- تُعد مراكز البيانات من أكبر “المنتجين والمستهلكين” للطاقة في الوقت نفسه، إذ تسهم في إنتاج الكهرباء واستهلاكها معاً، ما يخلق تأثيرات معقدة على مرونة شبكات الكهرباء.
- ولهذا السبب تعتمد مراكز البيانات الأكثر مرونة على أنظمة متقدمة للأمن السيبراني والمراقبة لحماية أنظمة الطاقة الخاصة بها.
- كما أن حماية البنية التحتية لمراكز البيانات والتنسيق المسبق للاستجابة للحوادث مع مشغلي الشبكات الكهربائية يمكن أن يدعم استقرار الشبكة أثناء الهجمات السيبرانية أو انقطاعات الطاقة.
أصبحت مراكز البيانات واحدة من أسرع مصادر الطلب على الكهرباء نمواً وأكثرها تعقيداً. ففي عام 2024، استهلكت مراكز البيانات 1.5% من إجمالي الكهرباء العالمية، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، بينما ارتفع استهلاكها للطاقة بنسبة 12%. لكن على مشغلي الشبكات الكهربائية أن يأخذوا في الاعتبار ما هو أكثر من مجرد زيادة الطلب عند التخطيط للنمو المتوقع لمراكز البيانات.
فقد تتسبب مراكز البيانات في حالات تنضم فيها أحمال كهربائية ضخمة إلى الشبكة أو تنفصل عنها بشكل مفاجئ، ما يفرض تحديات على استقرار الشبكات الكهربائية.
وفي الوقت نفسه، تدعم مراكز البيانات بشكل مباشر وغير مباشر مختلف الأنشطة الاقتصادية، بدءاً من الاجتماعات الافتراضية وصولاً إلى توقعات الطاقة واستراتيجيات توزيع الكهرباء لدى شركات الطاقة. ولا تستطيع هذه المراكز تقديم هذه الخدمات دون توفر الطاقة، سواء من الشبكة الكهربائية أو من أنظمة الطاقة الاحتياطية الموجودة في الموقع.
إن الترابط بين مراكز البيانات وأنظمة الطاقة يجعل من الضروري فهم وإدارة المخاطر السيبرانية التي تهدد البنية التحتية للطاقة، بما في ذلك إنتاج الطاقة داخل منشآت مراكز البيانات. كما أن فهم مفهوم المرونة بالنسبة لمراكز البيانات وأنظمة الطاقة الموجودة فيها وعلاقاتها مع شبكات الكهرباء الإقليمية سيعزز مرونة البنية التحتية الحيوية الحالية والمستقبلية.
بناء مراكز بيانات مرنة
تعتمد استمرارية خدمات البيانات على مرونة مراكز البيانات، إذ تشمل هذه الخدمات كل شيء من الإعلانات عبر الإنترنت إلى الخدمات اللوجستية للأعمال والفواتير والخدمات المصرفية الرقمية وغيرها. ولذلك يجب أن تكون مراكز البيانات قادرة على صد التهديدات السيبرانية واكتشافها ومعالجتها دون تعطيل هذه الخدمات. كما أن تصميم أو تشغيل أنظمة الطاقة في مراكز البيانات دون مراعاة الأمن السيبراني قد يؤدي إلى ظهور ثغرات أمنية أو تجاهلها.
ولكي تتمكن مراكز البيانات من تقديم خدمات البيانات، يجب أن يكون جزء من منشآتها متصلاً بالشبكات الخارجية. وهذا التعرض المستمر للإنترنت يتطلب بنية أمنية تحمي أنظمة الطاقة الموجودة في الموقع.
ولهذا ينبغي حماية محطات الطاقة أو أنظمة البطاريات الاحتياطية في مراكز البيانات عبر ما يُعرف بـ”التقوية الأمنية”، من خلال إعداد ضوابط رقمية صحيحة تشمل جدران الحماية وإغلاق المنافذ غير المستخدمة. وبما أن أدوات الحماية تتآكل فعاليتها بمرور الوقت، فإن مراجعة الأنظمة الأمنية بشكل دوري تُعد من أفضل الممارسات.
كما يجب مراقبة أنظمة محطات الطاقة ونسخها الاحتياطية لأنها تُدار رقمياً. ويمكن لمراقبة بيانات أجهزة الاستشعار والإنتاج إلى جانب بيانات الأحداث الأمنية أن تساعد في اكتشاف التهديدات والثغرات قبل وقوع الأضرار. وحتى الأنظمة المحصنة يجب أن تبقى تحت المراقبة المستمرة.
ويتطلب الأمن السيبراني أيضاً رؤية شاملة لمختلف الأنظمة المترابطة. فأنظمة محطات الطاقة والطاقة الاحتياطية والتبريد وأنظمة الدخول المادي تحمل جميعها احتمالات سوء الاستخدام بما قد يؤثر في استقرار مراكز البيانات والشبكات الكهربائية. وتساعد الرؤية المتكاملة لهذه الأنظمة على تحديد المشكلات الخطيرة ومعالجتها بسرعة أكبر مقارنة بمراقبة كل نظام بشكل منفصل.
كما أن التنسيق بين الأطراف المختلفة مهم لأن مراكز البيانات تمثل أحمالاً كهربائية ضخمة. فعندما تتحول هذه المراكز إلى الطاقة الاحتياطية أو تعود للاعتماد على الشبكة الكهربائية، قد يخلق ذلك تحديات في إدارة الشبكة. ويمكن أن يساعد التشغيل الدوري المخطط لأنظمة الطاقة الاحتياطية المشغلين على اكتساب الخبرة في التواصل والتعرف على أي تفاعلات غير مقصودة بين هذه الأنظمة وإدارتها.
إدارة انقطاعات الطاقة
يجب أن تكون البنية التحتية المرنة لمراكز البيانات قادرة على تحمل انقطاع الكهرباء من الشبكة مع الاستمرار في تقديم خدمات البيانات. وتسعى معظم مراكز البيانات إلى تأمين ما لا يقل عن 12 ساعة من الطاقة والمياه الاحتياطية. كما أن استخدام مصادر طاقة متعددة ومجموعات متطابقة من المعدات يساعد في تعزيز التكرار وتقليل نقاط الفشل الفردية.
ويُعد تخزين الطاقة في البطاريات حلاً شائعاً لأغراض الطاقة الاحتياطية قصيرة الأجل. ويمكن الانتقال من الكهرباء القادمة من الشبكة إلى البطاريات خلال أجزاء من الثانية، حتى في الحالات غير المخطط لها. كما تتيح البطاريات وقتاً كافياً لشركات الكهرباء لمعالجة الأعطال أو لمشغلي مراكز البيانات لتشغيل مصادر طاقة أبطأ مثل التوربينات الغازية.
وعند تحديد حجم البطاريات المطلوب تركيبها، يجب على مشغلي مراكز البيانات مراعاة معدلات التفريغ والسعة الإجمالية. وبعد تركيبها، يتعين عليهم تحديد توقيت تخزين الكهرباء وتوقيت استخدامها. وتصبح هذه القرارات أكثر تعقيداً عندما تتداخل معها عوامل إضافية مثل خفض الانبعاثات أو تقليل التكاليف أو دمج البطاريات مع الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح أو التوربينات الغازية.
تطوير مصادر الطاقة
غالباً ما يتم تصميم مراكز البيانات وفق مبدأ “الطاقة أولاً”. إذ تكون أنظمة إنتاج الطاقة الموجودة في الموقع قادرة على تشغيل المنشأة بكامل طاقتها إلى أجل غير محدد. وفي العمليات اليومية، تتخذ هذه المراكز قراراً اقتصادياً بين إنتاج الطاقة محلياً أو سحبها من الشبكة الكهربائية، وغالباً ما تعتمد على الشبكة بسبب كفاءتها الأعلى في إنتاج الكهرباء.
كما أن الوتيرة السريعة لنشر مراكز البيانات في مناطق تخضع لتنظيمات صارمة مثل الولايات المتحدة تدفع نحو تشجيع إنتاج الطاقة داخل الموقع. فالحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة لإنشاء خطوط إنتاج ونقل كهرباء جديدة يستغرق وقتاً، بينما يطالب المستثمرون في تقنيات الذكاء الاصطناعي بسرعة التنفيذ.
وفي الوقت نفسه، قد تؤدي قيود سلاسل التوريد إلى تأخير شراء ونشر المعدات الثقيلة مثل التوربينات الغازية. لذلك يمكن للمطورين الاعتماد مؤقتاً على مولدات صغيرة متاحة فوراً قبل الانتقال لاحقاً إلى مصادر مثل الرياح أو الطاقة الشمسية أو الطاقة النووية عند جاهزية هذه الأنظمة. ويوفر دمج مصادر الطاقة المتعددة ميزة تنويع المخاطر، لكنه يتطلب اهتماماً دقيقاً لضمان الرؤية الشاملة اللازمة لمراقبة الأمن السيبراني.
كما يمكن لمراكز البيانات تقليل مخاطر انقطاع الكهرباء المحلي عبر توزيع خدمات البيانات جغرافياً. غير أن هذا يفرض تحديات تقنية متعددة مثل زمن الاستجابة ومتطلبات سيادة البيانات، ما قد يجعل هذه الاستراتيجيات غير عملية أو غير اقتصادية في بعض الحالات. ومن منظور مشغلي الشبكات الكهربائية، فإن انتقال خدمات البيانات من مركز بيانات إلى آخر قد يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في الأحمال الكهربائية في مناطق أخرى داخل الحدود الوطنية.
المرونة للكهرباء والبيانات معاً
ترتبط مرونة مراكز البيانات وقطاع الكهرباء ببعضهما بشكل وثيق. فمراكز البيانات تحتاج إلى تشغيل أنظمة الطاقة الاحتياطية أثناء انقطاع الكهرباء، بينما يحتاج مشغلو الشبكات إلى بناء أنظمة قادرة على التعامل مع تقلبات أحمال مراكز البيانات. ويستفيد الطرفان من وجود شبكة كهربائية مستقرة توفر طاقة منخفضة التكلفة دون انقطاع، ما يجعل التعاون في مجال المرونة أمراً ضرورياً.
وقد تحدث انقطاعات الكهرباء والهجمات السيبرانية في الوقت نفسه. لكن بناء المرونة في العلاقة بين مراكز البيانات وقطاع الكهرباء، والاستمرار في التعاون بين القطاعين مع تطور متطلبات كل منهما، يمكن أن يساعد في معالجة التحديات الهندسية القابلة للحل وتحويل الأزمات الكبرى إلى حوادث محدودة التأثير.
