في حين تستثمر العديد من المؤسسات بكثافة في أدوات الذكاء الاصطناعي، لا يزال الكثير منها يواجه صعوبة في تحويل هذه الاستثمارات إلى تأثير ملموس على مستوى المؤسسة بأكملها. فكثير من الشركات تجد نفسها غير قادرة على تجاوز مرحلة التجارب والمشاريع التجريبية نحو تحقيق نتائج مستدامة وعلى نطاق واسع. ومع إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل الأدوار والمهام وآليات اتخاذ القرار، أصبحت مقاومة التغيير الثقافي والفجوات في جاهزية القوى العاملة من أبرز العوامل التي تبطئ التقدم، مما يؤدي إلى تبنٍ غير متكافئ لهذه التقنيات.
وعبر مختلف القطاعات، لا تحقق سوى أقلية من المؤسسات قيمة حقيقية وملموسة من الذكاء الاصطناعي؛ ففي حين أفادت 38% من المؤسسات العاملة في الصناعات الاستهلاكية بأنها حققت أثراً تجارياً ملموساً من الذكاء الاصطناعي، يبلغ المتوسط عبر مختلف القطاعات 32% فقط، ما يبرز وجود مجال واسع للنمو والتطور.
ورغم أن هذه الرؤى مستمدة من الصناعات الاستهلاكية، فإنها تحمل أهمية واسعة النطاق. فحجم هذه المؤسسات وتعقيدها وتنوع أدوار العاملين فيها يجعلها مؤشراً مبكراً على كيفية ظهور تحديات تبني القوى العاملة للذكاء الاصطناعي — والحلول المرتبطة بها — في مختلف القطاعات الأخرى.
وقد بدأ نمط واضح بالظهور: فنجاح تبني الذكاء الاصطناعي لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل على كيفية مواءمة المؤسسات بين القيادة وبناء قدرات القوى العاملة وترسيخ ثقافة التغيير المستمر.
ويمكن تلخيص أفضل الممارسات التي تتبعها المؤسسات الرائدة في ثلاثة مبادئ أساسية، يترجم كل منها إلى إجراءات عملية تمكّن الشركات من تحقيق قيمة لكل من المؤسسة والعاملين فيها.
وتستعرض الورقة الإرشادية الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي بعنوان «إطلاق قيمة الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع: تبني القوى العاملة – دليل عملي للصناعات الاستهلاكية» أبرز الدروس المستفادة وحالات الاستخدام المستقاة من قادة الصناعة.
1. تبني الذكاء الاصطناعي يبدأ من الرئيس التنفيذي
يجب على القيادة أن تحدد الاتجاه من خلال وضع رؤية واضحة وخطة تنفيذية لتحويل المؤسسة إلى مؤسسة تعتمد على الذكاء الاصطناعي أولاً، مع توضيح القيمة التي سيحققها ذلك لكل من الشركة والموظفين.
وفي المؤسسات التي تتقدم بأسرع وتيرة في رحلتها مع الذكاء الاصطناعي، يضع الرئيس التنفيذي رؤية تعتبر الذكاء الاصطناعي محركاً للنمو والتطوير وليس مجرد أداة لرفع الإنتاجية. ومن خلال العمل بتنسيق وثيق مع بقية أعضاء الإدارة العليا، يضمن تحويل هذه الرؤية إلى واقع عملي، مع ربط طموحات الذكاء الاصطناعي بالاستراتيجية العامة وبالأنشطة اليومية.
كما يحرص التنفيذيون على أن يكونوا قدوة في التغيير من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي بأنفسهم، والتحدث بصراحة عن تجاربهم ومشاركة ما يتعلمونه. ومن خلال انخراطهم الواضح في رحلتهم الخاصة مع الذكاء الاصطناعي، فإنهم يعززون ثقة العاملين. وتكون الفرق التي يقودها مديرون يفعلون ذلك أكثر ميلاً بمقدار 1.4 مرة لتبني عقلية إيجابية مماثلة تجاه الذكاء الاصطناعي.
ولا تقل أهمية عن ذلك الطريقة التي يُقدَّم بها الذكاء الاصطناعي للموظفين. فالمؤسسات الأكثر نجاحاً تعرضه بوصفه محفزاً للنمو والإبداع والتطور المهني، مؤكدة أنه مكسب للطرفين؛ للمؤسسة وللعاملين فيها. وعندما يتم التواصل بهذه الطريقة، يصبح الموظفون أكثر ميلاً للتفاعل مع الذكاء الاصطناعي بنسبة 20%.
كما أن الاتساق في الرسائل أمر بالغ الأهمية. فعندما يركز القادة داخلياً على الإبداع والنمو بينما يسلطون الضوء خارجياً على خفض التكاليف، فإن هذا التناقض قد يثير المخاوف ويؤدي إلى التردد. أما المؤسسات التي تنجح في إدارة هذا التحدي فتعتمد على هدف واضح، وتتواصل بصدق، وتؤكد باستمرار أن الذكاء الاصطناعي محرك للقيمة التجارية وتطوير القوى العاملة في آن واحد. وهذا يبني الثقة ويوفر الأمان النفسي اللازم لمشاركة الموظفين الكاملة في عملية التحول.
2. بناء القدرات رحلة منهجية وليست حلاً سريعاً
يمكن للشركات بناء قوى عاملة تعتمد على الذكاء الاصطناعي من خلال دمج التدريب عليه داخل سير العمل الأساسي، ثم إزالة الطابع الاختياري لاستخدامه بشكل حاسم، مع ضمان وجود آليات تعزز السلوكيات الجديدة.
وتقدم المؤسسات في الصناعات الاستهلاكية التي حققت نتائج ملموسة دروساً عملية لأي مؤسسة تمتلك قوة عاملة كبيرة ومتنوعة. فهي تتبع إطاراً منظماً للتبني والتشغيل عبر ثلاثة أبعاد رئيسية، مع التحرك بسرعة والاستفادة من الأدوات المناسبة لتحقيق التنفيذ الفعال.
ويبدأ هذا النهج ببناء القدرات، وهو جهد متعدد الجوانب يتطلب استثمارات مستهدفة في ثلاثة مجالات. أولاً، التعلم الأساسي الذي يزوّد الموظفين بالمعرفة الجوهرية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي من خلال برامج تدريب منظمة. ثانياً، التعلم المدمج في سير العمل، حيث يتم إدخال الذكاء الاصطناعي مباشرة في الأدوات والعمليات اليومية بما يتيح تطبيقه بشكل فوري. ثالثاً، التجريب والتطوير العملي، من خلال إتاحة فرص للمشاركة المباشرة عبر المشاريع التجريبية ومختبرات الابتكار وتطوير حالات الاستخدام، بدعم من موظفين متميزين يُعرفون بسفراء الذكاء الاصطناعي أو المستخدمين المتقدمين. وتوفر هذه العناصر مجتمعة بيئة تمكّن الموظفين من دمج الذكاء الاصطناعي بثقة في أعمالهم اليومية وتطوير أساليب عمل أكثر فعالية.
ويلي ذلك النشر على نطاق واسع، والذي يركز على ترسيخ التكنولوجيا بسرعة من خلال إزالة الطابع الاختياري ودمج الذكاء الاصطناعي في العمليات الأساسية. ويجب على المؤسسات التحرك بثقة وحزم لتحقيق التبني وضمان العائد على الاستثمار، وقد نجحت بعض المؤسسات في الوصول إلى معدلات امتثال بلغت 100%. ومع توفر الأدوات المناسبة، تتخذ هذه المؤسسات خطوات حاسمة مثل إيقاف الأنظمة القديمة والحد من الاعتماد على أساليب العمل الموازية وضمان التنفيذ المتسق.
أما تعزيز السلوكيات عبر مرحلتي بناء القدرات والنشر واسع النطاق، فيسهم في تقوية الثقافة المؤسسية وضمان أن يكون التحول قائماً على الإنسان أولاً. ويشمل ذلك أنظمة التقدير والمكافآت، والحوافز المرتبطة بالأداء، ومسارات واضحة للتقدم الوظيفي مرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
والمؤسسات الأكثر نجاحاً في تطبيق هذا الإطار هي تلك التي تتبنى نهجاً شاملاً يغطي جميع هذه الأبعاد الثلاثة. فهي تتحرك بسرعة وبإحساس واضح بالإلحاح، وتفضل العمل والتنفيذ على التأجيل والتردد أثناء تقدمها في رحلة التحول.
3. بناء ثقافة التعلم والتغيير المستمر
يجب أن تكون المؤسسات والعاملون فيها مستعدين للتغيير المستمر الناتج عن التحول بالذكاء الاصطناعي والموجات المتعاقبة من التقنيات الجديدة.
وغالباً ما تقلل المؤسسات من أهمية الدعم المستمر بعد إطلاق مبادرات الذكاء الاصطناعي. فبينما يعد تعلم استخدام الأدوات الجديدة أمراً نسبياً سهلاً، فإن دمج عملية اتخاذ القرار المدعومة بالذكاء الاصطناعي في العمليات اليومية أكثر تعقيداً بكثير، وغالباً ما يتطلب مراحل متعددة من الدعم للحفاظ على مستويات التبني المطلوبة.
وعلاوة على ذلك، من المهم النظر إلى التأثيرات طويلة المدى لهذه التكنولوجيا المتطورة باستمرار على القوى العاملة. فالتحول القائم على الذكاء الاصطناعي هو — ويجب أن يُعامل باعتباره — جهداً مستمراً، وسيحتاج الموظفون إلى مواصلة التكيف مع تطور التكنولوجيا. ولذلك تحتاج المؤسسات إلى بناء قدرات تتيح لها دعم موظفيها بشكل متواصل لمنع الإرهاق وتعزيز التعامل مع التغيير بروح الفضول والثقة.
ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، سيصبح التبني الفعال هو العامل الذي يميز القادة عن المتأخرين. فالمؤسسات التي تتحرك بوضوح وثقة وتضع الإنسان في صميم استراتيجيتها ستتمكن من تحقيق قيمة حقيقية لكل من الأعمال والقوى العاملة، بينما تخاطر المؤسسات الأخرى بالتخلف عن الركب وفقدان قدرتها على المنافسة بفعالية.
