القائمة الرئيسية

الهند أمام أزمة وقود الطهي: لماذا تحتاج إلى استراتيجية طاقة نظيفة متعددة المصادر؟

الهند أمام أزمة وقود الطهي: لماذا تحتاج إلى استراتيجية طاقة نظيفة متعددة المصادر؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف كشفت أزمة الوقود العالمية والصراع الأمريكي الإيراني هشاشة اعتماد الهند على غاز الطهي المستورد، وما يسببه ذلك من أعباء مالية ضخمة ومخاطر على أمن الطاقة، مؤكدة أن الحل لا يكمن في استبدال نوع وقود بآخر، بل في تبني استراتيجية طهي نظيفة متعددة المصادر تعتمد على الكهرباء والغاز الحيوي والطاقة الشمسية، بما يضمن خفض التكاليف وتقليل الاعتماد على الواردات وتوفير مستقبل أكثر استدامة وأمانًا للأسر الهندية.

  • كشفت التداعيات الناتجة عن الصراع الأمريكي الإيراني على إمدادات الطاقة العالمية التكاليف المالية والاستراتيجية لاعتماد الهند على وقود الطهي المستورد.
  • وهناك حجة مالية قوية تدعم إعادة توجيه الدعم نحو بدائل الطهي المعتمدة على مصادر غير أحفورية.
  • كما أن استراتيجية متعددة الوقود تقوم على الكهرباء والغاز الحيوي والطاقة الشمسية يمكن أن توفر للهند أمنًا للطاقة وقدرة أكبر على تحمل التكاليف وتخفيفًا للأعباء المالية.

تواجه شركات تسويق النفط في الهند خسائر كبيرة، يعود معظمها إلى وقود الطهي. فعلى الرغم من زيادة سعر أسطوانة غاز البترول المسال (LPG) المنزلية بمقدار 60 روبية هندية (0.64 دولار)، فإن هذه الشركات ما تزال تتحمل خسارة قدرها 380 روبية هندية (4.08 دولارات) لكل أسطوانة، ما أدى إلى خسائر تراكمية بلغت نحو 40,500 كرور روبية (4.4 مليارات دولار) بحلول مايو 2026.

وقد خُصص لدعم غاز البترول المسال وحده في السنة المالية 2026-2027 مبلغ 11,000 كرور روبية (1.19 مليار دولار)، ومن المرجح أن يؤدي استمرار الصراع الأمريكي الإيراني إلى زيادة هذا العبء المالي مع استمرار ارتفاع الأسعار العالمية. كما واجهت المطابخ التجارية تقنينًا في إمدادات الغاز وزيادة في الأسعار بلغت 195 روبية هندية (2.11 دولار) للأسطوانة منذ بداية الأزمة.

ويعكس هذا الوضع استراتيجية وقود طهي اعتمدت بشكل كبير على الوقود الأحفوري المستورد. فعلى مدى عقود، روّجت الهند لغاز البترول المسال باعتباره الوقود النظيف الرئيسي للطهي، مدعومة بقدرات التكرير وشبكات التوزيع والدعم الحكومي. وكانت النتيجة تحقيق تغطية تتجاوز 100% من حيث التوصيلات.

لكن فجوة القدرة على تحمل التكاليف لا تزال قائمة، إذ يعتمد ما يقرب من 40% من الأسر على أنواع وقود صلبة ملوثة. وقد جاء إدخال الغاز الطبيعي عبر الأنابيب (PNG) بهدف تنويع مزيج الوقود، إلا أن ارتفاع تكاليف التوصيل وبطء تطوير البنية التحتية ومخاوف الأسعار حدّت من انتشاره ليصل إلى نحو 15 مليون توصيلة منزلية فقط، مقارنة بأكثر من 330 مليون توصيلة لغاز البترول المسال.

التحول نحو الغاز عبر الأنابيب خطوة مشجعة لكنها غير كافية

أظهرت المبادرة الحكومية الأخيرة التي تشجع الأسر في المناطق المرتبطة بشبكات الغاز الطبيعي عبر الأنابيب على الانتقال من غاز البترول المسال نتائج ملموسة. فقد تخلت نحو 6,000 أسرة عن توصيلات الغاز المسال، بينما أُضيف ما يقرب من 300 ألف اشتراك جديد في الغاز عبر الأنابيب منذ بداية الأزمة، وهي خطوة مرحب بها.

لكن الخطأ الذي ارتُكب على مدى عقود والمتمثل في الاعتماد على وقود أحفوري مستورد واحد كأساس للطهي النظيف لا ينبغي تكراره من خلال استبدال غاز البترول المسال بنموذج ثنائي الوقود يعتمد على الغاز المسال والغاز عبر الأنابيب فقط.

فالتحول من الغاز المسال إلى الغاز عبر الأنابيب والترويج لهما باعتبارهما الوقودين الرئيسيين على المدى المتوسط لا يحمي الهند من الاعتماد على الواردات أو تقلبات الأسعار أو المخاوف المتعلقة بأمن الطاقة. فكلاهما وقود أحفوري وكلاهما مستورد.

وتحتاج الهند إلى استراتيجية حقيقية متعددة الوقود تستفيد من الموارد المحلية المتاحة، وتقلل التعرض للواردات، وتضمن ألا تعود الأسر إلى استخدام الوقود التقليدي الملوث في أوقات الأزمات.

الطهي الكهربائي: أرخص وأنظف ويعتمد على مصادر محلية

أصبح الطهي المعتمد على الكهرباء بالفعل أقل تكلفة من كل من غاز البترول المسال والغاز عبر الأنابيب بالنسبة للأسر الحضرية.

فقد أظهر تقرير صادر عام 2025 أن التكلفة السنوية للطهي الكهربائي لأسرة مكونة من أربعة أفراد في دلهي تبلغ 5,844 روبية هندية (60 دولارًا)، أي أقل بنسبة 10% من تكلفة استخدام غاز البترول المسال حتى مع الدعم الحكومي الشامل البالغ 200 روبية (2.16 دولار) للأسطوانة. ومنذ ذلك الحين ارتفعت أسعار الغاز أكثر، ما جعل الطهي الكهربائي أرخص بنحو 25% رغم استمرار الدعم. كما تبيّن أن الطهي باستخدام الغاز عبر الأنابيب أغلى بنسبة 14% من الطهي الكهربائي، وقد يصبح أكثر تكلفة إذا تم تحميل المستهلكين آثار ارتفاع أسعار الغاز العالمية.

ولا يُتوقع أن يشكل التحول إلى الطهي الكهربائي عبئًا لا يمكن تحمله على شبكة الكهرباء، خاصة إذا تم تطبيق تقنيات إدارة الأحمال مثل الحوافز المرتبطة بأوقات الاستخدام والعدادات الذكية ثنائية الاتجاه.

وعند مستوى الاستهلاك التجاري الحالي لغاز البترول المسال البالغ 2.6 مليون طن سنويًا، فإن التحول الكامل للمطابخ التجارية إلى الكهرباء، بافتراض كفاءة طاقة تبلغ 85% للأجهزة الكهربائية، سيؤدي إلى استهلاك نحو 1.63 مليار وحدة كهربائية شهريًا، أي ما يعادل تقريبًا 1% من إجمالي استهلاك الكهرباء الشهري في البلاد البالغ نحو 150 مليار وحدة. وتقدّر الحكومة أن اعتماد الطهي باستخدام المواقد الحثية في أوقات الأزمات سيتطلب قدرة كهربائية إضافية تتراوح بين 13 و27 غيغاواط بحسب حجم الاستخدام.

الغاز الحيوي والطاقة الشمسية: البعد الريفي للحل

في حين يُعد الطهي الكهربائي الخيار الأكثر وعدًا للمناطق الحضرية، تحتاج المناطق الريفية في الهند إلى حلول مكملة. فقد جرى اختبار تقنيات الطهي الشمسي المركز ومواقد الغاز الحيوي الخاصة بالمطابخ المجتمعية بنجاح ضمن برامج تجريبية في عدة ولايات.

ويوفر الغاز الحيوي فائدة مزدوجة تتمثل في تقليل الاعتماد على الواردات والمساعدة في إدارة النفايات الزراعية، بما في ذلك مخلفات المحاصيل المرتبطة بحرق القش.

لكن العديد من مشاريع الغاز الحيوي المخطط لها تعثر بسبب المعارضة المحلية وضعف الدعم المالي وغياب التوجيه السياسي الواضح. ومن شأن إعطاء الأولوية لتشغيل هذه المنشآت أن يحقق نتائج ملموسة بسرعة. أما حلول الطهي بالطاقة الشمسية فما تزال غير مستغلة بالشكل الكافي رغم وفرة الموارد الشمسية في الهند. وكلتا التقنيتين تستحقان دعمًا ماليًا موجهًا مشابهًا لذلك الذي يحظى به الغاز المسال والغاز عبر الأنابيب.

الحجة المالية وراء تنويع مصادر الوقود

هناك مبرر مالي قوي لإعادة توجيه الدعم نحو بدائل الطهي القائمة على مصادر غير أحفورية. فالتكلفة الأولية لمواقد الحث الكهربائي وأنظمة الغاز الحيوي والطهي الشمسي تمثل عائقًا أمام التبني، لكن الأمر نفسه كان ينطبق على توصيلات غاز البترول المسال قبل تدخل الحكومة عبر برنامج “أوجوالا” للدعم.

ومن شأن تقديم حوافز مماثلة لأجهزة الطهي الكهربائي ووحدات الغاز الحيوي والمطابخ الشمسية المجتمعية أن يوفر للأسر حماية أكبر من الاضطرابات الجيوسياسية، كما سيكون أكثر حكمة من الناحية المالية على المدى المتوسط نظرًا لانخفاض تكاليف التشغيل واستقرارها مقارنة بالوقود الأحفوري.

وقد اكتسبت خيارات الطهي المعتمدة على مصادر غير أحفورية شعبية وقبولًا متزايدين مؤخرًا بفعل الأزمة نفسها. وينبغي استثمار هذا الزخم عبر سياسات واضحة وبرامج تجريبية وحملات توعية وحوافز مالية موجهة.

ما الذي يجب أن يحدث الآن؟

ينبغي للحكومة أن تحدد أهدافًا واضحة لاعتماد حلول الطهي النظيف متعددة الوقود بحلول عام 2030، مدعومة بخارطة طريق خاصة بكل تقنية.

وتتمثل الأولويات العاجلة في نقطتين أساسيتين: أولًا، تقديم دعم مالي لمواقد الحث الكهربائي في المناطق الحضرية على غرار برنامج دعم المركبات الكهربائية، إلى جانب حملات توعية واسعة النطاق للمستهلكين. وثانيًا، تسريع تشغيل مشاريع الغاز الحيوي المتعثرة في المناطق الريفية ضمن جداول زمنية واضحة وبدعم مالي مناسب.

إن هشاشة منظومة وقود الطهي في الهند ليست جديدة، لكن الصراع الأمريكي الإيراني جعل تكلفتها المالية والاستراتيجية مستحيلة التجاهل. واستراتيجية متعددة الوقود تقوم على الكهرباء والغاز الحيوي والطاقة الشمسية ليست مجرد خيار أنظف، بل هي أيضًا أكثر توفيرًا وأمنًا واستدامة من الناحية المالية. والوقت المناسب للتحرك هو الآن، بينما لا تزال حالة الإلحاح قائمة.

المصدر

مقالات ذات صلة