- يفشل نحو 70% من عمليات إعادة التنظيم المؤسسي في تحقيق أهدافها، ويُعد سوء إدارة التكلفة البشرية للتغيير أحد أبرز الأسباب وراء ذلك.
- فالتغيير داخل المؤسسات يثير استجابات نفسية متوقعة على جميع المستويات، من الإدارة العليا إلى العاملين في الخطوط الأمامية، حيث تظهر مشاعر القلق والإرهاق والاكتئاب كأبرز المخاطر المحتملة.
- أما الشركات التي ستنجح في عصر الاضطرابات المستمرة فهي تلك التي تعتبر إدارة التغيير الصحي أولوية استراتيجية.
تتسارع وتيرة التغيير مع دخول القرن الحادي والعشرين ربعه الثاني. فالذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والاتصال الدائم، إلى جانب التحولات الجيوسياسية، تعيد تشكيل أسس المجتمع الإنساني على مختلف المستويات. تنشأ صناعات جديدة بينما تتراجع أخرى، ويتعين على الشركات أن تكون قادرة على الحفاظ على توازنها وسط هذه التحولات المتواصلة. وعلى المستوى الفردي، تغيّرت طبيعة العمل ومكانه وأساليبه خلال جيل واحد فقط، والشيء الوحيد المؤكد هو أن مزيداً من التغيير قادم لا محالة.
بعض الأشخاص يزدهرون وسط التغيير، لكن معظم الناس يجدونه مقلقاً أو حتى مهدداً. وقد تم تصنيف التغيير باعتباره أحد العوامل الرئيسية المسببة لضغوط العمل من قبل هيئة الصحة والسلامة البريطانية، كما أظهرت مراجعة مفصلة بتكليف من الاتحاد الأوروبي الآثار السلبية المحتملة للتغيير المؤسسي على الصحة الجسدية والنفسية.
وغالباً ما ترتبط برامج التغيير الكبرى داخل الشركات أو المؤسسات بارتفاع معدلات الغياب والحضور غير المنتج والحوادث، في حين تتراجع مستويات الرضا الوظيفي والالتزام والأداء. ويُعد هذا الجانب البشري سبباً شائعاً لفشل 70% من عمليات إعادة التنظيم، رغم أنه غالباً ما يتم تجاهله.
لذلك أصبحت إدارة التغيير بطريقة صحية ضرورة ملحة للشركات التي تسعى إلى النجاح في سوق يزداد تنافسية باستمرار.
كيف يؤثر التغيير المؤسسي على الموظفين؟
يمكن التنبؤ بالتأثيرات النفسية والعاطفية للتغيير المؤسسي، ويمكن تقسيمها إلى مراحل: الترقب، والتنفيذ، ثم الترسخ.
تتسم مرحلة الترقب بعدم اليقين بشأن معنى التغيير وتأثيره، ما يترجم إلى مشاعر من القلق وانعدام الأمان. وخلال مرحلة التنفيذ، غالباً ما يزداد حجم العمل وسرعة الإنجاز المطلوبة، مما يرفع خطر الإرهاق النفسي والجسدي. أما عندما تبدأ التغييرات بالاستقرار خلال مرحلة الترسخ، فيواجه الأفراد حالة من الغموض وعدم الوضوح بشأن كيفية عمل الأنظمة الجديدة، وهو ما قد يؤدي إلى الشك الذاتي وزيادة خطر الاكتئاب.
وتحدث هذه الاستجابات البشرية على جميع المستويات، من الإدارة العليا إلى العاملين في الصفوف الأمامية، لكن الاختلاف يكون في التوقيت. فالتغيير ينتقل تدريجياً عبر المؤسسة، ما يعني أن القادة قد يكونون متقدمين كثيراً في مرحلة التنفيذ بينما لا يزال الموظفون في أسفل الهرم الإداري في مرحلة الترقب. وقد يؤدي ذلك إلى فجوة نفسية وعاطفية يشعر معها الموظفون بأن القيادة غير مبالية، بينما ترى الإدارة العليا — التي تجاوزت مشاعرها المتعلقة بالتغيير منذ فترة — أن مقاومة الموظفين غير مبررة.
يمكن الحد من الأضرار المحتملة التي قد يسببها التغيير للأفراد والمؤسسات من خلال الالتزام بمبادئ واضحة وبسيطة. وكما هو الحال دائماً، يبدأ الأمر من القمة. إذ يجب أن يكون القادة قادرين على تقديم رؤية مقنعة للتغيير المقترح، مع إظهار المصداقية والتعاطف في أسلوب قيادتهم. كما يشمل ذلك العناية بأنفسهم في أوقات الضغط الشديد، عبر الاهتمام بالتغذية والرياضة والنوم، وتفعيل شبكات الدعم الخاصة بهم، وتخصيص بعض الوقت للراحة.
كيف يمكن للشركات إدارة التغيير الهابط من الإدارة بشكل أفضل؟
إن استخدام منهجية معتمدة لإدارة التغيير يوفر هيكلاً واضحاً لعملية إعادة التنظيم ويقلل المخاطر. ويعتمد اختيار النموذج المناسب لكل مؤسسة على عوامل متعددة، لكن النقطة الأهم هي وجود نموذج واضح من الأساس. ورغم أن أطر إدارة التغيير غالباً ما تكون قوية من ناحية العمليات والإجراءات، فإنها قد تقلل من أهمية الجوانب النفسية والعاطفية التي تعد ضرورية لتجنب الإضرار بالصحة النفسية.
ويُعد الشعور بالعدالة التنظيمية أساسياً لكسب قبول الموظفين للتغيير وتجنب الأضرار. إذ يحتاج الأفراد داخل المؤسسة إلى الشعور بأن ما يحدث عادل، ويقوم هذا الشعور على ثلاثة عناصر رئيسية: العدالة التوزيعية، والإجرائية، والتفاعلية.
ترتبط العدالة التوزيعية بتحقيق نتائج منصفة للموظفين، مثل التوازن الجيد بين الجهد والمكافأة. وعندما تتضرر هذه العدالة، ينعكس ذلك سلباً على الصحة. أما العدالة الإجرائية فتتطلب الاتساق وعدم التحيز في طريقة اتخاذ القرارات، بحيث يشعر الأفراد بالرضا عن الآلية حتى لو لم تعجبهم النتيجة. بينما تتطلب العدالة التفاعلية وجود تواصل واضح ومفتوح يتم باحترام ويتيح المجال للتغذية الراجعة. ورغم أن الاعتبارات التجارية قد تعقّد الأمر أحياناً، فإن القاعدة العامة هي محاولة إبلاغ الناس بأكبر قدر ممكن من المعلومات وفي أقرب وقت ممكن.
كيف تبدو الإدارة الفعالة للتغيير؟
يلعب المديرون المتوسطون دوراً محورياً في إنجاح التغيير المؤسسي بطريقة صحية. فقد وُصفوا بأنهم “الحاجز الواقي من الفوضى”، إذ تتمثل مهمتهم في تنفيذ التوجيهات القادمة من الأعلى، غالباً في مواجهة مقاومة من الأسفل. وكثيراً ما يصل المديرون المتوسطون إلى مناصبهم بفضل مهاراتهم في التعامل مع “الوضع القائم”، لذلك قد ينظرون إلى التغيير باعتباره تهديداً شخصياً. ويزداد ذلك وضوحاً عندما يشمل التغيير تبني تقنيات جديدة قد يجدون صعوبة أكبر في التكيف معها مقارنة بالموظفين الأصغر سناً، كما قد تقلل هذه التقنيات من قيمة الخبرة التي اكتسبوها على مدى سنوات طويلة. ولهذا فإن استثمار الوقت والجهد في إقناع المديرين المتوسطين بجدوى التغيير، وإبراز الفوائد التي قد تعود عليهم، وطمأنتهم بشأن مخاوفهم، يُعد أمراً بالغ الأهمية.
وغالباً ما كان يُنظر إلى دعم الأفراد خلال فترات التغيير المؤسسي على أنه يقتصر على التعامل مع من يفقدون وظائفهم نتيجة إعادة التنظيم. ورغم أهمية هذا النوع من الدعم، فإنه من الضروري أيضاً دعم الأشخاص الذين ستعتمد عليهم الشركة في المستقبل. ففي فترات عدم اليقين، يكون أكبر خطر على المؤسسة هو فقدان أفضل موظفيها وأكثرهم قدرة على إيجاد فرص جديدة، ولذلك فإن تحديد هؤلاء الأشخاص وجعلهم يشعرون بالتقدير يمثل مسألة حيوية للأعمال.
وعلى نطاق أوسع، هناك خطر ما يُعرف بـ “متلازمة الناجين من التسريح” بالنسبة للموظفين الذين يبقون بعد عمليات إعادة التنظيم. إذ يمكن لمزيج معقد من الشعور بالذنب وعدم الأمان والإحباط أن يؤدي إلى تراجع كبير في مستوى التفاعل والإنتاجية والصحة النفسية. والاهتمام بمبادئ التغيير الصحي وإشراك الموظفين في صياغة مستقبل المؤسسة يساعدان على تقليل هذه المخاطر.
وقد أعيدت صياغة أفكار تشارلز داروين حول التطور في العبارة الشهيرة: “ليست الأنواع الأقوى هي التي تبقى، ولا الأكثر ذكاءً، بل الأكثر قدرة على الاستجابة للتغيير”. والشركات التي تتبنى التغيير الصحي في هذه الأوقات المضطربة هي الأكثر قدرة على النجاح والازدهار.
