القائمة الرئيسية

تسخير الذكاء الاصطناعي والابتكار الخاص لسد الفجوات الصحية

تسخير الذكاء الاصطناعي والابتكار الخاص لسد الفجوات الصحية
ملخص المقال

يرى المقال أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في معالجة فجوات الرعاية الصحية العالمية، خاصة في البيئات محدودة الموارد التي تعاني نقص الكوادر والبنية التحتية. وتساعد تطبيقاته، مثل الفرز الافتراضي والتشخيص عن بُعد ودعم القرار السريري، على توسيع الوصول إلى الخدمات الصحية وتحسين الكشف المبكر عن الأمراض. كما يعزز قدرات العاملين الصحيين ولا يستبدلهم، عبر توفير أدوات تساعدهم على التشخيص والعلاج بدقة أكبر. وفي الوقت نفسه، يخلق فرص عمل جديدة في مجالات الصحة الرقمية والبيانات والتقنيات الطبية. ويحذر المقال من تحديات الخصوصية والأمن السيبراني والتحيز الخوارزمي، مؤكداً ضرورة وجود أطر تنظيمية ورقابية فعالة. ويخلص إلى أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي تكمن في بناء أنظمة صحية أكثر كفاءة وإنصافاً وتمكين ملايين الأشخاص من الحصول على رعاية صحية أفضل.

بقلم: مامتا مورثي وسارفش سوري

إن الصحة الجيدة هي الوقود الذي يحرك الإمكانات البشرية، فهي تدعم التعليم والعمل والإنتاجية، كما أنها تمثل أمراً جوهرياً لسكّان الأسواق الناشئة من أجل المشاركة في اقتصاد متنامٍ. ومع ذلك، فإن حجم التحدي الصحي العالمي لا يزال هائلاً، حيث يُقدر أن هناك نحو أربعة مليارات ونصف المليار شخص يفتقرون حتى الآن إلى الخدمات الصحية الأساسية. وتواجه النظم الصحية في جميع أنحاء العالم نقصاً في العمالة، وضعفاً في البنية التحتية، وارتفاعاً في الطلب، بالإضافة إلى العوائق المالية. وفي ظل هذه البيئات المحدودة الموارد، يقدم الذكاء الاصطناعي وعوداً حقيقية.

سد فجوة الوصول إلى الخدمات

يتمثل التحدي الأكثر إلحاحاً في الصحة العالمية في إمكانية الوصول إلى الرعاية. وحتى في الحالات التي تتوفر فيها الرعاية، فإن الأنظمة المجزأة غالباً ما توجّه المرضى إلى المستوى الخاطئ من الرعاية الطبية، ومثل هذا الأمر يؤدي إلى ازدحام المستشفيات، وتكبد تكاليف غير ضرورية، وحدوث أضرار يمكن تجنبها.

وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم المساعدة، حيث يمكن لأدوات الفرز الافتراضي، والتشخيص عن بُعد، وأدوات دعم القرار السريري المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن توسع نطاق الخدمات الصحية لتصل إلى الفئات السكانية المحرومة، وتوجّه المرضى إلى الرعاية المناسبة بشكل أسرع. وتستطيع هذه التقنيات تعزيز الرعاية الصحية الأولية، وتحسين منظومة الإحالة الطبية، وتمكين الكشف المبكر عن الأمراض.

وفي البرازيل، استثمرت مؤسسة التمويل الدولية في شركة ""إيسا ساودي"" وهي شركة متخصصة في التكنولوجيا الصحية تستخدم الذكاء الاصطناعي لرصد العلامات المبكرة التي تشير إلى احتمال تدهور حالة المريض في المنزل، مما يستدعي التدخل الفوري. وفي إثيوبيا، تساعد أجهزة الموجات فوق الصوتية المحمولة والمزودة بالذكاء الاصطناعي العاملين الصحيين في المناطق الريفية على اكتشاف حالات الحمل عالية المخاطر في وقت مبكر، مما يتيح إجراء عمليات ولادة أكثر أماناً. أما في الهند، فيعمل الذكاء الاصطناعي على توسيع نطاق الكشف المبكر عن مرض السل وعلاجه. وقد تم تصميم هذه الأدوات لتعمل على الأجهزة الأساسية البسيطة، وفي ظل اتصال محدود بالإنترنت، وبلغات محلية، مما يجعلها عملية وملائمة في البيئات منخفضة الموارد. وهذا هو المفهوم الذي تطلق عليه مجموعة البنك الدولي اسم ""الذكاء الاصطناعي المصغر""، وهي أدوات منخفضة التكلفة تحقق تأثيراً ملموساً في الأماكن التي لا تتوفر فيها بعد بنية تحتية واسعة النطاق للذكاء الاصطناعي.

تمكين العاملين الصحيين وليس استبدالهم

إن الذكاء الاصطناعي لا يحل محل العاملين في القطاع الصحي، بل يعزز ما يمكنهم القيام به. ويعد قطاع الرعاية الصحية واحداً من خمسة قطاعات تركز عليها مجموعة البنك الدولي لتسريع عملية خلق فرص العمل، إلى جانب البنية التحتية والطاقة، والأعمال التجارية الزراعية، والسياحة، والصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة.

إن وجود قطاع صحي قوي يدعم وجود قوى عاملة تتمتع بصحة جيدة، ويخلق فرص عمل في المجتمعات التي يعيش فيها الناس. وغالباً ما يعمل الممرضون والعاملون الصحيون المجتمعيون وأطباء الرعاية الأولية دون دعم من المتخصصين وفي ظل قيود شديدة على الموارد، والذكاء الاصطناعي يعيد تشغيل هذا الواقع وصياغته.

ويمكن لأدوات القرار السريري القائمة على الذكاء الاصطناعي أن تساعدهم في إجراء تشخيصات أسرع وأكثر دقة، واختيار علاجات أفضل، وتقليل مخاطر الأخطاء الطبية. إنها تنقل المعرفة المتخصصة إلى بيئات لم تكن متوفرة فيها من قبل. ولكن تحقيق هذه الفوائد يتطلب استثمارات كبيرة، إذ يحتاج العاملون الصحيون إلى التدريب لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بفعالية ولفهم إمكاناتها وحدودها على حد سواء.

ولا تتوقف الآثار المترتبة على القوى العاملة عند حدود المستشفيات والعيادات فحسب، بل تعتمد الأنظمة الصحية الممكَّنة بالذكاء الاصطناعي على منظومة بيئية أوسع تشمل المختبرات، وعلماء البيانات، ومصنعي الأجهزة الطبية، ومزودي الخدمات اللوجستية، ومنصات الطب الاتصالي، ومتخصصي البنية التحتية الرقمية. ومع نمو اعتماد الذكاء الاصطناعي، يجب أن يواكب تطوير القوى العاملة هذا التسارع، مما يخلق وظائف جديدة في مجالات التشخيص، والصحة الرقمية، والتصنيع، وسلاسل الإمداد. وتوفر هذه القطاعات الناشئة في العديد من البلدان فرصاً كبيرة، لا سيما للنساء والشباب.

مواجهة التحديات الحقيقية

إن الذكاء الاصطناعي ليس حلاً سحرياً تلقائياً، فالتعبير عن إمكاناته الكاملة يعني مواجهة التحديات العملية والأخلاقية بشكل مباشر. إن الاتصال الموثوق بالإنترنت ليس مضموناً دائماً، كما تعد البيانات الصحية من أكثر أشكال المعلومات الشخصية حساسية، مما يثير مخاوف جدية بشأن الخصوصية، وحوكمة البيانات، والأمن السيبراني.

ويمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي المدربة على بيانات غير ممثِلة للجميع أن ترسخ التحيز الخوارزمي، ومن دون إشراف ورقابة، يمكن لهذا التحيز أن يساهم في تعميق التفاوتات الصحية القائمة بالفعل. ويجب على الأطر التنظيمية أن تواكب هذا التطور، حيث تحتاج الحكومات والسلطات الصحية إلى معايير واضحة للتحقق من الصحة، والسلامة السريرية، والمساءلة، والشفافية.

الهند كنموذج يحتذى به

تحتل الهند موقعاً متميزاً في المشهد العالمي للذكاء الاصطناعي، إذ توفر بنيتها التحتية الرقمية العامة، ونظامها الصحي الواسع، وقطاعها التكنولوجي الحيوي منصة قوية للابتكار. وقد أرست أنظمة الهوية الرقمية الوطنية وأطر البيانات الصحية القابلة للتشغيل البيني الأساس لتوسيع نطاق حلول الصحة الرقمية.

ويعمل نظام الابتكار المتنامي في الهند على تطوير أدوات في مجالات الطب الاتصالي، والتشخيص، وعلم الجينوم، والتحليلات الصحية. وتستخدم شركات مثل ""ميدجينوم""، وهي إحدى الشركات المستثمر فيها من قبل مؤسسة التمويل الدولية وواحدة من الشركات الرائدة في الهند في مجال التشخيص الجيني، التعلم الآلي القائم على الذكاء الاصطناعي لتحديد المتغيرات الجينية ودعم التشخيص والعلاج الأكثر دقة.

الطريق إلى الأمام

في شهر أبريل من عام ألفين وأربعة وعشرين، وضعت مجموعة البنك الدولي هدفاً طموحاً يتمثل في الوصول إلى مليار ونصف المليار شخص بخدمات صحية عالية الجودة وبأسعار معقولة بحلول عام ألفين وثلاثين. ويتطلب تحقيق هذا الهدف تضافر الاستثمار العام، وابتكار القطاع الخاص، والنشر المسؤول للتكنولوجيا.

إن الذكاء الاصطناعي ليس أداة سلبية بل هو ممكّن فاعل للتغيير، وعندما يُدمج بعناية وتفكير في الأنظمة الصحية، يمكنه توسيع نطاق الوصول، وتعزيز قدرات مقدمي الخدمات في الخطوط الأمامية، وتحسين عملية صنع القرار، وزيادة الكفاءة. ومع ذلك، فإن التكنولوجيا وحدها لن تحدد النتيجة النهائية، فالوعد الحقيقي للذكاء الاصطناعي لا يكمن في الخوارزميات، بل في إيجاد بشر أكثر صحة، وأنظمة أقوى، ورعاية أكثر إنصافاً. وإذا استُخدم الذكاء الاصطناعي بشكل مدروس ومسؤول، يمكن أن يكون مضاعِفاً للقوة، مما يساعد البلدان على التغلب على الحواجز التي طال أمدها وتقديم رعاية صحية عالية الجودة لملايين البشر الآخرين.

المصدر

 

مقالات ذات صلة