- تضع معظم الشركات اليوم أهدافاً واضحة لدفع جهود الاستدامة، لكن التقدم في توسيع نطاق الحلول المرتبطة بها غالباً ما يكون أبطأ من مستوى الطموح.
- ولكي تتمكن الشركات في مختلف القطاعات من توسيع نطاق حلول الاستدامة، فإن عليها إعادة التفكير في طريقة عمل الأنظمة بالكامل.
- وسيلعب الذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في هذا التحول، لكن فعاليته ستعتمد على القدرة على إعادة تصميم الأنظمة بشكل جذري.
من أهداف المناخ إلى القيود المتعلقة بالموارد، يواجه قادة الأعمال اليوم تحدياً مشتركاً يتمثل في كيفية تحويل طموحات الاستدامة إلى نتائج قابلة للقياس والتوسع.
وعبر مختلف الصناعات، وضعت الشركات أهدافاً تتعلق بالحياد الصفري، والطبيعة، والأثر الاجتماعي، إلا أن التقدم غالباً ما يتأخر عن الالتزامات المعلنة. وهذه الفجوة ليست مالية فقط، بل تشغيلية أيضاً.
إن تحقيق الاستدامة على نطاق واسع يعني تحويل طريقة عمل الأنظمة، بدءاً من الرعاية الصحية وسلاسل التوريد وصولاً إلى الاستهلاك والبنية التحتية.
مواءمة التكنولوجيا مع التحديات على مستوى الأنظمة
يتمثل أحد الأسئلة الرئيسية لدى العديد من الشركات في معرفة المجالات التي يمكن للتكنولوجيا أن تحقق فيها أكبر تأثير على الاستدامة. وعملياً، يتعلق الأمر غالباً بتحديد نقاط الاحتكاك داخل الأنظمة المعقدة، حيث تؤدي فجوات المعلومات أو فشل التنسيق أو غياب الثقة إلى الحد من النتائج.
في الصين، كانت معدلات النجاة من حالات توقف القلب خارج المستشفيات تاريخياً تدور حول 1%، وهو ما يعكس التحديات المتعلقة بتنسيق الاستجابة للطوارئ. ومن خلال استخدام المنصات الرقمية لربط المواطنين وفرق الاستجابة الأولى والمهنيين الطبيين في الوقت الفعلي، تحسنت معدلات النجاة بشكل ملحوظ في المدن التجريبية.
ورغم أن الرعاية الصحية لا تُطرح دائماً باعتبارها قضية استدامة، فإن النوع نفسه من الترابط الرقمي يمكنه أيضاً تعزيز مرونة وكفاءة الأنظمة التي تدعم التنمية المستدامة.
ويمكن ملاحظة ديناميكية مشابهة في مجال العمل الخيري. فقد ظل غياب الشفافية لفترة طويلة عائقاً أمام المشاركة، إذ يجد المتبرعون صعوبة في التحقق من كيفية استخدام الأموال. ومن خلال دمج خاصية التتبع داخل أنظمة التبرعات الرقمية، وجعل المساهمات سهلة ويمكن التحقق منها مثل المعاملات اليومية المعتادة، تستطيع المنصات بناء الثقة وتشجيع مشاركة أكثر استمرارية.
وفي كلتا الحالتين، لا يقتصر دور التكنولوجيا على الابتكار فقط، بل يتمثل في تمكين الأنظمة من العمل بكفاءة أكبر وعلى نطاق أوسع.
الاستدامة: من الابتكار إلى التبني
تتمثل إحدى أكثر العقبات استمرارية أمام الاستدامة في صعوبة الانتقال من الابتكار إلى التبني الواسع للحلول. فما زالت العديد من الحلول منخفضة الكربون والفعالة في استخدام الموارد عالقة في مرحلة التجارب بسبب تجزؤ الأنظمة البيئية وعدم توافق الحوافز.
وتعتمد الجهود الرامية إلى تحقيق الحياد الكربوني بشكل متزايد على التعاون بين العلماء والمهندسين والشركات. إذ يركز العلماء على تحقيق اختراقات معرفية جديدة، بينما يهتم المهندسون بتحسين الأداء، وتسعى الشركات إلى تطوير حلول قابلة للتوسع وذات جدوى تجارية.
إن جمع هذه الأطراف معاً بطريقة تعاونية يخلق فوائد واقعية ملموسة. ويمكن للمنصات الرقمية أن تساعد في سد الفجوات بين هذه المجموعات من خلال تسهيل تبادل المعرفة، وربط أصحاب المصلحة، وتسريع حلقات التغذية الراجعة بين البحث والتطبيق.
وقد تكشف هذه التعاونات أن مشكلة حيّرت المتخصصين في مجال ما قد تم حلها بالفعل في مجال آخر. فعلى سبيل المثال، تُستخدم تقنيات العرض الفوري التي طُورت أساساً لألعاب الفيديو حالياً لتعزيز الحفاظ على التراث الثقافي، من خلال توفير تجارب متحفية أكثر تفاعلية وسهولة في الوصول. وفي الوقت نفسه، تساعد التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي الباحثين على فك رموز النقوش القديمة، ما يسهم في الحفاظ على رأس المال الثقافي والطبيعي.
وغالباً ما يعتمد توسيع نطاق الاستدامة على دمج القدرات الحالية عبر القطاعات المختلفة، بدلاً من الاعتماد فقط على الاختراعات الجديدة.
كيف يمكن دفع أداء الاستدامة
يضيف التطور السريع للذكاء الاصطناعي بُعداً جديداً إلى استراتيجيات الاستدامة.
فالذكاء الاصطناعي يمكّن المؤسسات من تحليل الأنظمة المعقدة في الوقت الفعلي، وتحسين استخدام الموارد، وتعزيز عملية اتخاذ القرار. وفي السياقات التشغيلية، يمكن أن يترجم ذلك إلى استخدام أكثر كفاءة للطاقة، وتقليل النفايات، وتحسين رؤية سلاسل التوريد. أما في البيئات الموجهة للمستهلكين، فيمكن أن يساعد على جعل آثار الخيارات اليومية أكثر وضوحاً وقابلية للتنفيذ.
لكن تداعيات الذكاء الاصطناعي على الاستدامة ليست أحادية الاتجاه. فارتفاع الطلب على الطاقة من مراكز البيانات، إلى جانب التساؤلات المتعلقة بحوكمة البيانات وإمكانية الوصول العادل إليها، يسلط الضوء على الحاجة إلى نشر مسؤول لهذه التقنيات.
فالتكنولوجيا وحدها لا تضمن نتائج إيجابية، بل يعتمد تأثيرها على كيفية إدارتها ودمجها ومواءمتها مع أهداف الاستدامة الأوسع.
الثقة والحوكمة وقابلية التوسع
مع تزايد مركزية الحلول الرقمية في جهود الاستدامة، تصبح الثقة عاملاً حاسماً. سواء في العمل الخيري أو سلاسل التوريد أو بيانات المناخ، تعتمد المشاركة على الثقة في كيفية استخدام المعلومات ومشاركتها.
وبالنسبة للشركات، يخلق هذا ضرورة مزدوجة تتمثل في استخدام التكنولوجيا لتحقيق التأثير، مع ضمان وجود أطر حوكمة قوية. ومن دون هذا التوازن، قد تجد حتى أكثر الحلول التكنولوجية تقدماً صعوبة في تحقيق انتشار واسع.
وعلى مستوى الأنظمة، سيتطلب توسيع نطاق هذه المقاربات أيضاً مزيداً من التشغيل البيني والتعاون بين القطاعات. فما تزال البيانات المجزأة والأنظمة المنعزلة تشكل عوائق كبيرة على مستوى العالم، عبر الصناعات والجغرافيا المختلفة.
دلالات مهمة لقادة الأعمال
بالنسبة لكبار مسؤولي الاستدامة وقادة الأعمال، بدأت عدة أولويات تبرز بوضوح:
دمج الاستدامة في صميم الاستراتيجيات الرقمية، ومواءمتها مع المنصات والقدرات الحالية.
استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي لتحقيق نتائج قابلة للقياس، خاصة في مجالات مثل الانبعاثات وكفاءة الموارد وأداء الأنظمة.
المشاركة في شراكات ضمن الأنظمة البيئية لتوسيع نطاق الحلول خارج حدود المؤسسات.
الاستثمار في الثقة والحوكمة، وضمان الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.
وتنعكس هذه الأولويات بشكل متزايد في النقاشات العالمية، بما في ذلك داخل مجتمع كبار مسؤولي الاستدامة في المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يعمل على تسريع دور الأعمال في تحقيق نتائج إيجابية للمناخ والطبيعة من خلال الابتكار والتعاون.
وعندما تتم مواءمة الحوافز بين مختلف أصحاب المصلحة، ويتم دمج الاستدامة في الأدوات التي يستخدمها الناس يومياً، يصبح التغيير نتيجة طبيعية للنظام بدلاً من أن يكون معركة شاقة.
تنفيذ الالتزامات المتعلقة بالاستدامة
ستتحدد المرحلة المقبلة من التحول نحو الاستدامة من خلال التنفيذ الفعلي. فالالتزامات المؤسسية أصبحت واسعة الانتشار، لكن التحدي الآن يتمثل في تحقيق نتائج ملموسة.
وستلعب التكنولوجيا، وخاصة البيانات والذكاء الاصطناعي، دوراً محورياً في ذلك. لكن فعاليتها ستعتمد على ما إذا كانت ستُستخدم لتحسين العمليات الحالية بشكل تدريجي، أم لإعادة تصميم الأنظمة بالكامل.
وعندما تُستخدم القدرات الرقمية بهدف حقيقي، وعندما يُمنح التعاون المشترك هيكلاً فعلياً، وعندما تُدمج التكنولوجيا الرقمية بعمق في الحياة اليومية، وعندما يبقى سؤال “من المستفيد؟” في صميم العمل، تتحول التكنولوجيا إلى ما هو أكثر من مجرد أداة، بل تصبح مساراً للتغيير.
فالنمو ليس خطياً. إنه يتضمن التعثر، ثم النهوض مجدداً، والوقوف بثبات أكبر في كل مرة. وقد يكون هذا النهج صعباً، لكنه قد يكون أيضاً الأكثر مكافأة.
