتان أم ستسعى كل منهما إلى الحلول محل الأخرى؟

الذكاء الاصطناعي يختبر أنظمة الابتكار

أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم اختباراً حقيقياً لكل نظام ابتكار. فالتحديات التي يواجهها، مثل الوصول إلى القدرة الحاسوبية، وبنية التقييم، وأبحاث السلامة، وتدقيق النماذج المتقدمة، لا تمتلك حتى الآن مؤسسات وسيطة مستقرة ومتفقاً عليها.

وتُعد ""مهمة جينيسيس"" ومورد الأبحاث الوطني للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة من أوائل المحاولات لبناء هذه الطبقة.

بل إن الذكاء الاصطناعي نفسه قد يعيد تشكيل هذه الطبقة، مع تزايد قدرة النماذج على تسهيل التوفيق بين المرشدين والمؤسسين، واستكشاف الفرص، وإجراء عمليات التحقق والدراسة المسبقة.

لكن الخطر يكمن في الخلط بين الأداة والمؤسسة. فالأبحاث الأكاديمية حول جهود الحكومات لدعم إنشاء شركات جديدة تشير إلى أن تسهيل الدخول إلى السوق وحده لا يحقق الكثير. بل إن أكبر المكاسب تتحقق عندما توفر السياسات العامة أيضاً الموارد والجهات الوسيطة الداعمة.

كما أن آثار هذه السياسات تتراكم عبر سنوات طويلة، لا عبر أرباع سنوية.

ما الذي يدفع الابتكار في الذكاء الاصطناعي حقاً؟

إن النقاش الحقيقي حول كيفية بناء اقتصادات رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يكون حول ""مزيد من الدولة"" أو ""مزيد من السوق""، بل حول كيفية تقوية الطبقة المؤسسية التي تربط بينهما.

فأي دولة تطمح إلى قيادة الابتكار يجب أن تجيب عن سؤالين أساسيين: من الذي يبني هذه المؤسسات الرابطة ويحافظ عليها عبر الدورات السياسية المختلفة؟ وهل يُقاس النجاح بعقود زمنية طويلة كما تُظهر التجارب التاريخية، أم بدورات الميزانية قصيرة الأجل؟

الدول التي تنجح في الإجابة عن هذين السؤالين ستكون في طليعة عصر الذكاء الاصطناعي. أما تلك التي تواصل الجدل بين الدولة والسوق فستجد نفسها متأخرة عن الركب.

المصدر

مقالات ذات صلة