- عندما يولد طفل، ينبغي أن تكون تلك لحظة فرح للعائلة، لا بداية لسلسلة من الإجراءات الإدارية. لكن في كثير من الدول، ما تزال الأحداث الحياتية تُطلق سلسلة من المهام المنفصلة: استمارات يجب تعبئتها، ومكاتب يجب زيارتها، ووثائق يجب استخراجها، وجهات حكومية يجب إخطارها، ووقت يُقتطع من العمل والأسرة.
- هذا النموذج ينتمي إلى حقبة قديمة من العمل الحكومي.
في عصر الذكاء الاصطناعي، يجب أن يكون المعيار مختلفاً. فعندما تتوفر الضمانات المناسبة، ينبغي أن تكون الدولة قادرة على الاستجابة للحياة أثناء حدوثها. فمثلاً، يجب أن تؤدي ولادة طفل إلى إطلاق العمليات اللازمة في الخلفية تلقائياً، مثل التنسيق بين الجهات المختلفة، وإصدار الوثائق رقمياً، وتقديم الدعم المطلوب، من دون حاجة إلى تقديم طلبات من قبل الأسرة.
لسنوات طويلة، كانت الحكومات تقيس نجاحها الرقمي عبر مؤشرات الوصول: كم عدد الأشخاص الذين زاروا موقعاً إلكترونياً، أو حمّلوا تطبيقاً، أو أتموا معاملة عبر الإنترنت. لكن هذه المقاييس لم تعد كافية. فالمرحلة المقبلة تتمثل في “الحكومة الاستباقية” لا “الحكومة الرقمية” فقط؛ أي خدمات عامة مصممة للتحرك في اللحظة المناسبة، وبالسياق الصحيح، قبل أن تتحول الإجراءات إلى عبء.
الذكاء الاصطناعي يجعل هذا التحول ممكناً، لكن فقط إذا تجاوزت الحكومات فكرة إضافته إلى العمليات القديمة. فالفرصة الحقيقية أعمق من ذلك، إذ تتعلق بإعادة تصميم نموذج عمل الدولة نفسه.
كيف تستخدم الحكومات الذكاء الاصطناعي؟
في أنحاء مختلفة من العالم، من الهوية الرقمية في إستونيا إلى التخطيط المتكامل في سنغافورة، تثبت الحكومات أنه عندما تتكامل البيانات والمنصات والمؤسسات، تصبح الدولة أكثر قدرة وكفاءة.
لكن الهدف الحقيقي ليس القدرة فقط، بل الثقة أيضاً. ولهذا لا يمكن للقطاع العام أن يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد سباق نحو المركز الأول. فعندما تفشل الأنظمة العامة، لا تقتصر العواقب على الإزعاج فقط، بل قد تتأثر الحقوق، وتتأخر الخدمات، وتُفقد الثقة. وفي العمل الحكومي، تُعد الثقة بمثابة الترخيص الذي يمنح الحكومات شرعية الإدارة.
ولهذا السبب، يجب بناء مستقبل الذكاء الاصطناعي الحكومي بطريقة مختلفة منذ البداية.
تجمع منصة “تم” الحكومية الموحدة في أبوظبي أكثر من 1150 خدمة ضمن تجربة واحدة، ويستخدمها بالفعل أكثر من أربعة ملايين شخص. والأهم من ذلك أنها ساعدت على تقليل العبء الإداري عن هؤلاء المستخدمين. واليوم، تتم معالجة أكثر من 95% من طلبات الخدمات الحكومية عبر قنوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ما يوفر على الأفراد في المتوسط تسع زيارات سنوياً إلى مراكز خدمة المتعاملين.
هذه الأرقام مهمة، لكن القصة الحقيقية تكمن فيما تعنيه تلك الساعات في حياة الناس: وقت أقل في التعامل مع البيروقراطية، ووقت أكبر للعائلة والعمل والفرص. فالحكومة الجيدة تُقاس بما تعيده للناس من وقت وجهد.
إبقاء التعقيد داخل الحكومة
تعمل دائرة التمكين الحكومي في أبوظبي أيضاً على تطوير بنية تعتمد أساساً على الذكاء الاصطناعي تُعرف باسم “GovOS”، وهي تتيح لوكلاء الذكاء الاصطناعي والبيانات وسير العمل التنسيق بين مختلف الجهات الحكومية.
الفكرة الأساسية هي أن المواطنين والمقيمين لا ينبغي أن يضطروا لفهم الهيكل الداخلي للحكومة كي يحصلوا على خدمة جيدة. فلا حاجة لأن يعرفوا أي جهة مسؤولة عن أي إجراء، أو أي قاعدة بيانات تحتوي على أي سجل، أو أي استمارة تتبع لأي إدارة. فذلك التعقيد يجب أن يبقى داخل الحكومة، لا خارجها.
تخيلوا مجدداً ولادة طفل. بدلاً من أن يبدأ الوالدان بتقديم عدة طلبات، يمكن لحدث موثّق داخل النظام الصحي أن يصبح المحرك الوحيد لجميع الإجراءات. ومن هناك، يتم تنسيق الخطوات المطلوبة بأمان بين الجهات المختصة. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، تتولى الحكومة الجزء الأكبر من العمل في الخلفية، بينما تركز الأسرة على ما يهم فعلاً.
استخدام الذكاء الاصطناعي الوكيلي بمسؤولية
الحماس المحيط بالذكاء الاصطناعي الوكيلي مفهوم تماماً، فالأنظمة أصبحت أكثر قدرة على التفكير، وتنسيق المهام، وتنفيذ سير العمل. وبالنسبة للحكومات، يفتح ذلك الباب أمام قفزات كبيرة في الإنتاجية وجودة الخدمات.
لكن ذلك يرفع أيضاً من أهمية بناء الثقة. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، يتعين على الحكومات تحديد المجالات التي تكون فيها الاستقلالية مناسبة، وتلك التي يجب أن يبقى فيها الحكم البشري أساسياً، وكيفية الحفاظ على المساءلة في كل خطوة.
وهنا تبرز ثلاثة مبادئ أساسية:
- القرارات عالية التأثير يجب أن تتضمن مساءلة بشرية
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم التحليل، وفرز الحالات، وتقديم التوصيات. لكن عندما يتعلق الأمر بالحقوق أو الصحة أو الحرية أو النتائج المادية، يجب أن تبقى المؤسسات العامة مسؤولة بشكل واضح. - يجب أن تكون الأنظمة قابلة للتفسير
فالثقة العامة لا يمكن أن تستند فقط إلى منطق “الصندوق الأسود”. ينبغي للحكومة أن تكون قادرة على معرفة سبب تقديم توصية معينة، وما البيانات التي أثرت فيها، وكيف يمكن الطعن في النتائج أو تصحيحها. - يجب دمج السلامة والعدالة منذ البداية
ويشمل ذلك تعزيز حوكمة البيانات، واختبار التحيزات، ووضع بروتوكولات للتصعيد، وتعزيز المرونة السيبرانية، وتحديد حدود تشغيل واضحة للمجالات التي يُسمح فيها بالإجراءات الذاتية.
إن أهم منافسة بين الحكومات في مجال الذكاء الاصطناعي لن تكون حول من يطلق أكبر عدد من المشاريع التجريبية، بل حول من يستطيع الجمع بين السرعة والشرعية، والابتكار والمساءلة، والطموح والنضج المؤسسي.
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يغيّر الحكومات؟
عندما تضع المؤسسات العامة اتجاهاً واضحاً، يمكن للتحول أن يحدث بسرعة، لكن السرعة وحدها ليست استراتيجية. فالمهمة الحقيقية هي تحويل التجارب إلى بنية عامة مستدامة.
في عصر الذكاء الاصطناعي، لا يمكن للحكومات الاكتفاء برقمنة بيروقراطية الأمس، بل يجب عليها إعادة تصميم الدولة حول الأحداث الحياتية، وبناء الثقة والتنسيق الذكي. كما يجب أن تقيس النجاح ليس بعدد المعاملات التي ينجزها الناس، بل بمدى انخفاض الجهد الذي يبذلونه. وعليها أن تدرك أن الهدف من التكنولوجيا في العمل الحكومي هو جعل المجتمع يشعر بمزيد من التمكين.
وفي النهاية، لن تكون أفضل حكومة هي الأكثر ظهوراً للناس، بل تلك التي تعمل بكفاءة ومسؤولية وهدوء إلى درجة تجعل الناس أحراراً في التركيز على عيش حياتهم.
