القائمة الرئيسية

شراكة المعرفة والابتكار: لماذا تحتاج الجامعات والشركات إلى بعضها أكثر من أي وقت مضى

شراكة المعرفة والابتكار: لماذا تحتاج الجامعات والشركات إلى بعضها أكثر من أي وقت مضى
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة أهمية بناء شراكة استراتيجية أعمق بين الجامعات وقطاع الأعمال لمواجهة التحديات العالمية المتسارعة، خاصة في مجالات الاستدامة والابتكار والتحول الاقتصادي. وتوضح كيف تمتلك الجامعات المعرفة والبحث طويل الأمد، بينما تمتلك الشركات التمويل والقدرة على التوسع، إلا أن اختلاف الأولويات والضغوط الزمنية يحد من فعالية التعاون بينهما. كما تستعرض المقالة حلولاً عملية لتقريب الفجوة بين الطرفين عبر الاستثمار في المواهب، وترجمة الأبحاث إلى لغة تجارية واضحة، وإنشاء منصات تعاون تربط الأكاديميا بالقطاعين المالي والسياسي، بما يساعد على تحويل الأفكار العلمية إلى تأثير حقيقي ومستدام في العالم.

  • تحتفظ الجامعات والشركات كلٌّ منها بجزء أساسي من حل الاستدامة، لكن تعاونهما لا يزال أقل بكثير من الإمكانات المتاحة له.
  • ويتطلب سد هذه الفجوة الاستثمار في الأشخاص، والتواصل الواضح للأبحاث بلغة تجارية مفهومة، وتقديم نتائج مبكرة قابلة للإثبات، إضافة إلى إنشاء منصات تربط الأوساط الأكاديمية بالتمويل وصنّاع السياسات.
  • كما أن المبادرات التي تجمع بين الجامعات والشركات والقطاع المالي وواضعي السياسات يمكنها تجاوز عقبات التوسع التي لا تستطيع أي جهة منفردة حلها وحدها.

عندما يتعلق الأمر بأحد أكبر تحديات عصرنا، وهو تحويل الاقتصادات بحيث تتمكن المجتمعات من الازدهار على كوكب محدود الموارد وهش بيئياً، فإن الجامعات والشركات تمتلك كل منهما جزءاً أساسياً من الحل.

فالجامعات توفر عمقاً بحثياً، ومسارات لإعداد الكفاءات، ورؤية بعيدة المدى، واستقلالية ضرورية لإنتاج بيانات وأدلة موثوقة. أما قطاع الأعمال فيوفر رأس المال، وروح المبادرة، والقدرة على التوسع.

وفي بعض الاقتصادات، مثل سنغافورة والصين، تحقق الشراكات طويلة الأمد بين الجامعات والشركات والحكومات نتائج ملموسة، مدعومة بأطر تنظيمية ومالية تمنح مرونة استراتيجية أكبر مما هو متاح لمعظم الشركات الغربية.

لكن في أماكن أخرى، لا تزال العلاقة بين الطرفين بعيدة عن تحقيق إمكاناتها الحقيقية.

لماذا لا تحقق الشراكة بين الجامعات والشركات النتائج المرجوة؟

يواجه كل قطاع ضغوطاً داخلية مختلفة. فالجامعات تعاني من أزمات تمويل، وتحديات تتعلق بالشرعية وحرية البحث العلمي، في بيئة سياسية تزداد استقطاباً، حيث أصبحت الخبرة العلمية نفسها موضع تشكيك، بل وتتعرض علوم المناخ للهجوم.

أما الشركات، وخاصة المدرجة في البورصة، فغالباً ما تكون مقيدة بالسعي وراء العوائد المالية قصيرة الأجل للمساهمين.

ويزيد من تعقيد الوضع تراجع أهداف الاستدامة لدى الشركات منذ ذروتها عام 2021، إذ بات عدد متزايد من الشركات يركز على الأولويات التجارية الآنية بدلاً من الاستعداد للتحولات المستقبلية.

إلى جانب هذه الضغوط الداخلية، توجد تحديات هيكلية في العلاقة بين الأكاديميا وقطاع الأعمال. فالتمويل يمثل مشكلة مزمنة، لكن اختلاف الأطر الزمنية يعد أحد أبرز خطوط الانقسام.

فالشركات تحتاج إلى السرعة والمرونة والحصول على رؤى سريعة، بينما تقوم الجامعات على البحث المتعمق والاستقصاء طويل الأمد.

كما تزيد الحوافز المهنية من هذا التباعد، إذ إن التعاون مع القطاع الصناعي نادراً ما يسرّع التقدم الأكاديمي، بينما تجد الشركات صعوبة في تحويل الأبحاث العلمية المحكمة، التي تُعد أساس الحياة المهنية الأكاديمية، إلى حلول قابلة للتطبيق.

“من مصلحة الشركات والجامعات معاً الاستثمار في حماية المساحة المتاحة لكلا النوعين من البحث...”

ويبرز خط انقسام ثانٍ يتمثل في التوتر بين الأبحاث القائمة على الاكتشاف والأبحاث الموجهة لحل التحديات.

وقد أدى ازدهار الذكاء الاصطناعي إلى تفاقم هذه المشكلة، إذ تنفق كبرى شركات التكنولوجيا مبالغ هائلة لبناء قدراتها البحثية الخاصة، واستقطاب أفضل المواهب الأكاديمية الشابة إلى الأنظمة التجارية.

وتشير أبحاث حديثة إلى أن ذلك تسبب في تراجع ملموس في الابتكار العلمي وتأثير الأبحاث، مع تراجع العلوم القائمة على الفضول والاكتشاف لصالح الأولويات التجارية.

لكن استراتيجيات التحول الصناعي الفعالة لا تعتمد فقط على النشر السريع للحلول المبتكرة، بل أيضاً على وجود تدفق مستمر من العلوم المدفوعة بالفضول، بعيداً عن قيود ما يقدّره السوق اليوم.

كما تتطلب هذه الاستراتيجيات تطوير فهم عميق لكيفية استخدام المجتمعات والاقتصادات للتكنولوجيا وإدارتها بحكمة، إضافة إلى بناء قاعدة معرفية موثوقة ومشتركة تدعم العمل الجماعي.

ولهذا، فمن مصلحة الجامعات والشركات الاستثمار في كلا المسارين وحمايتهما: الأبحاث القائمة على الاكتشاف التي تصنع اختراقات المستقبل، والتعاون الموجّه لحل التحديات الذي يحوّل أبحاث اليوم المتقدمة إلى حلول مطبقة على أرض الواقع.

كيف يمكن للجامعات والشركات تجاوز هذا التوتر؟

خلال الاجتماعات السنوية الأخيرة لمجالس المستقبل العالمية والأمن السيبراني في دبي، حدد أعضاء خمسة مجالس مستقبل عالمية مسارات عملية لتجاوز هذه التحديات.

1. ردم الفجوات وبناء رؤية مستقبلية

تقوم الجامعات بإعداد الكفاءات التي تعتمد عليها الاقتصادات، لكن احتياجات الاقتصاد والمجتمع تتغير بسرعة كبيرة، ما يفرض على الجامعات والشركات التعاون لتحديد المهارات المستقبلية وبنائها معاً.

كما تستطيع الجامعات أن تلعب دوراً أكبر في تطوير قدرات اتخاذ القرار الاستراتيجي لدى قادة اليوم.

ويشمل ذلك تقديم رؤى طويلة الأمد ومتعددة التخصصات تتحدى الافتراضات التي تُبنى عليها القرارات الحالية، وتكشف النقاط العمياء، وتفتح الباب أمام حلول وأساليب تفكير تعزز القدرة على الصمود وتكشف قيمة تحتاجها الأسواق والمجتمعات المتقلبة بشكل عاجل.

والهدف هنا هو بناء جسر فعال بين عالمين يعملان وفق أطر زمنية ونماذج تمويل مختلفة جذرياً، لكن كلّاً منهما يضيف قيمة مميزة بسبب طبيعة عمله المختلفة. ويتطلب ذلك استثماراً هيكلياً في الأشخاص والشراكات القادرة على بناء هذا الجسر.

فالأشخاص القادرون على التنقل بين العالمين بمصداقية، من خلال الإعارات المهنية أو التدريب أو الأدوار المشتركة والاستشارية داخل الجامعات والشركات، يشكلون الرابط الأساسي للتعاون الفعال وتبادل المعرفة.

فهؤلاء يضمنون اطلاع الباحثين على التحديات التجارية الحقيقية قبل تثبيت تصميم أبحاثهم، كما يساعدون الشركاء التجاريين على فهم ما تستطيع الجامعات تقديمه فعلاً.

كما يجب أن تراعي تصميمات الشراكات اختلاف دورات العمل بين الطرفين، وذلك عبر الاتفاق على أهداف طويلة الأمد مشتركة، مع تقديم نتائج مبكرة وواضحة تثبت أهمية التعاون وتحافظ على الزخم إلى أن تنضج المشاريع طويلة الأجل.

ويُعد ترجمة الرؤى الأكاديمية إلى لغة يفهمها قطاع الأعمال عاملاً عملياً مهماً لتعزيز التعاون.

فعلى سبيل المثال، يمكن أن يساعد الحديث عن الطبيعة بالطريقة نفسها التي نتحدث بها عن المخاطر المالية في توضيح أهمية التنوع البيولوجي للمستثمرين. فإذا تم النظر إلى فقدان الطبيعة باعتباره خطراً واسع النطاق يهدد الاقتصاد، سيصبح من الأسهل على صناع القرار تبرير الاستثمار في حمايتها، تماماً كما يحدث مع المؤسسات التي تُعتبر “أكبر من أن تفشل”.

“في فترة تتسم بالاضطراب وعدم توازن القيادة السياسية، تمتلك الجامعات والشركات القدرة على بناء قاعدة الأدلة والثقة والأطر المشتركة...”

2. ربط الاكتشاف بالتأثير الفعلي

لا تحقق الأبحاث والابتكارات تأثيراً حقيقياً إلا إذا وصلت إلى صناع القرار بصيغة يمكنهم العمل بها. وقد تم تسليط الضوء على ثلاثة مسارات رئيسية:

  • توفير الصرامة الأكاديمية المستقلة للتحديات التي يواجهها المستثمرون ومخصصو رأس المال. فعلى سبيل المثال، ساعدت أبحاث كلية إمبريال في تحديد مؤشرات الأداء المالي على تحسين القرارات الاستثمارية ومنح خبراء تقييم المخاطر ثقة أكبر لاتخاذ الإجراءات.
  • التواصل المباشر مع صناع القرار لبناء الثقة في التقنيات الناشئة وتقليل الخوف من المخاطر. فالعروض التوضيحية وزيارات المختبرات والتعاون مع الباحثين تعزز فرص النشر والاستثمار، كما يمكن للجامعات أن تعمل كمختبرات حية تثبت فيها الشركات الناشئة أداء تقنياتها في الواقع العملي.
  • بناء بنية تحتية قوية للتسويق التجاري ومنصات ابتكار تتجاوز فجوة الانتقال من الفكرة إلى التطبيق. فالجامعات التي تمتلك مسارات ناجحة لتحويل الاكتشافات إلى تطبيقات عملية تجذب الاستثمارات، كما يظهر في شراكة صندوق بيزوس للأرض مع معهد جورجيا للتكنولوجيا. كما تساعد مبادرات مثل “مسرّع تأثير الطيران” في كامبريدج على ربط القطاعات المختلفة لمعالجة تحديات التوسع التي لا تستطيع أي شركة حلها بمفردها.

ما الفرصة التي تتيحها شراكة أقوى بين الجامعات والشركات؟

تشير هذه الأولويات مجتمعة إلى ما هو أكبر من مجرد تحسين التعاون.

ففي عصر يتسم بالاضطراب وضعف القيادة السياسية، تمتلك الجامعات والشركات القدرة على بناء قاعدة الأدلة والثقة والأطر المشتركة التي ستعتمد عليها اقتصادات وصناعات المستقبل.

وهذا يعني مشاركة فعلية في قيادة تصور المستقبل وصياغته، الأمر الذي يتطلب من الطرفين التعامل مع الشراكة باعتبارها التزاماً استراتيجياً حقيقياً.

أما تكلفة عدم القيام بذلك، فهي واضحة بالفعل في الفجوة بين حجم التحديات التي تواجهها المجتمعات والسرعة التي تصل بها الحلول إلى الأشخاص والأنظمة التي تحتاجها.

وفي لحظة تتزايد فيها القيود البيئية والسياسية، يمكن لشراكة استراتيجية متجددة بين الجامعات والشركات أن تصبح أداة قوية لتحويل المعرفة إلى تقدم جماعي يخدم المجتمع بأكمله.

المصدر

مقالات ذات صلة