- يفشل التحول المرتبط بالذكاء الاصطناعي في كثير من الأحيان بسبب خيارات التصميم التنظيمي أكثر مما يفشل بسبب محدوديات التكنولوجيا نفسها.
- أما المؤسسات التي تحقق النجاح الحقيقي مع الذكاء الاصطناعي فهي تلك التي أعادت تصميم طريقة عمل البشر والآلات معاً بشكل متعمد ومدروس.
- ويجب على قادة الموارد البشرية أن يؤدوا دوراً محورياً في هذا التحول، بوصفهم مهندسي تصميم، ورعاة للقدرات، ومحفزين للتبني، وحراساً لمرحلة الانتقال.
بعد عام من هزيمة حاسوب “ديب بلو” التابع لشركة IBM لبطل الشطرنج غاري كاسباروف عام 1997، قام كاسباروف بخطوة غير متوقعة.
فبدلاً من الانسحاب، ابتكر شكلاً جديداً من الشطرنج يجمع بين اللاعبين البشر وأجهزة الكمبيوتر لمعرفة ما يمكن أن يحققوه معاً. وكانت النتيجة لافتة: حتى اللاعبون متوسطي المهارة، باستخدام أجهزة عادية، تمكنوا من التفوق على كبار الأساتذة وأجهزة الكمبيوتر عندما يعمل كل منهم بمفرده. لقد كان الجمع بين الإنسان والآلة أفضل بصورة قاطعة من أي منهما بشكل منفصل.
ويحمل هذا الدرس أهمية مباشرة للمؤسسات التي تتعامل اليوم مع الذكاء الاصطناعي. فالغريزة الأولى تدفع إلى التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره قصة تكنولوجية، لكنه ليس كذلك. فالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الوظائف، ويعيد توزيع صلاحيات اتخاذ القرار، ويغير نماذج التشغيل، ويدفع المؤسسات إلى إعادة التفكير في طرق العمل الراسخة بعمق. كما أنه يثير أسئلة بشرية بقدر ما يثير أسئلة تقنية. والمؤسسات التي تحقق النجاح الحقيقي ليست تلك التي تمتلك التكنولوجيا الأكثر تطوراً، بل تلك التي أعادت تصميم كيفية عمل البشر والآلات معاً بشكل متعمد.
إن التحول بالذكاء الاصطناعي ليس برنامجاً تقنياً يتم تطبيقه، بل تحولاً بشرياً يجب قيادته.
الذكاء الاصطناعي يتطلب شراكة ثلاثية
أنجح تحولات الذكاء الاصطناعي تقوم على شراكة وثيقة بين ثلاثة أطراف: قطاع الأعمال الذي يحدد الأجندة ويتحمل مسؤولية النتائج، والمدير التنفيذي للمعلومات الذي يوفر المنصات التقنية والحوكمة، والمدير التنفيذي للموارد البشرية الذي يقود التحول البشري الذي يحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحقق قيمة على نطاق واسع أو سيتوقف عند حدود التجارب الأولية.
كل طرف من هؤلاء ضروري، لكن أياً منهم لا يكفي بمفرده.
فالبعد البشري — أي تصميم العمل وصلاحيات اتخاذ القرار، وبناء القدرات، وإدارة الثقة، وتنظيم عملية التبني — ليس نتيجة لاحقة للتكنولوجيا، بل عامل أساسي لتمكينها. ولهذا السبب يجب أن يؤدي المدير التنفيذي للموارد البشرية دوراً مركزياً ومميزاً في هذا التحول، عبر أربعة أدوار مترابطة.
“العامل الحاسم لن يكون الوصول إلى التكنولوجيا، بل القدرة على إدارة التحول البشري حولها.”
أربعة أدوار لعصر الذكاء الاصطناعي
بصفته مهندس التصميم، يعيد المدير التنفيذي للموارد البشرية تصور كيفية إنجاز العمل. فالتحول بالذكاء الاصطناعي يفشل غالباً بسبب خيارات التصميم التنظيمي أكثر من محدوديات التكنولوجيا. وعندما تطبق الشركات الذكاء الاصطناعي دون إعادة تصميم العمل، تصبح صلاحيات اتخاذ القرار غير واضحة، وتتراجع المساءلة، وتتوقف مكاسب الإنتاجية. لذلك يجب على المدير التنفيذي للموارد البشرية تحديد القرارات التي تظل بقيادة البشر، وتلك التي يدعمها الذكاء الاصطناعي، وتحديد مواضع المساءلة، مع بناء نماذج تشغيل مرنة قادرة على التطور مع تسارع قدرات الذكاء الاصطناعي.
في شركة بروكتر آند غامبل، تم دمج علماء البيانات ومهندسي الذكاء الاصطناعي مباشرة داخل وحدات الأعمال والفرق التشغيلية بدلاً من حصرهم في أقسام تحليل مركزية، ما أتاح تفاعلاً فورياً مع قرارات سلاسل الإمداد والتسويق والعمليات التجارية على نطاق واسع، وأزال الحواجز المعلوماتية التي كانت تعيق الأداء.
وبصفته راعياً للقدرات، يعمل المدير التنفيذي للموارد البشرية على بناء أنظمة تعلم شاملة للمؤسسة تواكب سرعة تطور الذكاء الاصطناعي. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، تمثل القدرات — وليس التكنولوجيا — القيد الأساسي أمام خلق القيمة. والتدريب التقليدي المتقطع لم يعد مناسباً لسرعة التغيير الحالية. لذلك يجب بناء تعلم مستمر ومترابط مع سير العمل اليومي، وتنمية الثقافة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لدى جميع الموظفين، مع الحفاظ على رؤية دائمة للمهارات التي تنمو أو تتراجع.
وخلال فترة عملي في شركة زيورخ للتأمين، قمنا ببناء منظومة شاملة لقدرات الذكاء الاصطناعي على مستوى المؤسسة، تجمع بين التوعية العامة والتعلم العميق المرتبط بالتخصصات المختلفة. وقد ركزت هذه المنظومة بشكل متعمد على المهارات القابلة للنقل، ما أتاح إعادة توظيف الموظفين بسرعة مع تغير الأدوار.
أما بصفته محفزاً للتبني، فيضمن المدير التنفيذي للموارد البشرية ألا تظل قيمة الذكاء الاصطناعي محصورة داخل الفرق المركزية أو التوجيهات الإدارية العليا. فالتأثير القابل للتوسع يأتي من القاعدة إلى القمة، عبر الموظفين الذين يفهمون طبيعة العمل ويتم تمكينهم لتطبيق الذكاء الاصطناعي في الأماكن التي تكون فيها المعرفة أعمق.
وفي مجموعة الفطيم، على سبيل المثال، لم يتم تطوير حالات الاستخدام الخاصة بمنصة “بلو لويلتي” مركزياً، بل أنشأتها فرق تجزئة ميدانية متعددة التخصصات ضمن مجموعات عمل مرنة تعتمد على التعلم بالممارسة، مستخدمة معرفتها المباشرة بالعملاء لتطوير توصيات شخصية. وتم دمج الذكاء الاصطناعي في سير العمل بواسطة الأشخاص الأكثر فهماً له، وكانت النتيجة زيادة ملموسة في الإيرادات ناتجة عن تطبيقات قائمة على تفاعلات حقيقية، لا على افتراضات قاعات الاجتماعات.
وبصفته حارساً لمرحلة الانتقال، يضمن المدير التنفيذي للموارد البشرية أن يكون تبني الذكاء الاصطناعي أخلاقياً وشفافاً ومتوافقاً مع القيمة التي تقدمها المؤسسة لموظفيها. فالذكاء الاصطناعي يثير مخاوف مشروعة تتعلق بالعدالة والمراقبة والتحيز وإمكانية التوظيف، وإذا لم تتم معالجتها فإنها ستقوض الثقة التي يعتمد عليها التبني الناجح.
ويحتاج الموظفون اليوم إلى التركيز بدرجة أقل على وظائف محددة بعينها، وبدرجة أكبر على بناء مجموعات مهارات قابلة للنقل تخدمهم طوال مسيرتهم المهنية التي ستشهد تغيرات متسارعة بلا شك. ويجب على المدير التنفيذي للموارد البشرية أن يجعل هذا المسار واقعياً عبر التزامات ملموسة بإعادة التأهيل وإعادة التوظيف، لا عبر مجرد التطمينات. فالثقة ليست نتيجة جانبية ناعمة لتحول الذكاء الاصطناعي، بل شرط أساسي وحاسم لتوسيعه.
الذكاء الاصطناعي: التحدي القيادي الأبرز في عصرنا
المؤسسات التي تنجح في تحويل الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجارب إلى ميزة تنافسية مستدامة هي تلك التي تعيد تصميم العمل، وتبني القدرات بشكل مستمر، وتمكن الموظفين ليكونوا شركاء في الابتكار، وتحافظ على الثقة طوال عملية التحول.
والمدير التنفيذي للموارد البشرية الذي يدرك هذه الحقيقة — ويتعامل معها بالثقل الاستراتيجي نفسه الذي تحظى به الاستثمارات التقنية — يصبح أحد أكثر التنفيذيين تأثيراً داخل المؤسسة.
لقد أظهرت تجربة كاسباروف في “الشطرنج المتقدم” قبل ربع قرن أن أقوى النتائج لا تأتي من عمل البشر أو الآلات بشكل منفصل، بل من الجمع المتعمد والماهر بينهما. وتتمثل مهمة المدير التنفيذي للموارد البشرية في جعل هذا المزيج ناجحاً على مستوى المؤسسة بأكملها، وبالسرعة المطلوبة، ومن دون فقدان ثقة الأشخاص الذين يعتمد عليهم هذا النجاح.
وهذا دور محوري لا تستطيع المؤسسات التي تسعى للاستفادة من الذكاء الاصطناعي تجاهله.
