القائمة الرئيسية

قلل من نفايات التعلم: تغييرات صغيرة تُحقق نتائج كبيرة

قلل من نفايات التعلم: تغييرات صغيرة تُحقق نتائج كبيرة
ملخص المقال

في مقال نشره موقع Actionable للكاتبة لويز ديفيس، تستعرض الكاتبة كيف يمكن للتحولات الكبيرة أن تبدأ بتغييرات سلوكية صغيرة، مستلهمة قصة نجاح شركة KeepCup التي انطلقت من فكرة بسيطة تتمثل في تقليل استخدام الأكواب الورقية عبر بديل قابل لإعادة الاستخدام، قبل أن تتحول إلى حركة عالمية ذات أثر بيئي واسع. وتستخدم الكاتبة هذه القصة لتسليط الضوء على مشكلة مشابهة في مجال التعلم والتطوير داخل المؤسسات، حيث يتم إنفاق مليارات الدولارات على التدريب دون أن ينعكس ذلك غالبًا على تغييرات سلوكية مستدامة في بيئة العمل، مما يؤدي إلى ما يشبه “هدرًا تعليميًا”. وتجادل بأن التحدي الحقيقي ليس في جودة التدريب بل في ضمان انتقال المعرفة إلى الممارسة اليومية، عبر التركيز على تغييرات صغيرة قابلة للتطبيق والتكرار حتى تتحول إلى عادات مهنية راسخة، مؤكدة أن الأثر التراكمي لهذه التحولات البسيطة يمكن أن يكون عميقًا ومستدامًا على الأفراد والمؤسسات.

بقلم: لويز ديفيس

كثيرًا ما تبدأ التحولات الكبرى بفكرة بسيطة. خلال رحلة عمل قادتني مؤخرًا إلى مدينتي ملبورن وسيدني، لفت انتباهي انتشار استخدام أكواب القهوة القابلة لإعادة الاستخدام. رأيتها في المقاهي، وفي الشوارع، وفي المصاعد، وداخل وسائل النقل العام. لم تكن فكرة الأكواب القابلة لإعادة الاستخدام جديدة بالنسبة لي، فأنا لست معزولًا عن العالم وأمتلك عددًا منها بالفعل. لكن ما شد انتباهي هو أن استخدامها لم يعد مجرد خيار فردي أو توجه محدود، بل أصبح ممارسة يومية راسخة لدى عدد متزايد من الناس.

وأعجبتني كثيرًا قصة شركة KeepCup، وهي علامة تجارية انطلقت من مقهى صغير في ملبورن قبل أن تتحول إلى قوة عالمية في مجال الاستدامة. بدأت الفكرة بمهمة بسيطة للغاية: تقليل الأثر البيئي للأكواب الورقية أحادية الاستخدام التي يستهلكها زبائن مقهى واحد في ملبورن تملكه أبيغيل فورسيث وشقيقها.

وفي ملبورن، التي تشتهر بثقافة القهوة الرفيعة وبتذوق سكانها الدقيق لجودة المشروبات، اكتشف المؤسسون فجوة واضحة في السوق. فالأكواب الزجاجية والخزفية المتاحة آنذاك لم تكن جذابة من الناحية العملية، كما أنها كانت تتطلب تسخينًا مسبقًا للحصول على النسبة المناسبة من الحليب، أو كان لا بد من سكب الإسبريسو فيها بطريقة تؤثر سلبًا على طبقة الرغوة المميزة للقهوة. لذلك صممت KeepCup حلًا يجمع بين الاستدامة والجاذبية البصرية والحفاظ على جودة القهوة وتجربتها الأصلية، وهي عناصر كانت ضرورية للسوق الذي تستهدفه.

إن التحولات السلوكية الصغيرة تتراكم بمرور الوقت وتنتج أثرًا هائلًا. فمنذ إطلاق KeepCup عام 2009، ساهمت منتجاتها في منع وصول مليارات الأكواب أحادية الاستخدام إلى مكبات النفايات، وهو ما يمثل أثرًا بيئيًا عالميًا بالغ الأهمية.

وما يثير اهتمامي في هذه القصة أن أصحابها لم ينطلقوا بهدف تغيير الثقافة الاستهلاكية السائدة أو إحداث ثورة عالمية ضد النفايات. لقد ركزوا ببساطة على مشكلة محددة، وعلى تعديل سلوك الأشخاص الذين يخدمونهم. أما التحول الثقافي الأوسع فقد جاء لاحقًا كنتيجة طبيعية لذلك.

دفعتني قصة KeepCup إلى التفكير في حجم الهدر الذي يحدث سنويًا في قطاع التعلم والتطوير. فبالنسبة للمستشارين العاملين في هذا المجال، تتمثل الخدمات الأساسية في تقديم البرامج التدريبية المباشرة، وجلسات التدريب الفردية، والمساعدة في تطبيق المبادرات الاستراتيجية على مستوى المؤسسات. ونحن نبذل جهدًا كبيرًا لتبسيط المفاهيم المعقدة لعملائنا وفرقهم، حتى يتمكنوا من تحقيق أهداف مؤسساتهم بكفاءة أكبر.

ورغم جودة هذه البرامج وما تحققه من تفاعل إيجابي، فإن هناك شعورًا متزايدًا بالإحباط لدى المستشارين والعملاء على حد سواء. ويتمثل هذا الإحباط في سؤال جوهري: كيف نجعل التعلم يترسخ فعلًا داخل بيئة العمل؟

تشير الأبحاث إلى أن المؤسسات في الولايات المتحدة وحدها تنفق أكثر من 70 مليار دولار سنويًا على التدريب في أماكن العمل. ومع ذلك، إذا لم ينعكس هذا التدريب على شكل تغييرات سلوكية حقيقية لدى الأفراد، فإن جزءًا كبيرًا من هذا الاستثمار يضيع هباءً، ويُترك ليتراكم في ما يمكن تسميته ""مكب النفايات التعليمي"".

ويواصل قطاع الاستشارات والتطوير المهني تغيره باستمرار. فالعملاء اليوم يبحثون عن حلول مختلفة للتعلم والتطوير، حلول تكون أكثر كفاءة من حيث التكلفة، وأكثر قدرة على مساعدة المؤسسات على التكيف والازدهار في بيئات أعمال يُطلب فيها تحقيق المزيد بموارد أقل وخلال فترات زمنية أقصر.

وسيظل التعلم داخل القاعات التدريبية والفعاليات المباشرة جزءًا أساسيًا من التطوير المهني، وهو أمر إيجابي للمستشارين، حتى في ظل ازدحام السوق وتزايد انتقائية العملاء وتراجع استثماراتهم في المبادرات التدريبية الضخمة.

لكن التحدي الحقيقي، وفي الوقت نفسه الفرصة الحقيقية، يكمن في ضمان انتقال التعلم إلى الممارسة الفعلية.

كيف يمكن التأكد من أن لحظات الإدراك المهمة التي يعيشها المشاركون داخل الورش التدريبية تتحول إلى ممارسات يومية بعد عودتهم إلى مكاتبهم؟

وكيف يمكن قياس انتقال التعلم إلى بيئة العمل دون أن يتحول ذلك إلى عبء إضافي على الوقت أو الميزانية؟

وهل يعرف المستشارون والعملاء فعلًا حجم الأثر الذي يتركه التعلم بعد انتهاء البرنامج التدريبي؟

يبدو أننا نواجه بالفعل مشكلة هدر في مجال التعلم. بل إنني أذهب إلى حد القول إن ثقافة التعلم السائدة يمكن وصفها بأنها ثقافة ""استهلاك لمرة واحدة""، لأن معظم ما يُتعلم يبقى داخل قاعة التدريب ولا يغادرها.

فالمشاركون الذين ينهون برنامجًا تدريبيًا عالي الجودة يغادرون عادة وهم متحمسون ومندمجون ومستعدون لتغيير أساليب عملهم. لكن الحماس وحده لا يكفي.

فعندما يعود هؤلاء المشاركون إلى مكاتبهم ويواجهون ضغوط العمل اليومية ومتطلباته المتراكمة، سرعان ما يعودون إلى عاداتهم القديمة. وتُدفن ملاحظاتهم التدريبية تحت أكوام من المهام الأكثر إلحاحًا، وتبقى هناك حتى يعثروا عليها مصادفة عند تنظيف مكاتبهم بعد فترة طويلة، وغالبًا ما ينتهي بها الأمر في سلة المهملات.

تحرص المؤسسات اليوم على تقليل بصمتها البيئية من خلال خفض استهلاك الورق وتقليل النفايات وتحسين كفاءة استخدام الطاقة وغيرها من المبادرات المهمة والمبررة. لكن ماذا عن استدامة التعلم؟

كيف يمكن للمؤسسات أن تقلل الهدر الناتج عن استثماراتها في التدريب والتطوير؟

تخيل لو أن عملاءك امتلكوا وسيلة حقيقية لإعادة استخدام التعلم داخل بيئة العمل. لا أقصد إعادة تطبيق البرنامج التدريبي بأكمله أو إجراء تغيير جذري في طريقة أداء العمل بعد كل دورة تدريبية. وإنما ماذا لو استطاع كل شخص أن يأخذ معه فكرة واحدة، أو مهارة واحدة، أو بصيرة واحدة من البرنامج، ثم يطبقها باستمرار في عمله اليومي حتى تتحول مع الوقت إلى عادة جديدة أو سلوك جديد يصبح جزءًا من ممارسته المهنية؟

إذا حدث ذلك على نطاق واسع، فإن الأثر التراكمي قد يكون هائلًا ومستدامًا.

لو أن KeepCup حاولت منذ البداية إحداث تغيير جذري في كل ما يتعلق بسلوك المستهلكين تجاه البيئة، فمن المرجح أنها لم تكن لتحقق النجاح الذي حققته اليوم. لكنها ركزت على تغيير سلوكي واحد بسيط: حمل كوب قابل لإعادة الاستخدام بدلًا من الحصول على كوب ورقي جديد عند شراء القهوة.

ومن خلال هذا التغيير الصغير استطاعت أن تُحدث أثرًا كبيرًا.

وأظن، وإن لم أمتلك بيانات تؤكد ذلك، أن هذا التغيير السلوكي أدى إلى سلسلة من التغييرات الأخرى. فعندما يعتاد شخص ما على حمل كوبه القابل لإعادة الاستخدام باستمرار، يبدأ تدريجيًا بالبحث عن وسائل أخرى لتقليل أثره البيئي. وقد يتحول استخدام زجاجات المياه القابلة لإعادة التعبئة أو أكياس التسوق القابلة لإعادة الاستخدام إلى عادات يومية كذلك.

وأعتقد أن مجال التعلم بحاجة إلى ما يشبه KeepCup.

نحن بحاجة إلى التركيز على تغييرات سلوكية صغيرة ومتدرجة تتراكم مع الوقت وتتحول إلى حركة واسعة النطاق.

تخيل لو أنك، بصفتك مستشارًا، استطعت أن تُظهر لعملائك الفكرة أو المهارة الأكثر تأثيرًا بالنسبة لكل مشارك في البرنامج، وأن تتابع كيف يطبقها في عمله اليومي.

كيف سيتطور عملك إذا امتلكت آلية فعالة لنقل خبراتك وأفكارك تضمن حدوث تغييرات سلوكية مستدامة وقابلة للقياس داخل المؤسسة؟

وكيف سيكون موقعك التنافسي في السوق إذا استطعت أن تتميز بنظام يساعد العملاء على التركيز على عنصر تعلم واحد مهم، ثم تطبيقه باستمرار في أنشطتهم اليومية وتحقيق تحسينات تدريجية مستمرة في سلوكهم وأدائهم؟

هذا هو جوهر ما نركز عليه في Actionable. ففي عالم تتزايد فيه الضغوط والمتطلبات باستمرار، نريد أن نمنح الناس فرصة لتحويل التعلم إلى ممارسة حقيقية داخل أماكن عملهم. نريد أن نتيح لهم بناء عادات صغيرة تجعلهم أفضل بمرور الوقت، لأنهم يرغبون في ذلك، لا لأن أحدًا طلب منهم ذلك.

لنكن واقعيين: نحن نحب فكرة التغيير، لكننا لا نحب الجهد الذي يتطلبه تحقيقه.

فنحن نستمتع براحة الوضع الحالي وألفته، ونتمنى لو أمكننا الانتقال مباشرة إلى الحالة المستقبلية الأفضل دون المرور بمراحل التغيير الصعبة. لكن عملية الانتقال نفسها شاقة، وعندما تصبح مجرد مهمة إضافية تضاف إلى قائمة طويلة أصلًا من المسؤوليات اليومية، فمن السهل أن يشعر الإنسان بالضيق ويفقد حماسه.

وهذا ما يحدث غالبًا مع تطبيق التعلم في بيئة العمل. ففي البداية يكون الناس متحمسين ومُلهمين، لكن ممارسة سلوك جديد وغير مألوف يومًا بعد يوم تصبح أكثر صعوبة.

فالوقت محدود، والبالغون بطبيعتهم لا يحبون الفشل. نحن نريد أن ننجح من المحاولة الأولى. وعندما لا يحدث ذلك، يصبح الاستسلام خيارًا سهلًا.

وفوق ذلك كله، عندما يغيب دعم الإدارة العليا أو عندما لا يلتزم القادة أنفسهم بتجسيد السلوك المطلوب، فإن الوقت والطاقة والانتباه تُهدر بلا شك.

لقد كانت فكرة KeepCup في الأصل محاولة لمعالجة مشكلة محلية محدودة. لم يكن هدفها تغيير العالم أو إطلاق حركة عالمية. لكنها استطاعت أن تلامس حسًا اجتماعيًا مشتركًا لدى الناس.

ومن دون أن يضطر المستخدمون إلى إحداث تغييرات كبيرة في حياتهم اليومية، أصبحوا يدركون أن استخدام كوبهم القابل لإعادة الاستخدام يمثل فعلًا صغيرًا لكنه مستمر، وأن هذا الفعل يحدث فرقًا حقيقيًا مع مرور الوقت، سواء لهم شخصيًا أو للعالم الذي يعيشون فيه.

وبالطريقة نفسها، يمكننا أن نتعامل مع تطبيق التعلم باعتباره سلسلة من الأفعال الصغيرة المتكررة التي تخلق قيمة مستدامة بمرور الزمن، تمامًا كما يفعل كوب KeepCup.

وكما تقول مؤسسة KeepCup أبيغيل فورسيث:

«إن عددًا كبيرًا من الأفعال الصغيرة قادر على إحداث فرق استثنائي».

المصدر

مقالات ذات صلة