القائمة الرئيسية

أزمة الغذاء المقبلة بدأت بالفعل

أزمة الغذاء المقبلة بدأت بالفعل
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف أن العالم يقترب من أزمة غذائية جديدة نتيجة الترابط المتزايد بين أسواق الطاقة والأسمدة والغذاء، حيث أدى إغلاق مضيق هرمز إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي. وتحذر من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في نقص الغذاء الفوري، بل في سلسلة من الصدمات المتتابعة التي قد تؤدي إلى انخفاض المحاصيل وارتفاع الأسعار خلال الأشهر المقبلة، مؤكدةً أن بناء أنظمة غذائية أكثر مرونة والاستثمار في بدائل الطاقة والبنية التحتية الزراعية أصبح ضرورة ملحة لمواجهة الأزمات المستقبلية.

  • يشير أحدث تقرير لتوقعات كبار الاقتصاديين إلى وجود ""مخاوف جسيمة"" بشأن اضطراب إنتاج الغذاء نتيجة إغلاق مضيق هرمز.
  • ويكتب كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، ماكسيمو توريرو، أن ""الصدمات المتتالية"" تعني أن على صناع القرار التحرك الآن لتجنب أسوأ العواقب الممكنة، سواء لهذه الأزمة أو للأزمات الحتمية القادمة.

يدخل العالم مرحلة جديدة من الصدمات، حيث لم تعد الأزمات أحداثاً معزولة، بل أصبحت اضطرابات مترابطة ذات تداعيات عالمية. فقد كشفت جائحة كوفيد-19 عن نقاط الضعف في سلاسل الإمداد العالمية. وأدت الحرب في أوكرانيا إلى اضطراب أسواق الغذاء والطاقة. أما الآن، فإن أزمة مضيق هرمز تكشف مدى الترابط الوثيق بين أسواق الطاقة والأسمدة والغذاء.

ما بدأ كأزمة جيوسياسية إقليمية يتحول إلى صدمة منهجية تؤثر في النظم الغذائية والزراعية العالمية. وهي تذكير جديد بأنه مع تحول الصدمات إلى أمر اعتيادي، يجب على الدول بناء القدرة على الصمود بدلاً من التعامل مع كل أزمة على حدة.

يُعد مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم. فقبل اندلاع الأزمة، كان ما يقارب 35% من صادرات النفط الخام العالمية، و20% من صادرات الغاز الطبيعي المسال، وما يصل إلى 30% من صادرات الأسمدة تمر عبر هذا الممر المائي الضيق، إلى جانب الكبريت الضروري لإنتاج الأسمدة الفوسفاتية. وقد أدى إغلاق المضيق إلى اضطراب شديد في سلاسل إمداد الأسمدة العالمية في وقت تتقدم فيه مواسم الزراعة في نصفي الكرة الأرضية.

ومع مواجهة المزارعين لارتفاع أسعار سماد اليوريا بنسبة تتراوح بين 20% و60%، إضافة إلى زيادة تكاليف الوقود والنقل والري، فإن الخطر الأكبر لا يتمثل في نقص فوري للغذاء، بل في سلسلة من الصدمات المتتابعة التي تقلل من الإنتاج الغذائي مستقبلاً. تبدأ هذه السلسلة بارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات الخدمات اللوجستية، ثم نقص الأسمدة، ثم انخفاض المحاصيل، لتنتقل آثارها المتأخرة في النهاية إلى ارتفاع أسعار الغذاء وتقلبات الأسواق بعد عدة أشهر.

ومع تزايد خطر حدوث أزمة غذاء عالمية خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة، فإن القرارات التي تتخذها الدول اليوم ستحدد مدى خطورة الأزمة.

قبل كل شيء، يجب على صناع السياسات حماية الفئات الأكثر هشاشة. وعلى عكس جائحة كوفيد-19 التي أحدثت صدمة في الطلب نتيجة توقف الاقتصاد العالمي، فإن أزمة هرمز تمثل صدمة في العرض تؤثر على إمدادات الطاقة والأسمدة. ولن تؤدي الإعانات العامة الشاملة إلى تأمين الإمدادات أو خفض الطلب، كما أنها مكلفة مالياً وتصب في مصلحة الفئات الأقل احتياجاً. لذلك ينبغي للحكومات تفعيل برامج موجهة بدقة للأسر الأكثر ضعفاً، خاصة في المناطق الريفية، مستفيدة من الدروس المستخلصة من تجارب أمريكا اللاتينية، بينما تتكيف الأسواق والمستهلكون الأكثر ثراءً مع ندرة الإمدادات.

أما الأولويات العاجلة فهي واضحة. يجب على الحكومات تأمين ممرات تجارية بديلة وتجنب فرض قيود على صادرات الطاقة والمدخلات الزراعية، لأن مثل هذه الإجراءات لا تؤدي إلا إلى تفاقم النقص العالمي. كما ينبغي حماية تدفقات المساعدات الغذائية الإنسانية من خلال توفير احتياطيات مالية تعوض ارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية.

ويحتاج المزارعون والشركات الزراعية الصغيرة والمتوسطة إلى دعم نقدي وإمكانية الوصول إلى التمويل. ويجب أن يصل التمويل بسرعة حتى يتمكنوا من تعديل قرارات الزراعة واستخدام الأسمدة والإنتاج قبل أن تتأثر دورات المحاصيل المقبلة. كما تمثل هذه الأزمة فرصة لتنظيم أوضاع المزارعين غير الرسميين عبر التعاونيات والمجموعات الزراعية الأخرى التي يمكن أن توفر لهم الوصول إلى التمويل.

أما الدول التي تعاني من ارتفاع فواتير استيراد الأسمدة والغذاء فتحتاج إلى دعم سريع لميزان المدفوعات من المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي. وينبغي إعادة تفعيل مرفق تمويل واردات الغذاء، الذي صُمم خصيصاً لمساعدة الدول الفقيرة على مواجهة الارتفاع المفاجئ في تكاليف استيراد الغذاء خلال الأزمات، وكذلك نافذة صدمات الغذاء التي أُطلقت عام 2022. أما الدول التي تواجه أزمات ديون فيجب أن تحصل على منح مالية مباشرة.

وبعيداً عن الاستجابات الفورية، تحتاج الدول إلى تحسين كفاءة استخدام الأسمدة من خلال رسم خرائط التربة، والتحول إلى محاصيل أقل استهلاكاً للأسمدة مثل البقوليات، وتشجيع أنظمة الزراعة البينية التي تجمع بين الحبوب والمحاصيل المثبتة للنيتروجين. كما يجب تنويع مصادر الطاقة المستخدمة في الزراعة، عبر استبدال أنظمة الري والضخ المعتمدة على الديزل ببدائل كهربائية وشمسية.

وقد يؤدي استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة إلى جعل إنتاج الوقود الحيوي أكثر ربحية بشكل كبير، مما يدفع إلى تحويل الأراضي والمياه والأسمدة بعيداً عن إنتاج الغذاء. لذلك يجب على صناع السياسات تجنب تحفيز الطلب على الوقود الحيوي بشكل مصطنع.

وعلى المدى الطويل، ينبغي أن تركز الدول على بناء قدرة هيكلية على الصمود. وهذا يعني الاستثمار في موانئ وطرق وسكك حديدية ومستودعات ومراكز لوجستية وممرات تجارية بديلة متنوعة، بهدف تقليل الاعتماد على نقاط الاختناق الاستراتيجية. كما ينبغي إنشاء احتياطيات استراتيجية من الأسمدة، وتعزيز الترابط الإقليمي والمحلي، والاستثمار في أنظمة طاقة أنظف وأكثر قدرة على الصمود لخدمة القطاع الزراعي.

ويمكن لأنظمة الإنذار المبكر التي تراقب الاضطرابات المناخية والسوقية والتجارية أن تساعد الحكومات على استباق المخاطر واتخاذ الإجراءات اللازمة قبل أن تتحول الصدمات إلى أزمات.

قد يرى البعض أن هذه الإجراءات مبالغ فيها لأن أزمة غذاء عالمية حادة قد لا تحدث فعلاً. لكن هذه التوصيات لا تستند إلى التنبؤ بكارثة حتمية، بل إلى إدارة المخاطر. وحتى إذا لم يتحقق أسوأ السيناريوهات، فإن تأجيل بناء القدرة على الصمود يمثل مخاطرة لا يستطيع العالم تحملها، خاصة في وقت يعاني فيه مليارات البشر من انعدام الأمن الغذائي، بينما تستمر الصدمات الأخرى في التفاقم.

ومن خلال الجمع بين الكفاءة والتنويع والابتكار والتفكير المنظومي، والتعامل أخيراً مع الطاقة والأسمدة والغذاء والتجارة والمناخ باعتبارها أجزاءً من نظام مترابط واحد، يمكن للعالم أن يتعامل بصورة أفضل مع هذا العصر الجديد من الصدمات.

المصدر

مقالات ذات صلة