القائمة الرئيسية

أوروبا تدفع ثمن مرضها مرتين.. والفاتورة الصحية تكشف الحقيقة

أوروبا تدفع ثمن مرضها مرتين.. والفاتورة الصحية تكشف الحقيقة
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف تدفع أوروبا ثمناً باهظاً لاعتمادها المستمر على الوقود الأحفوري، ليس فقط عبر الدعم المالي الضخم، بل أيضاً من خلال التكاليف الصحية والاقتصادية الناتجة عن التلوث وتغير المناخ. وتسلط الضوء على تصاعد الوفيات المرتبطة بالحرارة وتراجع الإنتاجية وانتشار الأمراض، داعيةً إلى إصلاحات عاجلة تشمل السياسات الحكومية والأنظمة الصحية والمدن والنموذج الاقتصادي بأكمله، من أجل حماية صحة الإنسان وضمان مستقبل أكثر استدامة.

  • تنفق الدول الأوروبية مليارات اليوروهات على دعم الوقود الأحفوري، بينما تواجه في الوقت نفسه تكاليف صحية هائلة وخسائر في الأرواح نتيجة لذلك.
  • يجب أن يصبح تغير المناخ أولوية تتعلق بالأمن القومي، وأن يُدمج في عمل كل وزارة وكل بند من بنود الميزانية الحكومية. كما ينبغي للقادة إعادة صياغة النماذج الاقتصادية بحيث تعطي الأولوية لرفاه الإنسان والاستدامة البيئية بدلاً من التركيز التقليدي على نمو الناتج المحلي الإجمالي.

تنفق أوروبا 444 مليار يورو سنوياً على دعم الوقود الأحفوري. ويتسبب حرق هذا الوقود في وفاة نحو 1700 شخص يومياً بسبب تلوث الهواء. ثم تدفع الحكومات مرة أخرى تكاليف الرعاية الصحية لعلاج العواقب الناتجة عن ذلك.

إنها خسارة تتفاقم عاماً بعد عام كلما تأخرنا في اتخاذ إجراءات بشأن المناخ والصحة. وقد وضعت اللجنة الأوروبية الشاملة المعنية بالمناخ والصحة — التي قمت بتشكيلها والتي أطلقت هذا الأسبوع دعوتها إلى العمل — خارطة طريق لإنهاء هذا الوضع. وإليكم ما يجب على القادة فعله الآن.

الكلفة الباهظة للتقاعس

الأدلة واضحة ولا تقبل الجدل. ففي عام 2024، توفي نحو 63 ألف شخص في أوروبا بسبب موجات الحر. وكان تغير المناخ مسؤولاً عن ما يقرب من 70% من الوفيات الصيفية المرتبطة بالحرارة في 854 مدينة أوروبية خلال عام 2025. كما تسببت الحرارة وحدها العام الماضي في خسارة 640 مليار ساعة عمل حول العالم، أي ما يعادل أكثر من 300 مليون وظيفة بدوام كامل. ومع ارتفاع حرارة الأرض بمقدار 3 درجات مئوية، قد تصل خسائر الناتج المحلي الإجمالي عالمياً إلى 10%.

إن تكلفة التقاعس لم تعد مجرد توقعات مستقبلية، بل أصبحت تظهر بالفعل في النتائج الفصلية للشركات، وأقساط التأمين، وبيانات الإنتاجية. وفي الوقت نفسه، أصبحت بعوضة النمر الآسيوي — التي يمكن أن تنقل طفيليات وفيروسات خطيرة عبر لدغاتها — منتشرة بشكل راسخ في أكثر من 20 دولة أوروبية.

خطة عمل

هناك عدة خطوات أعتقد أنها تتطلب تحركاً فورياً من القادة وصناع القرار في كل مكان.

أولاً: الحوكمة. يجب أن يدخل تغير المناخ إلى نقاشات الأمن القومي، ليس باعتباره استعارة أو وصفاً مجازياً، بل كبند دائم على جداول أعمال مجالس الأمن القومي إلى جانب قضايا الدفاع والمرونة الاقتصادية. فكل وزارة تتعامل مع الغذاء أو المياه أو الطاقة أو النقل أو الإسكان تدير بالفعل آثار المناخ الصحية، سواء أدركت ذلك أم لا، لكنها تفعل ذلك من دون ميزانيات مخصصة أو صلاحيات حكومية مشتركة. وهذا ما يجب أن يتغير.

ثانياً: الأنظمة الصحية، وهنا يلعب القطاع الخاص دوراً لا غنى عنه. فحتى 80% من انبعاثات قطاع الصحة تأتي من سلاسل التوريد. وتدعو اللجنة إلى اعتماد معايير موحدة للمشتريات الصحية المقاومة لتغير المناخ في عموم أوروبا، وهو ما سيرسل إشارة طلب واضحة ومتوقعة إلى جميع الموردين ضمن هذه السلاسل.

إن الشركات التي تتحرك مبكراً نحو سلاسل توريد صحية منخفضة الكربون لن تقلل فقط من انبعاثات الأنظمة الصحية، بل ستضمن أيضاً عقوداً طويلة الأمد مع تشديد المعايير مستقبلاً. إنها فرصة سوقية بقدر ما هي ضرورة سياسية. كما ينبغي إدماج الصحة النفسية ضمن خطط الاستعداد المناخي، لأن الحزن المناخي، وصدمات النزوح، والقلق البيئي أصبحت ظواهر سريرية حقيقية لم تعد الأنظمة الصحية مهيأة للتعامل معها على نطاق واسع.

ثالثاً: المدن. يعيش أكثر من 70% من سكان المنطقة الأوروبية في المناطق الحضرية. ولذلك فإن مناطق الهواء النظيف، والبنية التحتية للتنقل النشط، والمساحات الخضراء، وخطط التعامل مع موجات الحر، كلها تدخلات مثبتة تحقق عوائد صحية واقتصادية قابلة للقياس. كما أن مكاسب الإنتاجية الناتجة عن تحسين جودة الهواء ملموسة وواضحة، وستشعر بها الشركات العاملة في تلك المدن. وستعمل منظمة الصحة العالمية في أوروبا على دعم قيادة المدن والشبكات الحضرية المشتركة لتطوير إطار للمساءلة يراقب التقدم المحرز ويعلن عنه، مما يمنح المستثمرين والشركات بيانات شفافة تساعدهم على اتخاذ قرارات تشغيلية واستثمارية مدروسة.

رابعاً — وربما الأهم — هو الإصلاح الاقتصادي. فالنموذج الاقتصادي القائم على الناتج المحلي الإجمالي يمول الأضرار التي يدّعي معالجتها. وقد حان الوقت لإصلاح سياسات الدعم، وإعادة توجيه التمويل نحو الاستثمار في المناخ والصحة، واعتماد مؤشرات تتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لتشمل الصحة والعدالة والاستدامة البيئية.

إن بنوك التنمية، والمستثمرين المؤسساتيين، والقطاع الخاص جميعهم معنيون بهذا التحول. فعندما تقيّم الحكومات الإنفاق العام بناءً على أثره المناخي والصحي، فإنها تخلق بيئة سياسية أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ، وهو ما يشكل أساساً ضرورياً للاستثمار الخاص طويل الأمد.

نافذة ضيقة للتحرك

كما أطلقت اللجنة دعوة جريئة إلى منظمة الصحة العالمية لإعلان تغير المناخ رسمياً حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً، والعمل على تعبئة استجابة عالمية منسقة. وهذه الدعوة تستحق أن تُسمع على أعلى مستويات الحوكمة الصحية العالمية. ومن جهتي، سأضمن أن تتعامل منظمة الصحة العالمية في أوروبا مع تغير المناخ باعتباره تهديداً للأمن الصحي ضمن خططها الإقليمية، وأنظمة مراقبة الأمراض، واستعداداتها للطوارئ واستجابتها لها.

لا تزال هناك نافذة للتحرك، لكنها تضيق بسرعة. لقد أنجزت اللجنة عملها، والآن حان دورنا جميعاً للقيام بما يجب علينا فعله.

المصدر

مقالات ذات صلة