- تلعب الهند دوراً متزايد الأهمية في تطوير ونشر تقنيات الذكاء الاصطناعي.
- وتضم البلاد أكثر من 6,500 شركة ناشئة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، ما يضعها في المرتبة السابعة عالمياً من حيث الاستثمارات الخاصة في هذا المجال، حيث استقطبت أكثر من 11 مليار دولار بين عامي 2013 و2024.
- وفي الوقت نفسه، تسعى الهند إلى معالجة ثلاثة تحديات مستمرة في استخدام الذكاء الاصطناعي لخدمة الصالح العام: محدودية توافر مجموعات البيانات المفتوحة الجاهزة للذكاء الاصطناعي، وضعف الآليات التي تساعد على تحديد حالات الاستخدام عالية التأثير، وغياب بيئات الاختبار الآمنة اللازمة لتجربة الحلول المعززة بالذكاء الاصطناعي.
وتُعد هذه التحديات شائعة في العديد من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، لكنها تتجلى بشكل أكبر في الهند نظراً لتنوعها الاجتماعي والثقافي واللغوي.
وللتعامل مع هذه التحديات، تبنت الهند نهجاً قائماً على بناء منظومة متكاملة تركز على إنشاء آليات مؤسسية تدعم تطوير وتنفيذ وتوسيع نطاق الابتكارات المحلية في مجال الذكاء الاصطناعي لخدمة الصالح العام.
ويتكامل هذا النهج مع جهود أوسع لتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص وتحسين التنسيق بين الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات.
ويتضمن هذا النهج عدة عناصر رئيسية.
إتاحة الوصول المفتوح إلى مجموعات البيانات الجاهزة للذكاء الاصطناعي
في الهند، تُعد مبادرتا AIKosh وBhashini من المبادرات الوطنية المصممة لتسهيل الوصول الآمن إلى مجموعات البيانات المنظمة للقطاع الخاص والباحثين والمؤسسات الأكاديمية بهدف تطوير حلول تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
وتعمل منصة AIKosh كمنصة موحدة تجمع مجموعات البيانات من الجهات الحكومية والخاصة عبر مجالات متعددة، بما في ذلك الرعاية الصحية، والحوكمة والإدارة، والتخطيط الحضري، والتنقل.
وتعالج المنصة التحديات المرتبطة بتشتت البيانات وصعوبة التحقق من مصادرها، وذلك من خلال تقييم مجموعات البيانات وفق معايير الجاهزية للذكاء الاصطناعي وتوفير بيانات وصفية موحدة.
أما منصة Bhashini فتتيح الوصول إلى مجموعات بيانات ونماذج متعددة اللغات، مع توفير بطاقات تعريفية منظمة للنماذج والبيانات، وتفاصيل التراخيص، وإرشادات الاستخدام. كما تدعم حلولاً قائمة على الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك واجهات برمجة تطبيقات الترجمة اللغوية ومبادرات التعهيد الجماعي للغات الهندية.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذه المبادرات تتجاوز كونها منصات بيانات مفتوحة للذكاء الاصطناعي؛ فهي مؤسسات قائمة بذاتها. إذ تُدار AIKosh من قبل قسم IndiaAI، بينما تُدار Bhashini من قبل قسم Digital India BHASHINI، وكلاهما وحدتان مستقلتان ضمن وزارة الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات.
ويوفر هذا الهيكل المؤسسي مرونة تشغيلية تدعم التفاعل مع مختلف الجهات الفاعلة في المنظومة، كما يضمن الاستدامة طويلة الأمد لهذه المبادرات.
وعلى مستوى الولايات، تجمع مبادرة TGDeX في ولاية تيلانغانا بين خصائص بوابة البيانات المفتوحة وبيئة الاختبار وقاعدة متنامية لحالات الاستخدام الخاصة بالابتكار في الذكاء الاصطناعي. وتهدف المبادرة إلى تعزيز تطوير حلول مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمعالجة التحديات العامة.
وتشير هذه الجهود المتكاملة على المستويين المركزي والولائي إلى وجود توجه حكومي منسق لتحسين الوصول إلى مجموعات البيانات الجاهزة للذكاء الاصطناعي ودعم الابتكار.
بيئات اختبار الذكاء الاصطناعي كآليات مؤسسية للتجريب المسؤول
يشكل إنشاء بيئات اختبار للذكاء الاصطناعي على المستويين الوطني والقطاعي عنصراً مهماً آخر في استراتيجية الهند للذكاء الاصطناعي بهدف توسيع نطاق الحلول المعززة بهذه التقنية.
وتُعد بيئات الاختبار هذه مساحات خاضعة للرقابة تُستخدم لتطوير الحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي واختبارها وتحسينها. ويركز النموذج الهندي بشكل كبير على الابتكار، حيث يتيح للمطورين موارد متعددة تشمل مجموعات بيانات منتقاة وجاهزة للذكاء الاصطناعي، وإمكانية الوصول المدعوم إلى قدرات الحوسبة، ونماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر، وبيئات تطوير آمنة.
ولا يقتصر دور هذه البيئات على توفير البنية التحتية، بل تهدف أيضاً إلى دعم التجريب المسؤول. فهي تتيح للمطورين اكتشاف مخاطر السلامة والكفاءة في مراحل مبكرة، والابتكار بشكل تدريجي، وبناء أنظمة ذكاء اصطناعي قوية وفعالة وجديرة بالثقة.
وتضم كل من AIKosh وTGDeX بيئات تطوير متكاملة مخصصة للباحثين والشركات الناشئة وغيرهم من المطورين.
وعلى المستوى القطاعي، اقترحت لجنة خبراء شكلها البنك الاحتياطي الهندي إنشاء بيئة اختبار للابتكار في الذكاء الاصطناعي ضمن القطاع المالي. وبالمثل، وفي قطاع الرعاية الصحية، تعاونت الهيئة الوطنية للصحة في الهند مع المؤسسات الأكاديمية لإطلاق منصة Benchmarking Open Data Platform in Health AI (BODH)، التي تهدف إلى تسهيل الابتكار في الذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على خصوصية بيانات المرضى.
شراكات المنظومة لحل تحديات القطاع العام من خلال الابتكار في الذكاء الاصطناعي
يتطلب تطوير حلول الذكاء الاصطناعي للصالح العام أيضاً تحديد حالات الاستخدام المناسبة وبناء النماذج الأولية للحلول. وفي الهند، يجري ذلك من خلال شراكات متعددة الأطراف لتنظيم أو استضافة مسابقات وتحديات الابتكار في الذكاء الاصطناعي.
وتجمع هذه التحديات الشركات الناشئة والباحثين والمطورين للعمل على مشكلات محددة مرتبطة بقضايا اجتماعية واقتصادية واقعية يمكن أن يحقق الذكاء الاصطناعي فيها تأثيراً ملموساً.
ويركز أحد هذه التحديات، الذي يقوده مركز التميز لإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي، على تحسين نتائج رعاية الأمهات والأطفال من خلال استخدام أدوات تحليلية قائمة على الذكاء الاصطناعي لمراقبة مشاريع البنية التحتية ومعالجة كميات كبيرة من البيانات المتعلقة بالتغذية، بما يدعم التدخلات الصحية الموجهة.
كما ركز تحدي الابتكار في الذكاء الاصطناعي بولاية تيلانغانا على ست أولويات للدوائر الحكومية، من بينها تطوير أداة تعتمد على الذكاء الاصطناعي للكشف الفوري عن الحالات الشاذة في وثائق تسجيل العقارات المقدمة إلى دائرة الإيرادات.
وعادة ما توفر هذه التحديات للمبتكرين مجموعات بيانات حكومية منتقاة، وقدرات حوسبية، ودعماً مالياً لتطوير حلول تجريبية قابلة للتطبيق.
وتمثل هذه المبادرات مجتمعة نهجاً متكاملاً على مستوى المنظومة بأكملها لدعم الابتكار في الذكاء الاصطناعي من أجل الصالح العام. فمنصات البيانات المفتوحة تعزز الوصول إلى البيانات الجاهزة للذكاء الاصطناعي، وتساعد تحديات الابتكار على تحديد حالات الاستخدام ذات الأثر الكبير في القطاع العام، بينما تعمل بيئات الاختبار كمساحات لتجربة الحلول وضمان توافقها مع ممارسات الذكاء الاصطناعي المسؤول.
وبالنسبة لدول الجنوب العالمي، يبرز النهج الهندي درساً واضحاً مفاده أن الابتكار في الذكاء الاصطناعي لخدمة الصالح العام يتطلب أكثر بكثير من مجرد الاستثمار في التكنولوجيا. إذ ينبغي للحكومات أن تقود عملية تصميم المنظومات التي تربط بفعالية بين البيانات والمبتكرين والمؤسسات.
كما تمتلك الهند فرصة استراتيجية لا تقتصر على بناء ابتكارات الذكاء الاصطناعي للصالح العام، بل تمتد إلى ريادة مسار جديد لاعتماد هذه التقنيات على نطاق واسع وبشكل مسؤول بما يعود بالنفع على أكثر من مليار شخص.
وينبغي أن تتمثل الأولوية التالية للهند في وضع خارطة طريق تنقل مشاريع الذكاء الاصطناعي من مرحلة الأفكار والتجارب الأولية إلى مرحلة التوسع والتبني الشامل. وسيتطلب ذلك تحديد مجموعة من الأولويات الوطنية وأولويات الولايات التي يمكن أن تحقق فيها التدخلات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي أثراً اجتماعياً واقتصادياً مستداماً.
