بقلم: مارك فيفر
أصبح من الواضح أن إثبات قيمة الذكالي داخل المؤسسات ليس مهمة سهلة، ويزداد الأمر تعقيداً عندما يتعلق الأمر بإدارات الموارد البشرية حيث تتضاعف التحديات وتتداخل العوامل.
المال يظل هو المؤشر الأوضح. فقرارات الشراء داخل الشركات تكشف بجلاء عن نوع القدرات التي تعتبرها هذه الشركات ذات قيمة حقيقية في الذكالي وما الذي تستحق أن تدفع مقابله.
وفي الوقت نفسه، تجد الشركات المزودة لحلول الذكالي نفسها منشغلة أيضاً بالسؤال المالي، وهي تحاول تحديد نماذج التسعير التي تناسب منتجاتها الجديدة. ففي السابق، كانت شركات مثل أبل وجوجل وسامسونج تعتمد على إضافة مزايا جديدة ومحسنة لدفع المستخدمين إلى ترقية أجهزتهم وقبول أسعار أعلى. أما اليوم فقد تغير المشهد، إذ أصبح الذكالي يقدم بوصفه منتجاً مستقلاً بحد ذاته. فعلى سبيل المثال تفرض مايكروسوفت رسوماً إضافية تصل إلى ثلاثين دولاراً شهرياً مقابل استخدام خدمة Copilot ضمن Microsoft 365.
غير أن صحيفة وول ستريت جورنال أشارت في أحد مقالاتها إلى أن مراكز البيانات الجديدة والرقائق المتقدمة لن تتمكن من تغطية تكاليفها من تلقاء نفسها.
سوق الذكالي لا يزال في مراحله الأولى، والشركات ما زالت مترددة في ضخ استثمارات كبيرة، وهذا يضع مزودي الحلول أمام حالة من التجربة المستمرة لاكتشاف ما الذي يجب تطويره وما هي التكلفة المناسبة التي يمكن أن يتحملها المستخدم.
عائد الاستثمار في الذكالي داخل الموارد البشرية
تواجه الموارد البشرية تحدياً خاصاً عندما يتعلق الأمر بعائد الاستثمار من الذكالي، وكذلك من التكنولوجيا بشكل عام. فكثير من المؤسسات لا تستفيد بالكامل من الميزانيات التي تخصصها لتقنيات الموارد البشرية. وتشير تقارير غارتنر إلى أن نسبة قليلة لا تتجاوز الربع من المتخصصين في الموارد البشرية يعتقدون أن مؤسساتهم تستفيد من الإمكانات الكاملة للأنظمة التقنية لديهم، بينما يرى فقط خمسة وثلاثون في المئة أن استخدام التكنولوجيا الحالي يمكن ربطه بشكل واضح بنتائج الأعمال.
ويشير مارك ويتل، نائب الرئيس الاستشاري في ممارسة الموارد البشرية لدى غارتنر، إلى أن قادة الموارد البشرية يدركون أهمية التكنولوجيا وتأثيرها، لكنهم ما زالوا يواجهون صعوبة في تحقيق أقصى استفادة منها. ويؤكد أن الهدف لا ينبغي أن يكون تعظيم قيمة التكنولوجيا للموارد البشرية فقط، بل تعظيم القيمة التي يمكن أن تقدمها للمؤسسة بأكملها.
هذا الانفصال بين القدرات الفعلية والنتائج المتحققة قد يعود إلى طرح الأسئلة بطريقة غير صحيحة أو تحديد أهداف لا تعكس الواقع بشكل دقيق.
ويضيف بيرس هدسون، المدير الأول في ممارسة الموارد البشرية لدى غارتنر، أن القيمة الاستراتيجية الحقيقية تتحقق عندما يعمل الإنسان والتكنولوجيا معاً، وليس عندما نستخدم التكنولوجيا فقط لتوفير وقت الموظفين كي يقوموا بأعمال استراتيجية بمفردهم.
وهذا يشير إلى أن الرسائل التسويقية التي تركز على رفع الكفاءة أو تحرير الوقت للمهام الاستراتيجية قد تؤدي إلى تصور غير دقيق لطبيعة الفائدة الحقيقية.
وترى غارتنر أن الحل يكمن في التحول من التركيز على الكفاءة إلى التركيز على التعزيز، إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى رفع قيمة تقنيات الموارد البشرية على مستوى الأعمال بنسبة قد تصل إلى أربعة وخمسين في المئة.
مفهوم القيمة من منظور غير مباشر
كل ذلك يطرح سؤالاً جوهرياً حول كيفية تعريف القيمة أصلاً. لا يبدو أن المؤسسات حتى الآن لديها إجابة واضحة أو جاهزية كاملة لحسم هذا المفهوم.
من جهة، تبدو الشركات متحمسة لفكرة امتلاك أدوات معرفية أكثر تقدماً، لكن في المقابل هناك مخاوف حقيقية تتعلق بالخصوصية، ومقاومة الموظفين، إضافة إلى القلق من أخطاء الذكالي أو ما يعرف بالهلوسة. هذه العوامل جعلت كثيراً من المؤسسات تتردد في التوسع بشراء الاشتراكات الجماعية لأدوات الذكالي المقدمة من شركات كبرى مثل أوبن إيه آي وألفابت ومايكروسوفت.
كما أن مستوى الحماس نفسه بدأ يتراجع. فوفقاً لتقرير حديث حول حالة الذكالي في عام 2024، فإن نسبة الشركات العالمية التي تخطط لزيادة استثماراتها في هذا المجال انخفضت بشكل ملحوظ من ثلاثة وتسعين في المئة في عام 2023 إلى ثلاثة وستين في المئة فقط.
إضافة إلى ذلك، ما زالت القيمة الحقيقية لقدرات الذكالي غير واضحة تماماً. فحتى شركات كبرى مثل أبل لا تستطيع تقديم تصور دقيق لقيمة تحسينات المساعد الصوتي سيري. كما يصبح من الصعب حساب العائد الفعلي على الإنتاجية عندما تدخل عوامل مثل إعادة تأهيل الموظفين أو التكاليف المرتبطة بإعادة الهيكلة والاستغناء عن بعض الوظائف.
هذا الغموض يضع مزودي التقنية أمام معضلة واضحة، فهم يشعرون بضغط كبير للتوسع السريع وتقديم حلول متقدمة، بينما العملاء ما زالوا يتعاملون بحذر ويفضلون خطوات تدريجية.
أين ينبغي أن تركز الموارد البشرية في المرحلة الحالية
المخاطر كبيرة على الجميع. فعندما تكون تقنيات إدارة القوى العاملة غير فعالة أو معقدة، تتحمل الموارد البشرية العبء الأكبر، وهذا ينعكس أيضاً على علاقتها بالجهات التي تطور هذه الأنظمة.
تشير بيانات غارتنر إلى أن أغلب الموظفين واجهوا على الأقل عقبة واحدة أثناء استخدام تقنيات الموارد البشرية خلال العام الماضي، كما أن نسبة كبيرة من موظفي الموارد البشرية أنفسهم يرون أن هذه التقنيات أثرت سلباً على صورة القسم داخل المؤسسة.
ربما يكون عالم تقنيات الموارد البشرية قد تقدم بسرعة أكبر مما ينبغي. وبدلاً من التفكير في تحولات جذرية واسعة في هذه المرحلة، قد يكون من الأكثر واقعية التركيز على تطبيقات محدودة وواضحة تحقق نتائج ملموسة.
كما أن الأهم هو فهم كيفية توظيف الذكالي والتقنيات الحديثة لدعم أساليب جديدة في العمل، بدلاً من التركيز المفرط على تأثيرها المحتمل في الوظائف الحالية.
