القائمة الرئيسية

العقبات الخمس الخفية في مسار إدارة التغيير

العقبات الخمس الخفية في مسار إدارة التغيير
ملخص المقال

في مقال نشره موقع Reworked، يوضح الكاتب كريستيان سالانتي أن فشل مبادرات التغيير المؤسسي لا يعود غالبًا إلى ضعف الخطط أو نقص الجهود، بل إلى البيئة المعلوماتية المزدحمة التي يعمل فيها الموظفون، حيث تتنافس رسائل التغيير مع سيل من التحديثات والمهام اليومية، فتضيع المعلومات ويُنسى التدريب قبل وقت التطبيق الفعلي. ويرى أن النماذج التقليدية لإدارة التغيير لا تكفي ما لم تُدمج التغييرات داخل سير العمل اليومي وتجربة الموظف الرقمية. ويستشهد بخبرته في إدارة منصة تقييم أداء لبنك كبير، حيث أدى عرض رسالة واضحة داخل النظام أثناء الأعطال إلى اختفاء الشكاوى تقريبًا، ما يبرهن أن إيصال المعلومة المناسبة في الوقت والمكان المناسبين أكثر فاعلية من كثرة الرسائل والتعاميم. ويخلص إلى أن المؤسسات الناجحة تبني بيئات رقمية منظمة تشبه مراكز التسوق، تجمع الموارد والتوجيهات والخدمات المتعلقة بكل موضوع في مكان واحد، مما يسهّل وصول الموظفين إلى ما يحتاجونه ويجعل التغيير أكثر سلاسة واستدامة، ويحول إدارة التغيير من حملات مؤقتة إلى جزء طبيعي من تجربة العمل اليومية.

بقلم: كريستيان سالانتي

لماذا تبوء مبادرات التغيير المؤسسي بالفشل رغم كل ما يُبذل فيها من جهود مضنية؟ السبب يكمن في غرق الموظفين في بحر متلاطم من المشتتات والضوضاء المعرفية. وفي السطور التالية، نستعرض كيفية بناء منظومة تغيير راسخة وقابلة للاستدامة.

حين رصد مراقبو سفينة التايتانيك الجبل الجليدي، استنفر الجميع جهودهم لتغيير مسار السفينة، بيد أن تلك الجهود المتأخرة لم تكن كافية لإنقاذها.

وعلى الرغم من أن علم إدارة التغيير قد استقر في الفكر الإداري منذ عقود، إلا أن المنظمات لا تزال تكافح لمواكبة وتيرة التغيير السريعة، وتتعثر في تطبيقه برغم المساعي الحثيثة التي يبذلها أفرادها.

دعونا نقف على مكمن الخلل، لنتبين كيف يمكن لشركتك أن تغير مسارها بخفة ورشاقة تحاكي حركة الدراجة المائية السريعة، بدلاً من تعثرها كعمارة بحرية ضخمة تسير نحو حتفها.

أولاً: صياغة تواصل التغيير في معزل عن الواقع المحيط

إن المسؤول عن إرسال رسائل التغيير لا يعمل في فراغ داخل المؤسسة.

ففي أي منظومة، يزدحم المشهد بمسؤولين آخرين يبثون رسائل تواصل موازية حول تغييرات شتى، منها الجوهري ومنها الهامشي، وتستهدف جميعها الموظفين أنفسهم. وفي الوقت ذاته، تنهال على الموظفين تحديثات تشغيلية روتينية لا تتوقف، مثل هوية قائد الوردية اليوم، وجداول الصيانة الدورية، ومؤشرات الأداء، والمستجدات الخاصة بالمشاريع.

وعندما تسعى للتواصل بشأن مبادرة تغيير في شركة كبرى، فإنك تخوض منافسة شرسة للاستحواذ على انتباه الموظفين وسط ضجيج معلوماتي خانق.

وهنا، يقع العديد من مسؤولي الاتصال في فخ إعادة إرسال الرسالة ذاتها ظناً منهم أن في الإعادة إفادة، بينما لا تثمر هذه السياسة إلا مزيداً من الضجيج وضعفاً في الأثر.

ثانياً: الفجوة الزمنية بين التوجيه والتطبيق

في أغلب الأحيان، لا يتطلب إعلان التغيير استجابة فورية أو سلوكاً لامتناهياً من الموظف في اللحظة نفسها.

فقد تمر ساعات أو أيام أو أسابيع بل وربما أشهر قبل أن يحين الموعد الفعلي لتطبيق هذا السلوك الجديد. وحين تدق ساعة العمل، يبرز السؤال الجوهري: كيف سيهتدي الموظف إلى المعلومات التي يحتاجها؟

في الغالب، يكون الإشعار الأول قد طُمر تحت ركام مئات الرسائل الإلكترونية اليومية، أو تاه في غياهب شريط الأخبار العام للشركة. أما الإجراءات المحدثة فتكون حبيسة المجلدات الرقمية العميقة في أرشيف الحفظ، ويلقى دليل المستخدم المعدل المصير المجهول ذاته. وحتى إن بادر قطاع التدريب بإنشاء وحدة تيسير رقمية أو مساق للتعلم الإلكتروني، فإن السواد الأعظم من الموظفين لا يعلم بوجوده أصلاً، وهي الإشكالية الإدارية التي استفضت في تشريح أبعادها في مقال سابق.

ثالثاً: تشتت الانتباه ومتلازمة منحنى النسيان

يتكئ الكثير من خبراء الإدارة على أطر عمل شهيرة مثل نموذج ""ADKAR""، الذي يقود الأفراد تدرجاً من الوعي إلى الرغبة، ثم المعرفة فالقدرة، وصولاً إلى مرحلة التعزيز والترسيخ.

ولكن عندما تكون بصدد التعامل مع فرق عمل متباعدة جغرافياً، وتغييرات تقع خارج سياق مهامهم الوظيفية اليومية، وهو حال معظم التحولات في الشركات الكبرى، فإنك تصطدم بعقبات كأود.

إن مدير التغيير الذي يغض الطرف عن هذه التحديات، يتوهم أنه قام بكل ما يلزم على أكمل وجه بمجرد استيفائه لخطوات النموذج.

إلا أن الواقع يتبدى مغايراً تماماً عند النظر إليه من زاوية الموظف، فهو يعاني وطأة الإرهاق المعرفي، ويقع تحت طائلة المقاطعات المستمرة، وينسى نصف ما تلقاه من تدريب خلال أربع وعشرين ساعة، مما يؤول بمعظم جهود إدارة التغيير إلى الهدر والضياع.

رابعاً: التغيير بوصفه جزءاً من حوار مؤسسي ممتد

يرتبط كل تغيير بملف وظيفي له مالك محدد، وغالباً ما يكون هذا المالك بمثابة مقدم خدمة داخلي في الهيكل المؤسسي.

ويسعى مدراء التغيير عادة إلى استثارة اهتمام التابعين المستفيدين من هذه الخدمة والذين يجمعهم بهم حوار مستمر.

وتلعب متانة وعمق قنوات التواصل الحالية دوراً حاسماً في تحديد حجم الجهد والوقت اللازمين لتنفيذ أي تحول منشود.

ولكن الواقع يشير إلى ضعف هذه الروابط في معظم الأحيان، والسبب الرئيسي في ذلك يعود إلى هندسة نظم الاتصال الداخلية التي تُصمم لخدمة البيانات القيادية والخطابات الإدارية العليا، بينما تغفل تماماً عن تمكين مسؤولي التواصل التشغيلي والميداني.

خامساً: تهميش وإغفال التجربة الرقمية للموظف

نظراً لغياب الرؤية الشمولية، نادراً ما يتم تهيئة وتطويع الأدوات الرقمية التي يستعين بها الموظفون وقت الحاجة الفعلية للتنفيذ بما يخدم أهداف التغيير.

إذ تتبعثر المعلومات الخاصة بالملف الواحد بين مستودعات رقمية معزولة، وتطوى الإعلانات والبرامج التدريبية في زوايا النسيان، ويغدو الوصول للوثائق التشريعية والتوجيهية ضرباً من المشقة، مما يفضي في النهاية إلى تآكل الحافز وهبوط العزائم.

وعلى نقيض هذا التخبط، نجد أن صاحب المتجر البسيط إذا أراد مغادرة محله لاستراحة قصيرة، يكتفي بوضع لافتة صغيرة على الباب ليفهم القاصي والداني الرسالة في توها. وحين يعرض بضائع جديدة عند مدخل متجره، تتدفق المبيعات بسلاسة وعفوية. وجميعنا يدرك السحر اللحظي لتلك اليافطة الحمراء الكبيرة التي تحمل كلمة ""تخفيضات"".

لقد استغرق قطاع التجزئة قروناً من الزمن ليتعلم كيف يصيغ تجارب بشرية تحفز على التغيير وتدفعه بسلاسة، وهو الدرس الذي لم تستوعبه المؤسسات والشركات الكبرى بعد في أغلب أحوالها.

ويتمثل أحد الحلول الناجعة في حصر وتجميع كافة الموارد الرقمية المعنية بملف معين في منصة موحدة، مع تقديم التغييرات الحديثة والملحة في صدارة القسم. هذا الإجراء البسيط يمكن الموظف من استيعاب المستجدات تلقائياً وبشكل طبيعي بمجرد شروعه في تنفيذ المهمة المرتبطة بها.

قصة واقعية في إدارة التغيير وفلسفة هندسة التفاعلات الرقمية

توليت على مدار ست سنوات الإشراف على المنصة الرقمية المعنية بتقييم الأداء السنوي لمصرف ضخم يضم عشرة آلاف موظف. وكأنها ضريبة الأنظمة التقنية، كان النظام يتعطل مرة واحدة كل عام لعدة ساعات. وفي المرة الأولى التي واجهنا فيها هذا العطل، تلقيت اتصالاً تقريعياً حاداً من نائب رئيس البنك، فضلاً عن سيل جارف من مكالمات الموظفين الغاضبين.

وفي العام التالي، عندما تكرر العطل الفني، قررنا تبني استراتيجية مغايرة، إذ قمنا بإدراج رسالة واضحة وجلية في ركن الصفحة الرئيسية العلوي، مفادها أن النظام يمر بفترة صيانة مؤقتة، وفريق العمل يعكف على إصلاحه، وسيعود للخدمة خلال ساعات معدودة.

فماذا كانت النتيجة؟ تلاشت الاتصالات ولم نكد نتلقى أي شكوى.

إن إعادة صياغة التجربة الرقمية للموظف أثناء تأديته لعمله، ومنحه المعلومة التي يحتاجها في وقتها الدقيق وداخل مسار تدفق أعماله، كفيل بتحويل تجربة كارثية ومكلفة إلى مجرد عارض عابر بسيط، تماماً كصاحب المتجر الذي علق لافتة الاستراحة على بابه.

هذا هو الجوهر الحقيقي للتصميم الذكي للتفاعلات الرقمية، فهو يمد جسور التواصل ويبني صرح الثقة، ومتى ما ترسخت هذه الروابط، غدا التغيير أمراً ميسوراً.

لقد عملنا على صقل هذه الآلية وتطويرها عاماً بعد عام، لتبقى عمليات الانتقال والتحول في غاية السلاسة، متكئين في ذلك على قنوات اتصال بسيطة، واضحة، وقائمة على مبدأ الخدمة الذاتية التي أنجزت الشق الأكبر من العمل بالنيابة عنا.

معالم الحل الناجع واشتراطاته

تدرك الشركات الحيوية والمرنة أن نجاح جهود التغيير مرهون بكيفية تعاطي الموظفين مع المعلومات وتفاعلهم معها أثناء ممارستهم لأعمالهم اليومية.

ويمكن للمؤسسة صياغة بيئة عمل رقمية حاضنة لإدارة التغيير عبر مسارين رئيسيين.

المسار الأول: التركيز على حزمة محدودة من التغييرات الكبرى

تقوم هذه الفكرة على اختيار الملف المحوري الذي يمثل بؤرة اهتمام الشركة في الوقت الراهن، ووضع لافتة رقمية بارزة على الواجهة الرئيسية للموقع الداخلي، تقود الموظف إلى قسم مخصص يضم كافة الأدوات والوسائل المتعلقة بهذا الملف، من مستجدات، وتوجيهات، وأفضل الممارسات، إلى جانب روابط التطبيقات الإجرائية وقنوات الدعم والمؤازرة.

وينبغي لهذا القسم أن يماثل الطابع الإعلاني الجاذب في المتاجر، بحيث: تعكس واجهات العرض الخصائص والسمات الجديدة. تسلط الحملات الترويجية الضوء على الأولويات الراهنة. يشرح المدخل الرئيسي للزائرين على الفور مبررات الاهتمام ومدى أهميته لهم.

إن قطاع التجزئة لا يتوقف عن شرح الأسباب الكامنة وراء عروضه وقيمته المضافة، وعلى المنوال نفسه، يتعين على كل قطاع خدمة داخلي أن يوضح للموظفين أبعاد الملف وأسباب صياغة هذا التغيير.

ويمتاز هذا الأسلوب بالبساطة والفاعلية العالية، غير أن مأخذه الوحيد يتمثل في وضعه حداً أقصى للموضوعات التي يمكن تسليط الضوء عليها في آن واحد.

المسار الثاني: تشييد بنية مؤسسية داعمة للتغيير بصفة بنيوية

بدلاً من الاكتفاء بإنشاء متجر فردي معزول، بادر بتشييد مركز تجاري متكامل.

ففي مراكز التسوق الكبرى، تتجدد السلع والخدمات بصفة مستمرة، ومع ذلك لا تجد مستهلكاً يشتكي من وطأة التغيير أو التخمة المعلوماتية، برغم احتواء هذه المراكز على ما يفوق مئة ألف صنف من المنتجات.

والسر في ذلك يكمن في الهيكلية المحكمة التي تتيح للرواد العثور على مبتغاهم بيسر وسهولة.

وإذا ما أسقطنا هذه الفلسفة على مركز التسوق الرقمي الخاص بمؤسستنا، نجد الآتي: يمثل كل متجر داخل المركز ملفاً موضوعياً مستقلاً. تؤول ملكية كل متجر إلى مقدم الخدمة الداخلي أو المسؤول عن هذا الملف. يركز الخطاب الأول عند العتبة على إبراز المستجدات ومسوغاتها.

وكما تحرص الهندسة المعمارية للمراكز التجارية المادية على تسهيل حركة المتسوقين وانتقالهم بين المحلات، يجب على الهندسة الرقمية للمؤسسة أن تدعم مرونة الانتقال بين مهام الموظفين المختلفة.

إن هذا البناء الهيكلي يدعم تبني قيم التغيير، ويحفز على نشر الممارسات الفضلى، ويفسح المجال لتدفق التغذية الراجعة المستمرة بين الموظفين وملاك الملفات والموضوعات.

إذا أردت لمؤسستك أن تختزل الزمن وتتبنى التغيير بوتيرة أسرع، فلا بد لك من توجيه بوصلة الاهتمام نحو موظفيك والشغف برعايتهم، بالزخم والكثافة ذاتهما اللذين توليهما المراكز التجارية الكبرى لزوارها.

إن صناعة التجربة المتميزة لا تقف عند حدود رفاهية الموظفين أو إرضاء العملاء، بل هي الركيزة الأساسية التي يقوم عليها الاستقرار المالي وتتحقق بها الربحية المستدامة للمنظومة.

مقالات ذات صلة