القائمة الرئيسية

«رأس مال بشري منخفض القيمة»… كيف تكشف لغة الإدارات التنفيذية حقيقة ما يجري داخل الشركات؟

«رأس مال بشري منخفض القيمة»… كيف تكشف لغة الإدارات التنفيذية حقيقة ما يجري داخل الشركات؟
ملخص المقال

يناقش المقال كيف تكشف اللغة التي يستخدمها التنفيذيون أثناء موجات التسريح الجماعي عن الطريقة الحقيقية التي تنظر بها الشركات إلى موظفيها، مستشهدًا بتصريحات رئيس بنك Standard Chartered الذي وصف بعض العاملين بأنهم “رأس مال بشري منخفض القيمة”، في تعبير يعكس تحوّل الإنسان داخل المؤسسات إلى مجرد بند تكلفة قابل للاستبدال بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. ويرى المقال أن موجة التسريحات الحالية لا تستند غالبًا إلى نتائج فعلية حققها الذكاء الاصطناعي، بل إلى توقعات جماعية وهوس إداري انتشر أسرع من الأدلة، كما حدث مع شركة Klarna التي سرّحت مئات الموظفين قبل أن تعود للتوظيف بعدما اكتشفت محدودية الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي. كما يسلط الضوء على الأثر النفسي والتنظيمي العميق للتسريحات على الموظفين الباقين، وتراجع الثقة والارتباط الوظيفي داخل المؤسسات، رغم وجود أبحاث متراكمة من جهات مثل Gartner وMcKinsey & Company وGallup تؤكد أن الشركات التي تضع الإنسان والثقافة المؤسسية في قلب استراتيجيتها تحقق أداءً ماليًا أفضل على المدى الطويل. وفي النهاية، يجادل المقال بأن الثقافة المؤسسية ليست عنصرًا ثانويًا، بل هي جوهر الاستراتيجية، وأن القيادة الحكيمة ليست تلك التي تتسرع في تقليص البشر لصالح التكنولوجيا، بل التي تحافظ على الثقة والإنسانية وسط التحولات الكبرى.

بقلم: تامار كوهين

في كل مرة تعلن فيها شركة كبرى عن تسريح جماعي للموظفين، يتركز الاهتمام عادة على الأرقام: كم عدد الوظائف التي أُلغيت؟ كم ستوفّر الشركة من التكاليف؟ وما أثر ذلك على الأرباح وأسعار الأسهم؟

لكن ما يكشف الحقيقة فعلًا ليس الأرقام، بل اللغة التي يستخدمها التنفيذيون وهم يشرحون قراراتهم.

حين وقف بيل وينترز، الرئيس التنفيذي لبنك Standard Chartered، أمام المستثمرين في هونغ كونغ ليتحدث عن إلغاء 7800 وظيفة إدارية، لم يقل إن البنك يمر بإعادة هيكلة أو إنه يسعى لتحسين الكفاءة التشغيلية. بل اختار صياغة مختلفة تمامًا، قال فيها إن ما يحدث ليس خفضًا للتكاليف، وإنما استبدال “رأس مال بشري منخفض القيمة” برأس مال مالي واستثماري تضخه الشركة في التكنولوجيا.

كانت الجملة صادمة بما يكفي لتثير موجة غضب عالمية خلال ساعات. واضطر وينترز لاحقًا إلى إرسال مذكرة للموظفين يؤكد فيها أن كلامه أُخرج من سياقه. لكن المشكلة لم تكن في سوء الفهم، بل في أن الرجل قال بصراحة ما تحاول كثير من الإدارات الكبرى إخفاءه خلف لغة أكثر تهذيبًا.

فاللغة هنا ليست مجرد تعبير عابر، بل انعكاس مباشر للطريقة التي تنظر بها المؤسسات إلى البشر داخلها.

حين يتحول الموظف إلى رقم في معادلة

عندما تستبدل الإدارة كلمة “موظف” بمصطلحات مثل “رأس مال بشري منخفض القيمة”، فإنها لا تغيّر المفردات فقط، بل تغيّر الإطار الذهني الذي تُبنى عليه القرارات.

في هذه اللحظة، لا يعود الإنسان شخصًا له خبرة وطموح ومخاوف وعلاقة بالمكان الذي يعمل فيه، بل يتحول إلى بند تكلفة يمكن ترتيبه وفق القيمة، وقياس العائد منه، ثم استبداله إذا بدا أن هناك بديلًا أكثر كفاءة أو أقل تكلفة.

هذا النوع من التفكير يخلق أثرًا يتجاوز الأشخاص الذين يفقدون وظائفهم. فحتى الموظفون الذين يبقون داخل المؤسسة بعد موجات التسريح لا يخرجون منها كما كانوا.

الدراسات التي تناولت ما يسمى “الناجين من التسريح” تكشف صورة قاسية. الأداء الوظيفي ينخفض بمعدل يقارب 20 في المئة، والرضا عن العمل يتراجع بأكثر من 40 في المئة، فيما ترتفع معدلات الاستقالة الطوعية بشكل كبير، لأن أفضل الموظفين غالبًا يكونون أول من يقرر المغادرة عندما يشعر أن المؤسسة لم تعد تنظر إلى البشر بوصفهم بشرًا.

المشكلة أن كثيرًا من الإدارات تتعامل مع هذه الخسائر وكأنها أضرار جانبية يمكن احتمالها، طالما أن الأسواق المالية تكافئ تقليص النفقات على المدى القصير.

كيف تتحول الأفكار غير المثبتة إلى حقائق إدارية؟

لفهم ما يحدث اليوم داخل عالم الشركات، لا يكفي النظر إلى الذكاء الاصطناعي وحده، بل يجب فهم الكيفية التي تنتشر بها “الصيحات الإدارية” أصلًا.

يشير الكاتب مات واتكينسون إلى أن إحدى العلامات الكلاسيكية لأي موضة فكرية في عالم الأعمال هي أن انتشارها يحدث بسرعة تفوق بكثير الأدلة التي تثبت فعاليتها.

في البداية تظهر الفكرة بوصفها احتمالًا أو تجربة محدودة، ثم يبدأ عدد من التنفيذيين المؤثرين في تبنيها، وبعدها تتحول تدريجيًا إلى قناعة عامة داخل الطبقة الإدارية. وما إن تصل إلى هذه المرحلة حتى يصبح التشكيك فيها أمرًا صعبًا، ليس لأن الأدلة قوية، بل لأن الجميع بات يكرر الفكرة نفسها.

وهنا تظهر ظاهرة معروفة في علوم الشبكات تسمى “الارتباط التفضيلي”، حيث تكتسب الفكرة قوة إضافية لمجرد أن عددًا كبيرًا من الناس يؤمن بها.

هذا بالضبط ما حدث مع موجة الذكاء الاصطناعي الحالية.

ففي غضون فترة قصيرة جدًا، انتشرت قناعة شبه جماعية داخل كثير من الشركات بأن الذكاء الاصطناعي قادر على استبدال جزء ضخم من الأعمال المعرفية، وأن المؤسسات التي لا تتحرك سريعًا لتقليص الموظفين ستتأخر عن المنافسة.

لكن المشكلة أن هذه القناعة انتشرت أسرع بكثير من الأدلة التي تدعمها.

قصة Klarna التي تجاهلها الجميع

واحدة من أكثر القصص دلالة على ذلك كانت ما حدث في شركة Klarna.

الشركة أعلنت بحماس أنها ستعتمد على الذكاء الاصطناعي بدلًا من مئات الموظفين، واستغنت عن نحو سبعمئة شخص وهي مقتنعة بأن التكنولوجيا الجديدة قادرة على سد الفجوة.

لكن بعد فترة قصيرة، اكتشفت الإدارة أن الواقع أكثر تعقيدًا بكثير مما كانت تتصور، فعادت إلى التوظيف مجددًا.

لاحقًا وصفت الشركة ما حدث بأنه “تجربة تعلم”.

غير أن المشكلة في مثل هذه “التجارب” أن التكلفة لا تدفعها الإدارة التي أخطأت في التقدير، بل الموظفون الذين فقدوا وظائفهم في الطريق.

فهؤلاء الأشخاص لم يكونوا جزءًا من نموذج تجريبي، بل بشرًا لديهم التزامات وحياة ومستقبل مهني تضرر بسبب اندفاع إداري وراء فكرة لم تكن ناضجة أصلًا.

اليوم يتكرر المشهد نفسه على نطاق أوسع. كثير من الشركات تتصرف كما لو أن الذكاء الاصطناعي حسم بالفعل مستقبل العمل، رغم أن الواقع لم يثبت ذلك بعد.

اللافت أن البيانات نفسها لا تدعم هذا الاندفاع.

فبحسب أبحاث شركة Gartner، فإن واحدًا في المئة فقط من عمليات التسريح خلال النصف الأول من عام 2025 ارتبط فعليًا بتحسن الإنتاجية الناتج عن الذكاء الاصطناعي. أما بقية القرارات فكانت قائمة على توقعات مستقبلية وافتراضات لم تتحقق بعد.

بمعنى آخر، كثير من المؤسسات لا تقلّص موظفيها بسبب ما أنجزه الذكاء الاصطناعي فعلًا، بل بسبب ما تتخيل أنه قد ينجزه لاحقًا.

أزمة يعيشها مسؤولو الموارد البشرية بصمت

داخل المؤسسات، يقف مسؤولو الموارد البشرية في موقع شديد التعقيد.

فهم من جهة يواجهون ضغوط الإدارات التنفيذية ومجالس الإدارة التي تطالب بالأتمتة وتقليص التكاليف، ومن جهة أخرى يرون بوضوح الأثر النفسي والتنظيمي الذي تخلّفه هذه القرارات على الناس والثقافة المؤسسية.

وتكشف الدراسات الحديثة حجم هذا الضغط.

ففي استطلاع أجرته Gartner وشمل مئات المديرين التنفيذيين للموارد البشرية عبر عشرات القطاعات، قال 91 في المئة منهم إن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي يمثلان أكبر تحدياتهم الحالية.

وفي الوقت نفسه، أكدت الغالبية أن مجالس الإدارة والرؤساء التنفيذيين يخططون لتقليص أعداد العاملين خلال السنوات المقبلة بشكل واسع.

المفارقة أن كل ذلك يحدث في وقت وصلت فيه معدلات اندماج الموظفين وارتباطهم النفسي بأعمالهم إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، وهو ما يكلّف الاقتصاد الأمريكي وحده خسائر هائلة في الإنتاجية.

كثير من مسؤولي الموارد البشرية يدركون خطورة ما يحدث، لكنهم غالبًا لا يشاركون في اتخاذ القرار من بدايته. ففي عدد كبير من المؤسسات، تُتخذ القرارات الاستراتيجية أولًا، ثم يُطلب من إدارات الموارد البشرية لاحقًا “إدارة التغيير” ومحاولة تخفيف وقع الرسالة على الموظفين.

لكن عندما تكون القناعة الجماعية داخل الإدارة قد تشكلت مسبقًا، يصبح من الصعب جدًا إقناع أحد بالتراجع حتى لو كانت البيانات واضحة.

يمكنك عرض الدراسات التي تثبت تراجع الأداء بعد التسريح، أو الإشارة إلى آثار انهيار الثقة داخل المؤسسات، أو الاستشهاد بأبحاث طويلة المدى حول العلاقة بين الثقافة المؤسسية والربحية، لكن كل ذلك يفقد تأثيره عندما تكون المؤسسة قد دخلت بالفعل في حالة من الهوس الجماعي بفكرة معينة.

الحقيقة التي تواصل الشركات تجاهلها

المثير للاهتمام أن الأدلة المتراكمة منذ سنوات طويلة تقول شيئًا مختلفًا تمامًا عن السردية السائدة حاليًا.

فالشركات التي تضع الإنسان في مركز استراتيجيتها تحقق أداءً ماليًا أفضل على المدى الطويل.

قائمة “أفضل مئة شركة للعمل” التي تنشرها مجلة Fortune، والمبنية على ملايين الاستطلاعات السرية للموظفين، تُظهر أن المؤسسات التي تبني ثقافة قوية قائمة على الثقة والاحترام تحقق عوائد استثمارية أعلى بكثير من السوق بشكل عام.

كما تشير أبحاث McKinsey & Company إلى أن الشركات التي تستثمر في رأس المال البشري إلى جانب الأداء المالي تتفوق على منافسيها بمعدلات أكبر بكثير.

أما بيانات Gallup فتؤكد باستمرار أن الفرق ذات الارتباط الوظيفي المرتفع تحقق مستويات أعلى من الربحية والإنتاجية والاستقرار.

المشكلة ليست في غياب الأدلة، بل في أن الضجيج المحيط بموجة الذكاء الاصطناعي الحالية أصبح أعلى من قدرة هذه الأدلة على الوصول.

كيف تبدو القيادة التي تحافظ على الثقافة في الأوقات الصعبة؟

القيادة التي تضع الثقافة المؤسسية في المقدمة لا تظهر في الأوقات السهلة، بل في اللحظات التي يصبح فيها الضغط المالي والتقني في ذروته.

والفرق الحقيقي بين المؤسسات لا يكمن في الشعارات، بل في طريقة اتخاذ القرارات.

فالشركات الأكثر نجاحًا لا تبدأ بسؤال: كم موظفًا يمكننا الاستغناء عنه؟ بل تبدأ بسؤال مختلف تمامًا: ما طبيعة العمل التي نريد بناءها؟ وما النتائج التي نحتاج الوصول إليها؟ وكيف يمكن تصميم بيئة العمل لتحقيق ذلك؟

هي تنظر إلى المؤسسة بوصفها نظامًا مترابطًا، لا مجموعة بنود تكلفة منفصلة.

كما تدرك أن الثقة ليست شيئًا يمكن تدميره ثم استعادته بسهولة لاحقًا.

فالمديرون الذين يستهلكون اليوم رصيد الثقة بين الموظفين من أجل تحقيق وفورات سريعة قد يكتشفون لاحقًا أنهم يحتاجون هذا الرصيد بشدة عندما يطلبون من الناس تبني أدوات جديدة، أو تغيير طرق العمل، أو التكيف مع تحولات عميقة يفرضها الذكاء الاصطناعي نفسه.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم بسيطة وواضحة:

الطريقة التي تتحدث بها الإدارة عن الناس تصنع ثقافة المؤسسة.

ومع مرور الوقت، قد تبدو موجة التسريحات الحالية والهوس المبالغ فيه بالذكاء الاصطناعي مجرد مرحلة أخرى من مراحل الاندفاع الإداري الذي سبق الأدلة والحقائق.

لكن السؤال الذي سيبقى مطروحًا هو: كم عدد الأشخاص الذين سيدفعون الثمن قبل أن تدرك الشركات ذلك؟

القادة الذين سيبدون أكثر حكمة بعد سنوات لن يكونوا أولئك الذين بدوا الأكثر قسوة أو حسمًا في قراراتهم، بل أولئك الذين نجحوا في بناء مؤسسات يستطيع الناس أن يقدموا فيها أفضل ما لديهم حتى وسط حالة حقيقية من الغموض وعدم اليقين.

وكما يقول براين إليوت: الثقافة المؤسسية ليست جانبًا ثانويًا أو ناعمًا في الإدارة، بل هي الاستراتيجية نفسها.

المصدر

مقالات ذات صلة