""الرياضيات والأرقام ليست من اختصاصي"".
""التقنيات الحديثة معقدة للغاية، ولا أظنني قادراً على مجاراتها"".
""هذا أمر مستحيل، لا يمكنني القيام به أبداً"".
هل تتردد هذه العبارات في محيطكم المهني أو الشخصي؟ حتى وإن كنتم ممن يأنفون النطق بمثل هذه الكلمات، فلا شك أنكم واجهتم في مسيرتكم أشخاصاً يتخندقون خلف هذه التبريرات الواهية؛ هرباً من استحقاقات التغيير، وتغطيةً لشعورهم الداخلي بالوجل وعدم الارتياح أمام كل ما هو جديد.
إن الطبيعة البشرية مرنة ومطواعة، وهي مهيأة دوماً للاتساع والنمو لتواكب حجم الفضاء الذي تتحرك فيه. ونحن في هذا أشبه ما نكون بأسماك الزينة الذهبية؛ إذ يظل حجمها قزماً ضئيلاً ما دامت حبيسة حوض زجاجي صغير، لكنها تمتاز بقدرة مذهلة على التمدد والضخامة إذا ما أُطلقت في مساحة رحبة. صحيح أن بعض القيود التي تكبل طموحاتنا تأتي من الخارج وتفرضها ظروف خارجة عن إرادتنا، إلا أن الطامة الكبرى تكمن في أولئك الذين يرتضون العيش في زواياهم الضيقة بملء إرادتهم، ثم يوسعون بيئتهم لومًا وتقريعًا بسبب ضيق حدودها!
إننا في كل مرة نردد فيها عبارة ""لا أستطيع""، نبني بأيدينا جداراً جديداً في سجننا الاختياري. فماذا لو استبدلنا تلك النغمة المحبطة بنهج أكثر وعياً، وتعلمنا أن نقول: ""لم أتعلم كيف أنجز هذا الأمر بعد""؟ في تلك اللحظة بالذات، ستتداعى الجدران والقيود من حولنا، وتتدفق إلى واقعنا سيل من الاحتمالات والآفاق البكر.
وحتى تتضح الصورة، سأشارككم تجربة حية تعكس حجم القفزة التي يمكن أن نحققها عندما تتجذر ثقافة التعلم في وجداننا، ونتبنى عقلية التمدد والانطلاق.
الحوار الذي فجر القلق
في مطلع هذا العام، واجه فريق المحتوى في مؤسسة ""أكشنابل"" تحدياً جوهرياً؛ إذ تبين أننا بحاجة ماسة إلى قراءة رقمية دقيقة وعميقة لمستوى أداء مواقعنا الإلكترونية. وخضت حينها نقاشات مستفيضة مع مديري المباشر وزملائي في الفريق، تملكتنا خلالها مشاعر الإحباط؛ فبالرغم من أننا كنا نبذل قصارى جهودنا لنشر محتوى متميز ومبدع أسبوعاً بعد أسبوع، إلا أن هذه الجهود لم تكن تترجم إلى أرقام تعكس زيادة في حركة المرور على الموقع، أو قفزة في مؤشرات الأداء الرئيسية. كنا نغرق في بحر من التخمينات والافتراضات حول الأسباب، لكننا كنا نفتقر إلى الأداة الحقيقية لاختبار صحة هذه الفرضيات، وهي: قراءة البيانات.
وأجدني مدفوعاً بصدق الاعتراف بأن هذه النقاشات قد أيقظت في نفسي هواجس قديمة من القلق؛ فعندما كنت أخوض المقابلات الشخصية للالتحاق بهذه الوظيفة، نجحت في إقناع نفسي بأن المؤسسة ستبحث حتماً عن خبير تخصصي يمتلك مهارات تقنية لا أتقنها؛ مثل التعامل مع أدوات التحليل المتقدمة، وصياغة استراتيجيات تحسين محركات البحث، وإدارة اختبارات المقارنة الثنائية. شعرت حينها بضعف أدواتي الفنية في هذا الجانب، وكان هذا مجرد رد فعل عاطفي غريزي بدافع حماية الذات من صدمة الرفض؛ فقد كنت متيماً بهذه الوظيفة إلى حد جعلني أوقن أن عدم قبولي سيحطمني تماماً، فبادرت بصياغة قصة وهمية في عقلي تتهم مؤهلاتي بالقصور. تراجعت حينها إلى مربع ضيق، وحاولت جاداً كبح جماح طموحي وتفكيري المنفتح، وبالغت في إقناع نفسي بهذه الفكرة لدرجة أنه عندما أتاحت لي ""أليسا"" فرصة سماع خبر قبولي السعيد، تملكني ذهول عارم وعقدت المفاجأة لساني، فلم أستطع النطق سوى بعبارات مقتضبة من قبيل: ""هذا نبأ لا يصدق""، وتظل تلك المكالمة حتى اليوم طيفاً ضبابياً جميلاً في ذاكرتي.
بناءً على هذه الخلفية، كان الجانب الرقمي والتحليلي يمثل وتراً حساساً ومنطقة ضعف أتحاشى الاقتراب منها، ولكن أمام إصرار الفريق وحاجتنا الماسة لقرائن ملموسة نقيس بها تقدمنا ونحدد مسارنا الصحيح، قررت أن أبتلع مخاوفي، وألقي بكل ثقلي في خضم هذا التحدي.
التحول من التخبط إلى الفعل
في البداية، لم أخلُ من تعثر وتخبط؛ فكنت أبحر عشوائياً في الفضاء الرقمي، ألتهم المقالات التي تشرح الأرقام والمؤشرات الأكثر دقة في تقييم المواقع، وتابعت بعض الندوات الافتراضية حول أسرار استخدام تحليلات جوجل، وناقشت المعضلات مع الفريق. وفي تلك الأثناء، بدأت زميلتي ""أليشا"" دورة متخصصة في التسويق الرقمي، وكانت تمدني بكل سخاء بقطوف مما تتعلمه أولاً بأول. وقمت ببناء بعض الجداول البيانية البدائية والمشوشة التي لم تكن تغني من جوع ولم تقدم لنا أي إجابة شافيه حول مستوى تقدمنا، وكنا نتدارسها سوياً بنوع من الحيرة.
ولكن بعد أسابيع من الجهد، حدثت الانعطافة الفكرية الكبرى التي غيرت كل شيء؛ إذ أدركت فجأة أن هذه الأرقام الجامدة الصامتة ليست سوى لغة مشفرة تحاول سرد قصة إنسانية مشوقة! لم يكن الأمر مجرد حسابات جافة أو جداول صماء، وهي الأشياء التي لطالما تبرأت منها قائلاً ""أنا لست بارعاً فيها""، بل كانت رواية نابضة بالحياة تعكس بدقة كيفية تفاعل البشر مع المادة التي نقدمها لهم. وهنا التقت الأرقام بشغفي؛ فسرد القصص وصياغة الروايات يقع في سويداء قلبي وفي صميم مهاراتي الإبداعية. ركزت على مقياس واحد جوهري يخدم طبيعة عملي، وهو رصد عدد مشاهدات الصفحات لكل تدوينة على كل موقع من مواقعنا، وبدأت في تجميع البيانات وتصنيفها، لتلوح أمامي الأنماط والملامح بوضوح. أضفت بعض الرموز الملونة لتسهيل القراءة البصرية، وعملت على صقل هذه العملية وتطويرها مع الفريق لاستجلاء الحكاية التي ترويها لنا البيانات، وكيفية توظيفها لاختبار فرضياتنا وتصحيح مسارنا.
البصيرة وثمار التجربة
اليوم، أصبحنا نمارس التدبر وإعادة النظر في كيفية توظيف البيانات لترشيد أنشطتنا وتوجيه بوصلتنا يوماً بعد يوم؛ فنحن نصيغ الفرضية، ونخضعها للتجربة العملية، ثم نجلس سوياً لتقييم النتائج واستخلاص العِبر. ورغم أن الطريق لا يزال ممتداً أمامنا، إلا أنني على يقين تام بأننا سنبلغ غايتنا بفضل هذا الفريق الاستثنائي الذي يحيطني بالدعم.
إن من أبهى المزايا التي يتسم بها العمل في ""أكشنابل"" تكمن في أن الجميع بلا استثناء يمتلكون مرونة وشجاعة لتجربة كل ما هو جديد، وإنجاز المهام بتكيف وسرعة أثناء الحركة، واختبار الأساليب وتطويرها، والتعلم المستمر مع كل شروق جديد. هذا هو الأثر السحري لبيئة العمل الحاضنة لثقافة التعلم؛ حيث تجد نفسك مدفوعاً بكل ثقة لتقول: ""لا أتقن هذا الأمر بعد، فلتصبروا معي قليلاً حتى أستكشف أسراره"". وخلال الأشهر الثمانية التي قضيتها هنا، لم يمر بي موقف واحد شعرت فيه بالخجل أو التقليل من شأني لمجرد أنني طرحت سؤالاً استيضاحياً، أو شعرت بالفشل لأنني لم أكن أملك الإجابة الجاهزة مسبقاً. إنها بيئة مفعمة بالحيوية والتحفيز؛ فهذه المشاعر الممتزجة بالرهبة والغموض عند جهل المرء بأمر ما، يتبعها شغف عارم وفرحة غامرة عند فك شفرته وفهمه، وهو ما يمدني بطاقة متجددة لخوض غمار مشاريع جديدة والترحيب بها.
لقد حصدت من العمل هنا معارف وخبرات تفوق ما يمكن حصره في سطور مقال؛ ولعل أثمن درس خرجت به يتجاوز تفاصيل العمل اليومي ليمس مفهوم التعلم ذاته؛ ففي كل صباح، أجد نفسي أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستسلام للغة العجز فأقول ""أنا لا أحسن هذا"" أو ""ليتولى غيري هذه المهمة""، أو أن أختار لغة الطموح فأقول ""لم أتعلم هذا بعد""، فأشمر عن ساعد الجد وأبدأ رحلة الاستكشاف.
وأود أن أختم حديثي معكم بهذه الصورة المجازية الملهمة؛ فقد أتيحت لي فرصة العمل سابقاً في مطعم كان يضع أسماك الزينة الذهبية كجزء من جماليات المكان، وكانت تلك الكائنات الرقيقة تعيش في أحواض زجاجية ضيقة تحت رحمة أصابع الأطفال الصغار وإزعاجهم المستمر، فكانت حياتها قصيرة ومحدودة بحدود زجاجها. وفي نهاية الموسم، شق أحد زملائي في العمل عصا الشفقة عليها فقرر نقل الأسماك المتبقية إلى بيته، وأطلق لها العنان في حوض أسماك منزلي عملاق. وبعد مضي أشهر، لبيت دعوة عشاء في منزله، وكم كانت دهشتي عارمة حينما رأيت أن تلك الأسماك الذهبية القزمة قد تضخمت ونمت جميعها ليصبح حجمها أكبر من قبضة اليد! فبمجرد أن زالت عنها قيود المساحة الضيقة وحظيت بالرعاية الكافية، انطلقت في النمو بسرعة فائقة تكاد تقترب من الغرابة.
إنني أستحضر صورة تلك الأسماك كثيراً في ذهني، وأحب دائماً أن أتخيل أنه لا توجد حدود تقف في وجه نموها، وأنه لو قدر لزميلي أن يلقي بها في عرض المحيط الواسع، لتكيفت مع أمواجه العاتية ونمت بشكل مهيب لتصبح من ملوك البحر. ونحن كذلك بني البشر؛ نختزن في أعماقنا طاقات هائلة للنمو والارتقاء اللامحدود، لكن الخطوة الأولى والأساسية في هذه الرحلة تفرض علينا أن نمتلك الشجاعة الكافية لكسر الأحواض الزجاجية الضيقة التي سجنّا فيها عقولنا طواعية.
