بقلم: لورا كريستان
هناك مقولة شائعة تقول: «put your money where your mouth is». والمقصود منها أن تكون أفعالك منسجمة مع ما تؤمن به وتدعو إليه. غير أن تطبيق هذه الفكرة لا يقتصر على المبادئ والقيم، بل يمتد إلى الطريقة التي نستثمر بها وقتنا وأموالنا في تطوير أنفسنا وأعمالنا.
أعمل مع عدد كبير من المستشارين والمدربين الذين يساعدون المؤسسات على تطوير فرقها وتحسين أدائها. وخلال السنوات الأخيرة، أصبح العملاء أكثر حرصًا على معرفة العائد الفعلي من الأموال التي ينفقونها على التدريب والتطوير. فعندما تستعين مؤسسة بمستشار أو مدرب لمعالجة مشكلة معينة أو تحقيق هدف محدد، فإنها لا تبحث عن تجربة ممتعة أو محتوى جيد فحسب، بل تتوقع نتائج ملموسة يمكن قياسها وملاحظتها.
لكن السؤال الذي يغفل عنه كثير من المستشارين والمدربين هو: هل نطبق هذا المبدأ على أنفسنا؟
عندما تستثمر في تطويرك المهني، ما العائد الذي تحققه فعليًا من هذا الاستثمار؟
فكر في جميع المبالغ التي دفعتها خلال الأشهر الماضية لحضور مؤتمر أو المشاركة في دورة تدريبية أو التسجيل في برنامج تطوير مهني أو حضور ندوة عبر الإنترنت. فكر أيضًا في الساعات التي قضيتها في تعلم تطبيق جديد، أو تجربة أداة حديثة، أو متابعة سلسلة من الدروس التعليمية. فالوقت الذي تستثمره له قيمة مالية حقيقية، حتى وإن لم تدفع مقابله مبلغًا مباشرًا.
والسؤال الجوهري هنا هو: ماذا حققت نتيجة لذلك؟
فالمال الذي أنفقته قد لا يعود، والوقت الذي مضى لن يعود بالتأكيد. لذلك من الطبيعي أن تسأل نفسك: هل أثمر هذا الاستثمار عن نتائج تستحق ما دفعته من وقت ومال؟
متى كانت آخر مرة وضعت خطة واضحة بعد حضور دورة أو مؤتمر؟ متى كتبت أهدافًا محددة والتزمت بتحقيقها خلال فترة زمنية معينة؟ وهل ما زلت تسير نحو تلك الأهداف، أم أن الحماس الذي صاحب بداية التجربة تلاشى تدريجيًا، وانتهت الملاحظات التي كتبتها في ملف منسي أو دفتر مغلق على أحد الرفوف؟
كثيرون يجمعون الأفكار، لكن القليل منهم يحولها إلى أفعال.
دعنا نتوقف قليلًا ونراجع استثماراتنا في أنفسنا بطريقة عملية.
ابدأ بحساب كل ما أنفقته خلال الأشهر الستة الماضية على التطوير المهني. أضف رسوم الدورات التدريبية، وتكاليف المؤتمرات، ومصاريف السفر والإقامة المرتبطة بها، ورسوم الاشتراكات والبرامج التعليمية.
بعد ذلك، احسب قيمة الوقت الذي استثمرته. كم ساعة قضيتها في التعلم؟ وكم تساوي ساعة عملك؟ عندما تضرب عدد الساعات في قيمة الساعة الواحدة ستحصل على التكلفة الحقيقية لاستثمارك.
بعد أن تنتهي من الحسابات، اسأل نفسك عن الهدف الذي كان وراء كل استثمار قمت به.
هل كنت تسعى إلى اكتساب مهارة جديدة؟
هل كنت ترغب في توسيع شبكة علاقاتك المهنية؟
هل كنت تخطط للحصول على عملاء جدد؟
هل كنت تريد تطوير خدماتك أو زيادة دخلك؟
وإذا لم يكن لديك هدف واضح أصلًا، فما الذي دفعك إلى إنفاق هذا الوقت أو المال؟
ثم عد إلى ملاحظاتك القديمة. افتح الملفات والعروض التقديمية والدفاتر التي سجلت فيها الأفكار والإجراءات التي وعدت نفسك بتنفيذها.
كم عدد الخطوات التي نفذتها بالفعل؟
وكم عدد الخطوات التي ما زالت حبرًا على ورق؟
كل خطوة أنجزتها تستحق التقدير، لأنها تمثل انتقالًا من مرحلة المعرفة إلى مرحلة التطبيق. لكن الأهم هو النظر إلى ما لم يتم إنجازه بعد.
اسأل نفسك بصدق: هل كانت تلك الإجراءات ضرورية فعلًا؟ أم أنها مجرد أفكار جيدة بدت جذابة في وقتها لكنها لم تكن ذات أولوية حقيقية؟
في بعض الحالات، قد تكتشف أن بعض الأفكار لم تكن تستحق التنفيذ أصلًا، وهذا أمر طبيعي. لكن في حالات أخرى ستجد أن هناك فرصًا حقيقية ضاعت لأنك لم تتابع ما التزمت به.
ولنفترض المثال التالي:
استثمرت خلال ستة أشهر ما مجموعه خمسة آلاف دولار في الدورات التدريبية والمؤتمرات والسفر والوقت المخصص للتطوير المهني.
وكان هدفك أن تحقق عشرة آلاف دولار من الأعمال الجديدة نتيجة المهارات والعلاقات التي اكتسبتها من تلك الاستثمارات قبل نهاية العام.
وخلال هذه الفترة خرجت بخمس وعشرين خطوة عملية، مثل التواصل مع عملاء محتملين جدد، ومتابعة العلاقات التي بنيتها، وتطوير العرض التعريفي لخدماتك، وإنشاء قوالب جديدة للمقترحات والعروض.
لكنك أنجزت خمس عشرة خطوة فقط، بينما بقيت عشر خطوات مهمة دون تنفيذ.
في هذه الحالة يمكن القول إن جزءًا معتبرًا من استثمارك لم يحقق العائد المتوقع منه. وإذا افترضنا أن الإجراءات غير المنجزة تمثل نحو أربعين في المئة من قيمة الفرص المتاحة، فإن ما يقارب ألفي دولار من استثمارك الأصلي لم يحقق أي قيمة فعلية.
وبالمنطق نفسه، إذا كان هدفك تحقيق عشرة آلاف دولار من الأعمال الجديدة، فقد تجد نفسك في نهاية العام قريبًا من ستة آلاف دولار فقط، لأنك لم تنفذ جميع الخطوات التي كان من المفترض أن تقودك إلى تحقيق الهدف الكامل.
صحيح أن قياس العائد المباشر من التعلم والتطوير ليس بالأمر السهل دائمًا. فليست كل دورة تدريبية تؤدي مباشرة إلى زيادة في الإيرادات، وليست كل علاقة مهنية جديدة تتحول فورًا إلى فرصة عمل.
لكن صعوبة القياس لا تعني استحالته.
كما أنها لا تعني أن نتعامل مع استثماراتنا المهنية بعشوائية أو دون متابعة.
فكر في الأمر من زاوية مختلفة.
هل تنصح أحد عملائك بإنفاق آلاف الدولارات على خدمات استشارية دون أن يفكر مسبقًا في النتائج التي يتوقع تحقيقها؟
هل ستطلب منه أن يستثمر في مشروع دون أن يحدد أهدافًا واضحة أو مؤشرات للنجاح؟
بالطبع لا.
إذن لماذا نتساهل مع أنفسنا في أمور لا نقبلها لعملائنا؟
الحقيقة أن الاستثمار في الذات لا يختلف كثيرًا عن أي استثمار آخر. فكل ريال أو دولار تنفقه، وكل ساعة تخصصها للتعلم أو التطوير، يجب أن تكون مرتبطة بهدف واضح وخطة عملية ومتابعة مستمرة.
وفي عملي كمدرب أعمال استراتيجي، أساعد المستشارين على رؤية الإمكانات الكامنة في أعمالهم، وأدعمهم في التفكير في طرق النمو والتوسع بعيدًا عن النموذج التقليدي القائم على بيع الوقت مقابل المال. كما أساعدهم على التحول إلى مستشارين موثوقين يقدمون قيمة استراتيجية حقيقية لعملائهم.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة لا يحدث بين ليلة وضحاها.
فكل مستشار له ظروفه الخاصة، وعملاؤه المختلفون، وأسلوبه الفريد في العمل. ولذلك فإن مساعدته على رؤية الصورة الكبيرة واستيعاب الفرص المستقبلية تحتاج إلى وقت وجهد.
وعندما يتعلق الأمر بالقرارات المالية، تظهر معادلة صعبة تتمثل في الموازنة بين احتياجات اليوم ومتطلبات المستقبل.
وهنا تعود بنا الفكرة إلى البداية.
إذا كنت تستثمر وقتك وأموالك، فما النتيجة التي تتوقع تحقيقها من هذا الاستثمار؟
فكما أن عملاءك يدفعون مقابل نتائج محددة، يجب أن يكون لكل استثمار تقوم به في نفسك نتيجة واضحة تسعى للوصول إليها.
لذلك، في المرة القادمة التي تقرر فيها التسجيل في دورة جديدة أو حضور مؤتمر أو شراء برنامج تدريبي، توقف قليلًا واسأل نفسك:
ما الهدف الذي أسعى إليه؟
ما النتيجة التي أريد تحقيقها؟
كيف سأقيس نجاح هذا الاستثمار؟
وما الخطوات العملية التي سألتزم بتنفيذها بعد انتهاء التجربة؟
إن الرغبة في التعلم والتطور قيمة عظيمة بحد ذاتها، لكنها لا تكفي وحدها. فالمعرفة التي لا تتحول إلى تطبيق تبقى مجرد معرفة، والأفكار التي لا تتبعها أفعال تظل مجرد نوايا حسنة.
ومن دون خطة واضحة ومتابعة جادة، ستترك جزءًا من أموالك ووقتك على الطاولة دون أن تستفيد منهما كما ينبغي.
قد تكون قادرًا على تحمل هذه الخسارة، لكن السؤال الأهم هو: هل ترغب فعلًا في ذلك؟
عامل نفسك وعملك بالمعايير نفسها التي تطبقها مع عملائك. ضع أهدافًا واضحة، وحدد النتائج التي تسعى إليها، والتزم بالتنفيذ والمتابعة.
وعندها فقط سيصبح استثمارك في نفسك استثمارًا يحقق عائدًا حقيقيًا، لا مجرد تجربة أخرى تضاف إلى قائمة التجارب المنسية.
