الشركات التي بدأت رحلتها في التحول الرقمي مبكرًا قد تبدو اليوم وكأنها سبقت الجميع بخطوات، لكن السباق لم ينتهِ بعد. فالتفوق المبكر لا يضمن بالضرورة استمرار الريادة، خصوصًا في عالم تتغير فيه التقنيات بوتيرة متسارعة. والسؤال الذي يواجه كثيرًا من هذه المؤسسات اليوم هو: هل ما بُني قبل سنوات ما يزال قادرًا على دعم المستقبل، أم أن بعض تلك الأنظمة التي كانت تُعد يومًا قمة الابتكار أصبحت عبئًا يصعب تطويره؟
كثير من المؤسسات التي استثمرت مبكرًا في الرقمنة تشعر بأنها أنجزت المهمة بالفعل، وأنها تجاوزت مرحلة التحول الرقمي التي ما تزال شركات أخرى تحاول الوصول إليها. لكن هذا الشعور بالاطمئنان قد يكون مضللًا أحيانًا. فالأنظمة التي كانت متقدمة قبل سنوات ربما أصبحت اليوم قديمة أو محدودة، كما أن الاستمرار في إضافة أدوات وتقنيات جديدة فوق أنظمة متراكمة قد يؤدي إلى بناء بيئات تقنية معقدة ومتشابكة يصعب إدارتها، أشبه بما يسميه البعض “فرانكنستاين تقني” يتكوّن من أجزاء كثيرة جُمعت معًا عبر الزمن من دون رؤية موحدة.
التحول الرقمي ليس مشروعًا ينتهي
التحول الرقمي ليس ظاهرة جديدة ظهرت مع الذكاء الاصطناعي أو الحوسبة السحابية، بل هو مسار طويل بدأ منذ التسعينيات مع أنظمة إدارة الوثائق والمحتوى المؤسسي. وفهم هذه الحقيقة يعني إدراك أن التحول الرقمي ليس مشروعًا مؤقتًا له نقطة نهاية واضحة، بل عملية مستمرة تتطلب التكيف الدائم مع التقنيات الجديدة والقدرات المتغيرة.
على مدى عقود، أنفقت المؤسسات ملايين الدولارات في محاولة للحصول على أفضلية تنافسية عبر التكنولوجيا. لكن هذا النوع من الاستثمار المستمر مكلف للغاية، وقد لا يكون قابلًا للاستدامة بالنسبة لكثير من الشركات، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية وسرعة الاضطرابات التقنية.
ويرى آدم غلاسر، نائب الرئيس الأول لإدارة المنتجات في Appian، أن هناك اتجاهين متناقضين في طريقة تعامل المؤسسات مع التحول الرقمي.
الاتجاه الأول يعتقد أن النجاح يتطلب مواكبة كل تطور تقني جديد بأقصى سرعة ممكنة، وأن المؤسسة يجب أن تعتمد دائمًا أحدث التقنيات وأكثرها ابتكارًا حتى تظل قادرة على المنافسة. ووفق هذا التصور، فإن الشركات التي كانت يومًا في مقدمة موجة التحول الرقمي تجد نفسها اليوم مضطرة للعودة إلى نقطة البداية من جديد، لأن الأدوات التي استثمرت فيها سابقًا لم تعد تحقق لها التفوق نفسه.
أما الاتجاه الثاني، فيتمثل في المؤسسات التي تفضّل الانتظار ومراقبة السوق قبل اتخاذ قرارات الاستثمار، أملاً في معرفة التقنيات التي ستثبت نجاحها فعلًا. لكن هذه الاستراتيجية تحمل خطرًا آخر، وهو التخلف عن المنافسين أثناء فترة التردد.
ويقول غلاسر إنه لاحظ أن بعض مسؤولي تقنية المعلومات وفرق التحول المؤسسي يقيّدون أنفسهم دون حاجة حقيقية، لأنهم ينتظرون الظروف المثالية كي يبدأوا التحول الشامل، مثل توفر بنية تحتية مثالية، وميزانية ضخمة، ووقت كافٍ لتنفيذ مشروع واسع على مستوى المؤسسة بأكملها.
هذا النوع من المؤسسات غالبًا ما يفترض أن الأنظمة القديمة لا يمكن تطويرها أو تحديثها، وأن البيانات الموجودة داخلها ستظل حبيسة أنظمة منعزلة يصعب الوصول إليها أو الاستفادة منها. لذلك يعتقدون أن الحل الوحيد هو التخلص الكامل من الأنظمة القديمة واستبدالها من الصفر من أجل تحقيق عائد حقيقي على الاستثمار.
لكن الواقع، بحسب غلاسر، أكثر تعقيدًا من هذين التصورين المتطرفين.
فالتحول الرقمي الأكثر فاعلية لا يعتمد على القفزات العنيفة ولا على الانتظار الطويل، بل على التطور التدريجي والمدروس. فالمؤسسات تستطيع البدء في تحقيق فوائد ملموسة حتى مع استمرار وجود بعض الأنظمة القديمة أو قبل الانتهاء من تنظيف بياناتها وتوحيدها بالكامل.
ومع ظهور معماريات حديثة مثل “نسيج البيانات”، أصبح بالإمكان ربط البيانات الموزعة داخل المؤسسة مهما كان مكان وجودها. وهذا يعني أن البيانات القديمة لم تعد عقبة حقيقية أمام تطوير التطبيقات الحديثة، حتى لو كانت المؤسسة تعمل فوق بنية تقنية متراكمة وغير متجانسة تم بناؤها عبر سنوات طويلة.
ويضيف غلاسر أن بعض الاستثمارات القديمة قد تضطر المؤسسات بالفعل إلى التخلي عنها، لكن كثيرًا من الحلول الحديثة، خصوصًا في مجال إدارة البيانات، صُممت أساسًا لتجسر الفجوة بين الأنظمة القديمة والعالم الرقمي الجديد.
كما يشير إلى أن كثيرًا من رواد التحول الرقمي الأوائل فهموا هذه الحقيقة مبكرًا، وأن العمل الذي قاموا به خلال السنوات الماضية شكّل أساسًا مهمًا تعتمد عليه مشاريع التحول الحالية.
حين تتحول الأنظمة إلى فوضى معقدة
لكن التجربة لم تكن ناجحة دائمًا بالنسبة لجميع المتبنين الأوائل.
ففي محاولتها المستمرة لمواكبة التغيرات التقنية وتجنب التقادم، قامت بعض المؤسسات بإضافة طبقات متتالية من البرمجيات والأدوات فوق أنظمتها القديمة، ما أدى إلى تكوين تطبيقات مخصصة شديدة التعقيد.
ويشرح لوك بيرار، نائب رئيس CAST Imaging، أن كثيرًا من المطورين اليوم يجدون صعوبة في فهم هذه التطبيقات بسبب كثرة المكونات المترابطة داخلها. كما أن هذا التعقيد يجعل تعديل الأنظمة أو تطويرها أكثر صعوبة مع مرور الوقت، ما يؤدي تدريجيًا إلى فقدان الميزة التي كانت تتمتع بها تلك الشركات بوصفها من أوائل المتبنين للتحول الرقمي.
ولهذا بدأت شركات كبرى مثل Generali وManulife وWells Fargo بالاعتماد على تقنيات “ذكاء البرمجيات”، وهي أدوات قادرة على تحليل التطبيقات المعقدة واستخلاص المعرفة المتعلقة بكيفية عملها الداخلية بشكل آلي.
وتستخدم هذه المؤسسات تلك الأدوات لمساعدة فرق التطوير على تنفيذ التغييرات بسرعة أكبر، سواء تعلق الأمر بتعديلات بسيطة أو بإعادة تصميم التطبيقات لتناسب الحوسبة السحابية أو تحديثها بالكامل.
أما بوب روجرز، الرئيس التنفيذي لشركة Oii، فيرى أن المشكلة مرشحة للتفاقم مع الوقت بالنسبة للمتبنين الأوائل، لأن تزايد عدد التقنيات الجديدة سيجعل تحديث البيئات التقنية القديمة أكثر صعوبة، خاصة عندما تفشل الأنظمة المختلفة في التواصل فيما بينها بشكل سلس.
ومع ذلك، هناك جانب إيجابي نسبيًا. فمعظم تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة تركز بدرجة كبيرة على النصوص والوثائق، وهي المجالات التي لم تحظَ بالاهتمام الكافي في كثير من مشاريع التحول الرقمي القديمة. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي ما يزال قادرًا على الاستفادة من النصوص المخزنة داخل قواعد البيانات القديمة أو بحيرات البيانات، خصوصًا مع ظهور أدوات جديدة مثل قواعد البيانات المتجهية التي تسمح بفهرسة الوثائق واستخدامها بذكاء أكبر.
لكن قدرة المؤسسات المبكرة على الاستفادة من هذه الموجة تعتمد على نجاحها في التحرر من تعقيد بيئاتها التقنية الحالية، وهنا تظهر أهمية فرق العمل التقنية نفسها.
فالفرق القادرة على مواكبة التطورات المرتبطة بصناعاتها تستطيع التكيف بصورة أسرع. ولهذا تتجه كثير من المؤسسات اليوم نحو الاعتماد على مفهوم “نسيج البيانات السحابي”، حيث تُقدَّم أدوات تخزين البيانات والتحليلات وخدمات الذكاء الاصطناعي عبر خدمات سحابية مترابطة.
أما المؤسسات التي ما تزال تعتمد بالكامل على بنية محلية داخلية، فقد تجد نفسها متأخرة مقارنة بالشركات التي انتقلت بالفعل إلى السحابة، لأن الأخيرة تستطيع إضافة الخدمات الجديدة ودمجها بسهولة أكبر.
ويرى روجرز أن المتبنين الأوائل ليسوا مضطرين للعودة إلى نقطة البداية، لكنهم بحاجة إلى خطوتين أساسيتين: تحديث طريقة تخزين النصوص والوثائق باستخدام أدوات حديثة مثل قواعد البيانات المتجهية، ثم تفعيل خدمات الذكاء الاصطناعي السحابية وربطها بتطبيقاتهم الحالية.
مزايا السبق لا تختفي بسهولة
رغم كل التحديات، ما يزال للمتبنين الأوائل للتحول الرقمي أفضلية حقيقية.
فأحد أهم أهداف التحول الرقمي هو تحسين تجربة العملاء وتقليل التكاليف التشغيلية. والمؤسسات التي تعاملت مع التحول الرقمي بوصفه مشروعًا مؤقتًا انتهى بمجرد تنفيذ بعض الأنظمة الجديدة أخطأت في فهم الفكرة الأساسية. فالتكنولوجيا تتطور باستمرار، وبالتالي يجب أن يتطور التحول الرقمي معها باستمرار أيضًا.
ويقول ديفيد جونسون، المدير التقني في Mulytic Labs، إن المتبنين الأوائل يتمتعون بما يُعرف بميزة “التحرك الأول”. فهم خاضوا التجربة بالفعل، وحققوا مكاسب حقيقية، وتعلموا ما الذي ينجح داخل ثقافتهم المؤسسية وما الذي لا ينجح، كما أنهم حدّثوا أجزاء من بيئاتهم التشغيلية بالفعل.
ورغم أنهم قد يمتلكون أنظمة معقدة ومتراكمة، فإن حجم هذا التعقيد يبقى أقل من الشركات التي لم تبدأ أصلًا رحلتها في التحول الرقمي.
كما أن الخبرة التي اكتسبوها من محاولاتهم السابقة تمنحهم قدرة أفضل على اتخاذ قرارات أكثر ذكاءً في المستقبل.
ويؤكد جونسون أن التحول الرقمي سيظل عملية مستمرة للجميع، لكن الشركات التي بدأت مبكرًا ستكون أسرع وأكثر دقة وفاعلية من المؤسسات التي تبدأ اليوم من الصفر.
ويشبّه الأمر بزراعة شجرة، قائلًا إن أفضل وقت لبدء التحول الرقمي كان قبل عشر سنوات، أما ثاني أفضل وقت فهو اليوم.
الخطوة التالية: ربط الأنظمة ببعضها
إذا أرادت المؤسسات التي بدأت مبكرًا الحفاظ على ميزتها، فإن عليها الآن التركيز على التكامل بين الأنظمة.
فكثير من مشاريع التحول الرقمي الأولى نُفذت على مستوى الإدارات بشكل منفصل، لا على مستوى المؤسسة بأكملها. وتوضح دارسي ماكاي، نائب الرئيس الأول للموارد البشرية وخدمات العملاء في Rippling، أن المؤسسات غالبًا كانت تعتمد أي تطبيق سحابي يبدو مناسبًا لحل مشكلة معينة في وقتها، من دون وجود رؤية شاملة.
والنتيجة أن كل إدارة انتهت باستخدام أنظمة مختلفة لا تتواصل مع بعضها البعض.
فالمالية تعرف الرواتب والمصروفات، والموارد البشرية تمتلك بيانات الأداء والأهداف، وتقنية المعلومات تتابع الحسابات والأجهزة، لكن لا توجد جهة تمتلك صورة متكاملة عن الموظف أو عن سير العمل ككل.
وتشير ماكاي إلى أن هذا التفكك يظهر بوضوح في عمليات التوظيف وإنهاء الخدمة داخل كثير من المؤسسات، حيث تتحول الإجراءات إلى سلسلة منفصلة من الخطوات غير المترابطة.
وفي النهاية، تضطر شركات كثيرة إلى الاستعانة بمستشارين خارجيين لمحاولة ربط هذه الأنظمة ببعضها، وغالبًا بتكلفة مرتفعة للغاية.
وترى ماكاي أن الحل الأكثر فاعلية هو الاعتماد على أنظمة متكاملة شاملة تدير الأعمال من خلال منصة موحدة، لأن ذلك يمنح المؤسسة فهمًا أعمق لعملياتها ولموظفيها، ويقلل الوقت الضائع في تحديث البيانات يدويًا عبر أنظمة متعددة، ويتيح للفرق التركيز على العمل الذي يصنع القيمة الحقيقية.
