على مدى تسع سنوات، بقيت منصة LinkedIn تعمل داخل Microsoft كما لو أنها كيان مستقل له ثقافته الخاصة ومنطقه المختلف. لكن هذا الوضع يبدو اليوم أقرب إلى نهايته، خصوصًا بعد انتقال رايان روسلانسكي إلى قيادة مجموعة “تجارب العمل” الجديدة.
فبعد ما يقارب عقدًا كاملًا على استحواذ مايكروسوفت على لينكدإن مقابل 26.2 مليار دولار، تبدو الشركة أخيرًا مستعدة للتعامل مع المنصة بوصفها جزءًا جوهريًا من منظومتها، لا مجرد شركة تابعة تعمل بشكل منفصل.
وجاءت التغييرات القيادية الأخيرة لتغذي هذا الاتجاه. فقد أعلن راجيش جها، نائب الرئيس التنفيذي لمجموعة التجارب والأجهزة، تقاعده بعد مسيرة امتدت خمسة وثلاثين عامًا داخل الشركة. وأدى ذلك إلى إعادة ترتيب واسعة للمناصب، كان أبرزها تخلي رايان روسلانسكي عن منصب الرئيس التنفيذي للينكدإن لصالح المدير المخضرم دان شابيرو، ليتفرغ بالكامل للإشراف على لينكدإن وأوفيس وتيمز ضمن مجموعة جديدة تحمل اسم “تجارب العمل”.
منذ استحواذ مايكروسوفت على لينكدإن، بدا وكأن الشركات الثلاث تعيش تحت سقف واحد من دون أن تتقاطع فعليًا. لينكدإن يبيع اشتراكات التوظيف والإعلانات، وأوفيس يبيع البرمجيات، وتيمز يركز على أدوات التعاون والاجتماعات. كانت الأنشطة متجاورة، لكنها لم تكن مترابطة.
اليوم، غيّر الذكاء الاصطناعي قواعد اللعبة. فالرؤية الجديدة لمايكروسوفت تقوم على بناء منظومة موحدة تجمع الهوية المهنية، والاتصالات، وسير العمل، والبيانات، داخل نظام واحد متكامل. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الفكرة نفسها، بل في قدرة الشركة على تنفيذها من دون إفساد التوازن الذي منح لينكدإن قيمته طوال السنوات الماضية.
لماذا تأخر هذا الدمج كل هذا الوقت؟
تمتلك مايكروسوفت بالفعل قدرًا هائلًا من البيانات المتعلقة ببيئة العمل. فنظام “Work IQ” يعرف الهيكل التنظيمي داخل الشركة، ويفهم المشاريع الداخلية، ويتابع التقويمات والاجتماعات والمحادثات والملفات الموجودة على تيمز وشيربوينت. لكنه يفتقد شيئًا أساسيًا: فهم الأشخاص الموجودين خارج المؤسسة.
فعندما تدخل اجتماعًا يضم عملاء أو شركاء أو مرشحين للتوظيف أو موردين، يعرف النظام أن هناك اجتماعًا يجري، لكنه لا يعرف من هم هؤلاء الأشخاص، وما مناصبهم، وأين يقفون داخل مؤسساتهم، وما إذا كانوا قد غيّروا وظائفهم مؤخرًا.
يشرح روب كولي، مؤسس شركة P3 Adaptive ورئيسها التنفيذي، هذه الفجوة بقوله إن العمل المعرفي لم يعد محصورًا داخل حدود المؤسسة، فحياة الموظف اليومية مليئة بالتعامل مع أطراف خارجية، من عملاء وشركاء وموردين ومرشحين ومجالس إدارة. ولهذا فإن أدوات مثل Outlook وTeams ترى المحادثات، لكنها لا تفهم الأشخاص أنفسهم. وهنا بالتحديد تظهر أهمية لينكدإن.
فعندما يطلب المستخدم من Copilot إعداد ملخص عن المشاركين في اجتماع معين، لن يكتفي النظام مستقبلًا بالقول إن اثنين من الحضور يعملان داخل الشركة وثلاثة مجهولون بالنسبة إليه، بل سيتمكن من تقديم صورة متكاملة عن الجميع اعتمادًا على البيانات المهنية الموجودة في لينكدإن.
المفارقة أن التكنولوجيا اللازمة لتحقيق هذا التكامل موجودة منذ سنوات. فواجهة Microsoft Graph API التي يعتمد عليها Work IQ متاحة للمطورين منذ 2015، كما أن الرسم البياني المهني الخاص بلينكدإن أصبح جزءًا من بنية مايكروسوفت منذ 2016. لكن ما تغير فعلًا في 2025 هو ظهور نماذج الذكاء الاصطناعي القادرة على ربط هذه البيانات وفهمها بطريقة مفيدة وعملية.
منتج لا ينجح إلا إذا أصبح موحدًا
حتى الآن، ما تزال الرؤية أكبر من المنتج نفسه. فعلى الرغم من كل الحديث عن التكامل، لم تصل أي من مزايا Copilot حتى مارس 2026 إلى مرحلة الاستفادة المباشرة من بيانات لينكدإن.
وعندما أعلن ساتيا ناديلا عن الهيكلة الجديدة، كتب في مذكرة داخلية مسربة أن هذه الخطوة تقرّب مايكروسوفت أخيرًا من الرؤية التي وضعتها قبل تسع سنوات عند الاستحواذ على لينكدإن، والمتمثلة في ربط “الرسم البياني الاقتصادي العالمي” بالرسم البياني الخاص بمايكروسوفت.
لكن السوق لم يحسم موقفه بعد. فقد أظهر تحليل أجرته شركة فورستر في الربع الأول من 2026 أن المؤسسات ما تزال تتعامل بحذر واضح مع Copilot. فمعظم الشركات ما تزال في مرحلة التجربة المحدودة، بينما يطالب مديرو تقنية المعلومات بحالات استخدام عملية وقابلة للقياس بدل الوعود العامة المتعلقة بالإنتاجية.
بمعنى آخر، مجرد إضافة بيانات لينكدإن إلى Copilot لا يعني تلقائيًا أن المؤسسات ستندفع إلى تبنيه. فقد يتحول الأمر ببساطة إلى نسخة أكثر تطورًا من منتج لم يقتنع المستخدمون بعد بأنهم بحاجة فعلية إليه.
في المقابل، يبدو روب إيليدج، الرئيس التنفيذي لمنصة Vulse والمتابع للينكدإن منذ 2008، أكثر تفاؤلًا. فهو يرى أن Copilot الذي يعرف طبيعة عملك، ومنصبك، والقطاع الذي تعمل فيه، قادر على تقديم مستوى مختلف تمامًا من المساعدة مقارنة بمساعد لا يعرف عنك شيئًا.
لكن الرهان الحقيقي هنا هو قدرة مايكروسوفت على تحويل هذه الفكرة إلى منتج ملموس يقنع المؤسسات بجدواه.
الرهانات المالية ضخمة أيضًا. فإذا نجحت مايكروسوفت في جعل لينكدإن جزءًا من بيئة العمل اليومية بدل أن يكون منصة يزورها الناس بين الحين والآخر، فإن ذلك سيغير بالكامل طبيعة التفاعل مع المنصة، وبالتالي قيمة الإعلانات والاشتراكات التي تعتمد عليها. وقد بلغت إيرادات لينكدإن في السنة المالية 2025 نحو 17.81 مليار دولار، فيما تجاوزت إيراداته خمسة مليارات دولار في ربع واحد للمرة الأولى.
معضلة الثقة التي تهدد لينكدإن
القيمة الحقيقية للينكدإن لم تكن يومًا في البيانات وحدها، بل في طبيعة العلاقة التي بناها مع مستخدميه. فالناس يشاركون معلوماتهم المهنية لأن المنصة تبدو بالنسبة إليهم مساحة آمنة مرتبطة بالسمعة المهنية وبناء العلاقات وفرص العمل، وليست أداة تابعة مباشرة لصاحب العمل.
وتقول كولين غويبرت، المستشارة التنفيذية في Peak Line Advisory، إن لينكدإن ينجح لأن الناس يتعاملون معه بطريقة مختلفة تمامًا عن تعاملهم مع أوفيس أو تيمز. فهو بالنسبة إليهم مزيج من الهوية المهنية، والسمعة، وسوق التوظيف.
المشكلة أن هذا الشعور قد يتغير إذا بدأ المستخدمون ينظرون إلى المنصة باعتبارها امتدادًا لأنظمة المراقبة داخل بيئة العمل. وعندما يختفي هذا الإحساس بالأمان والاستقلالية، قد يبدأ التفاعل الطبيعي الذي تعتمد عليه قيمة لينكدإن بالتراجع.
وتوجد بالفعل مؤشرات مبكرة على هذا التوتر. ففي أواخر 2025، عدّل لينكدإن سياسة الخصوصية الخاصة به بما يسمح باستخدام بيانات الأعضاء لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي بشكل افتراضي، بعد أن بدأ تطبيق ذلك داخل الولايات المتحدة منذ أغسطس 2024. وقد أثار القرار ردود فعل حادة، وفتح الباب أمام تساؤلات أوسع تتعلق بالحوكمة والخصوصية وحدود استخدام البيانات.
وترى غويبرت أن الشركات التقنية تقلل من أهمية هذه المسألة في سباقها نحو الذكاء الاصطناعي. فالسؤال، برأيها، ليس ما إذا كانت بيانات لينكدإن يمكن أن تفيد Copilot، لأن ذلك واضح، بل أين يجب أن يُرسم الخط الفاصل بين التكامل المفيد والتدخل المفرط في خصوصية المستخدمين.
وتضيف أن الشركات التي ستنجح في هذا المجال هي تلك التي تتعامل مع الثقة والحوكمة باعتبارهما جزءًا من استراتيجية المنتج نفسها، لا مجرد مشكلات قانونية يتم التعامل معها لاحقًا.
حتى الآن، لم تُظهر مايكروسوفت أنها حصلت فعلًا على موافقة المستخدمين على هذا الشكل الجديد من العلاقة، كما أن اعتماد سياسة “الانسحاب بدل الموافقة المسبقة” يوحي بأن الشركة لا تنوي الانتظار طويلًا قبل المضي في خططها.
عامل روسلانسكي
أمضى رايان روسلانسكي سبعة عشر عامًا داخل لينكدإن، وقاد المنصة خلال أهم مراحل نموها، وهو من أكثر الأشخاص داخل مايكروسوفت فهمًا لطبيعة الثقة التي تربط المستخدمين بالمنصة، وحدود ما يمكن قبوله أو رفضه.
ويرى روب كولي أن وجود روسلانسكي على رأس عملية الدمج قد يكون عنصر طمأنة أكثر منه تهديدًا، لأنه يعرف بدقة أين تبدأ حساسية المستخدمين وأين تنتهي.
لكن هناك قراءة أخرى أقل تفاؤلًا. فالمعرفة العميقة التي يمتلكها روسلانسكي بطبيعة مستخدمي لينكدإن قد تجعله الشخص الأكثر قدرة على تنفيذ الدمج بسرعة ومن دون إثارة ردود فعل عنيفة.
وخلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، ستكشف القرارات التي ستتخذها مايكروسوفت أي القراءتين كانت الأقرب إلى الحقيقة.
اليوم، تبدو مبررات دمج لينكدإن داخل منظومة مايكروسوفت أقوى من أي وقت مضى بفضل الذكاء الاصطناعي. لكن امتلاك الرؤية شيء، والقدرة على تنفيذها من دون تدمير ما جعل لينكدإن منصة ذات قيمة أصلًا شيء آخر تمامًا.
