- أصبحت السلامة في مكان العمل تحدياً عالمياً على مستوى الأنظمة، مع ما يترتب عليها من آثار مباشرة على استقرار القوى العاملة والإنتاجية ومرونة سلاسل التوريد.
- وفي الوقت نفسه، يواجه قطاع التصنيع نقصاً مستمراً في العمالة، وشيخوخة القوى العاملة، وضغوطاً للحفاظ على مستويات الإنتاج في ظل الاضطرابات المختلفة.
يمكن للذكاء الاصطناعي التطبيقي أن يساعد الشركات المصنعة على التعامل مع السلامة باعتبارها قدرة استراتيجية، حيث تكون أماكن العمل الأكثر أماناً أكثر قدرة على جذب المواهب والاحتفاظ بها، وتقليل الاضطرابات التشغيلية، وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق أداء مستدام.
غالباً ما تُعامل السلامة في مكان العمل باعتبارها قضية تشغيلية محلية تُدار على مستوى كل منشأة على حدة. لكن الواقع يشير إلى أنها أصبحت تحدياً عالمياً على مستوى الأنظمة، له تأثيرات مباشرة على استقرار القوى العاملة والإنتاجية ومرونة سلاسل التوريد.
وتُقدَّر تكلفة الإصابات التي يمكن الوقاية منها بما يعادل 103 ملايين يوم عمل سنوياً، وأظهر تقرير صدر عام 2021 أن القضاء على هذه الحوادث سيكون بمنزلة الإبقاء على أكثر من 394 ألف عامل بدوام كامل في وظائفهم.
وفي الوقت نفسه، يواجه المصنعون نقصاً مستمراً في العمالة الماهرة، وشيخوخة القوى العاملة، وضغوطاً للحفاظ على الإنتاج وسط الاضطرابات. وقد أظهرت دراسة استقصائية أُجريت عام 2026 أن 79% من قادة قطاع التصنيع يعتبرون نقص العمالة الماهرة أكبر تحدٍّ يواجههم، بينما أفاد 90% منهم بأن أقسام التصنيع هي الأكثر تأثراً.
ويتوقع تقرير صادر عن ديلويت ومعهد التصنيع أن تحتاج الصناعة التحويلية في الولايات المتحدة إلى ما يصل إلى 3.8 ملايين عامل جديد بين عامي 2024 و2033، مع احتمال بقاء ما يصل إلى 1.9 مليون وظيفة شاغرة إذا استمرت التحديات الحالية المتعلقة بالقوى العاملة. ويمكن للبيئات غير الآمنة أن تفاقم هذه المشكلات من خلال زيادة معدلات الغياب والاستقالات والتوقفات التشغيلية.
ومع ازدياد ترابط قطاع التصنيع، لم تعد عواقب الإخفاقات المتعلقة بالسلامة مقتصرة على منشأة واحدة. فقد يتسبب حادث واحد في آثار متسلسلة تمتد عبر الموردين والمناطق المختلفة، مما يخلق مخاطر نظامية يصعب على الأساليب التقليدية احتواؤها.
كيف يجعل الذكاء الاصطناعي مخاطر التصنيع مرئية في الوقت الفعلي
تم تصميم معظم برامج السلامة لعصر مختلف، وهي تعتمد بشكل كبير على مؤشرات متأخرة، وعمليات تدقيق دورية، وملاحظات يدوية.
وتُعد مؤشرات مثل معدل الحوادث القابلة للتسجيل الكلي، الذي طالما اعتُبر معياراً موثوقاً للأداء، أدوات تقيس الضرر بعد وقوعه، وتوفر فهماً محدوداً للمخاطر الناشئة.
ولا يعكس ذلك نقصاً في النوايا أو الخبرات، بل يعكس قيوداً هيكلية في أنظمة لم تُصمم لاكتشاف المخاطر أثناء تطورها. وهنا يقدّم الذكاء الاصطناعي التطبيقي وسيلة لسد هذه الفجوة.
فالذكاء الاصطناعي التطبيقي يقدم نهجاً مختلفاً. فبدلاً من أتمتة القرارات الحساسة، يساعد على كشف الأنماط التي كان من الصعب اكتشافها بوسائل أخرى.
وعند تطبيقه في البيئات المادية، يستطيع الذكاء الاصطناعي تحديد المؤشرات المبكرة للمخاطر في الوقت الفعلي. فالتغيرات الطفيفة في القرب أو التموضع أو التعرض للمخاطر، والتي قد تسبق الحوادث الخطيرة، تصبح مرئية في وقت مبكر بما يكفي لاتخاذ إجراءات وقائية.
وقد وثّقت مبادرة ""العمل نحو صفر حوادث"" التابعة للمجلس الوطني الأمريكي للسلامة كيف تتيح تقنيات الرؤية الحاسوبية المراقبة المستمرة والآلية للمخاطر في أماكن العمل، بدءاً من عدم الالتزام بمعدات الوقاية الشخصية ووصولاً إلى انتهاكات مسافات الأمان، وهي أمور غالباً ما تفوتها الملاحظات اليدوية الدورية.
وفي الوقت نفسه، أظهرت دراسة عالمية أجرتها شركة فيردانتيكس لصناع القرار في مجالات البيئة والصحة والسلامة أن 57% من الشركات قد طبقت بالفعل أو بدأت في اختبار تقنيات الرؤية الحاسوبية وتحليل الفيديو لأغراض السلامة، وهو ما يشير إلى أن الانتقال من المراقبة التفاعلية إلى المراقبة التنبؤية بات جارياً بالفعل.
وما يدفع هذا التحول ليس التكنولوجيا بحد ذاتها، بل ما تتيحه من قدرة على التنبؤ. فذلك يسمح للمؤسسات بمعالجة حالات التعرض عالية الخطورة في مكان العمل قبل وقوع الأذى.
التعاون بين الإنسان والآلة مفتاح إدارة المخاطر
في البيئات الصناعية، يعمل الذكاء الاصطناعي ضمن واقع مكان العمل اليومي. فهو يعمل جنباً إلى جنب مع الأشخاص الذين يفهمون القيود التشغيلية ومتطلبات الإنتاج والمفاضلات الملازمة للبيئات المعقدة.
وتُصمم أنظمة السلامة الفعالة لدعم الحكم البشري. فهي توفر رؤى في الوقت المناسب، وتقلل العبء الذهني في المهام عالية الخطورة، وتمكّن من اتخاذ قرارات أكثر اتساقاً عبر مختلف الورديات والمواقع. ولكي يعمل هذا التعاون بشكل جيد، يجب أن يكون هناك وضوح بشأن ما يرصده النظام وكيف تُستخدم مخرجاته في اتخاذ الإجراءات.
كما أن تحديد الأدوار بوضوح يحافظ على المساءلة داخل بيئة العمل. ونظراً لأن العواقب في هذه البيئات تكون مادية وفورية، فإن المصداقية تُكتسب مع مرور الوقت من خلال الأداء المتسق والانسجام مع الممارسات التشغيلية.
ويتركز جزء كبير من النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي على التطبيقات الرقمية. إلا أن البيئات الصناعية تمثل سياقاً مختلفاً، حيث يتشارك البشر والآلات مساحة مادية واحدة، ولا يمكن التعامل مع المخاطر بوصفها مفهوماً مجرداً.
وقد أظهرت شبكة المنارات العالمية التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي أن المنشآت التي تطبق الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية على نطاق واسع يمكن أن تحقق تحسينات كبيرة في الإنتاجية والاستدامة. ومع ذلك، تشير أبحاث المنتدى نفسه إلى أن معظم الشركات ليست مستعدة بعد لتوسيع نطاق هذه الأساليب، بسبب وجود عوائق جوهرية تتعلق بالحوكمة والمواهب والبنية التحتية.
ويثير نشر هذه التقنيات في البيئات الصناعية أسئلة عملية لا يمكن للنقاشات السياسية وحدها الإجابة عنها. فكيف ينبغي قياس الأثر بما يتجاوز الإنتاجية؟ عملياً، أصبح المصنعون يقيمون الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد من خلال قياس انخفاض حالات التعرض عالية الخطورة وتراجع تكرار الحوادث الوشيكة. وكيف يمكن إدخال هذه الأنظمة في منشآت متنوعة؟ تشير التجارب إلى أن أطر الحوكمة الموحدة، إلى جانب التكيف المحلي، ضرورية لتحقيق التوسع بشكل مسؤول.
ويتطلب توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي في البيئات الصناعية بصورة مسؤولة أكثر من مجرد الطموح. فهو يحتاج إلى حوكمة منظمة يمكنها التكيف عبر المواقع والمناطق والسياقات التنظيمية المختلفة. ويتناول دليل تحالف حوكمة الذكاء الاصطناعي التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي هذا الأمر بشكل مباشر، من خلال تحديد تسع استراتيجيات عملية تساعد المؤسسات على الانتقال من مبادئ الذكاء الاصطناعي المسؤول إلى التطبيق العملي، بدءاً من دمج رؤية طويلة الأمد للذكاء الاصطناعي ضمن استراتيجية الأعمال، وصولاً إلى اعتماد مناهج منهجية ومحددة السياق لإدارة المخاطر.
وبالنسبة للمصنعين، فإن هذه الاستراتيجيات ليست مفاهيم نظرية. فهي تتوافق مع واقع نشر الذكاء الاصطناعي عبر شبكات متنوعة من المنشآت، حيث يجب أن تكون الحوكمة متسقة بما يكفي للحفاظ على المعايير، ومرنة بما يكفي لمراعاة الظروف المحلية. وتُعد الأطر الموحدة لحوكمة البيانات وتقييم المخاطر، إلى جانب وجود قادة مؤهلين لحوكمة الذكاء الاصطناعي على المستوى التشغيلي، من العوامل التي تمكّن المؤسسات من التوسع دون المساس بالمساءلة.
وتدعم الأدلة الأولية هذا النهج. فقد أظهرت دراسة لتقييم القيمة المحققة أجرتها شركة فيردانتيكس حول تطبيق تقنيات الرؤية الحاسوبية للسلامة المهنية في 22 موقعاً تصنيعياً، تحقيق عائد على الاستثمار بنسبة 129% خلال ثلاث سنوات، مع فوائد إجمالية بلغت 1.8 مليون دولار، مدفوعة بشكل أساسي بانخفاض الإصابات والوفيات وحالات التوقف التشغيلي. وتعكس هذه النتائج ما يمكن تحقيقه عندما تُدمج حوكمة الذكاء الاصطناعي في الممارسات التشغيلية منذ البداية، بدلاً من التعامل معها كفكرة لاحقة.
السلامة في مكان العمل كقدرة استراتيجية
بدأت المؤسسات ذات النظرة المستقبلية في التعامل مع السلامة باعتبارها قدرة استراتيجية بدلاً من كونها مجرد التزام تنظيمي. فأماكن العمل الأكثر أماناً تجذب المواهب وتحتفظ بها، وتقلل الاضطرابات التشغيلية، وتوفر الظروف اللازمة لتحقيق أداء مستدام.
وفي قطاع التصنيع، حيث تُعد توافر القوى العاملة ومرونتها من الأولويات الاستراتيجية، يتزايد ارتباط الاستثمار في السلامة بالابتكار والقدرة التنافسية طويلة الأجل. ومع ازدياد دمج الذكاء الاصطناعي التطبيقي في العمليات الصناعية، تنتقل السلامة من هامش الاستراتيجية إلى قلبها.
ولا تتمثل الخطوة التالية ببساطة في تبني أدوات جديدة، بل في إعادة التفكير في كيفية إدارة المخاطر. إذ تتاح للقادة فرصة لاستخدام الذكاء الاصطناعي التطبيقي لتعزيز الحكم البشري، وتقوية المساءلة، وبناء عمليات أكثر مرونة.
ولم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان للتكنولوجيا مكان في استراتيجيات المخاطر والسلامة، بل كيف يمكن نشرها بصورة مسؤولة لدعم الأشخاص الذين يحافظون على استمرار عمل الصناعة.
