- أصبح الذكاء الاصطناعي يغيّر طبيعة العمل داخل المصانع بشكل متسارع، حيث تتولى الروبوتات بشكل متزايد المهام المتكررة والغنية بالبيانات والمهام البدنية، بينما تراقب أنظمة الذكاء الاصطناعي العمليات المختلفة.
- لكن مع تولّي الآلات مزيداً من المهام، سيصبح العمل الذي يؤديه البشر أكثر تخصصاً وكثافة معرفية، وأكثر أهمية من أي وقت مضى.
- وستبحث مبادرة “التعاون بين الإنسان والآلة” التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي، والتي سيتم إطلاقها في يونيو 2026 خلال الاجتماع السنوي للأبطال الجدد في داليان بالصين، كيف تعمل التصنيع الذكي على إعادة تشكيل العمل والمهارات والوظائف.
تهتز الأرضية تحت حذائك قبل أن تعبر بوابة دخول المصنع. تدخل إلى قاعة تصنيع ضخمة من الزجاج والفولاذ تمتد لثمانية طوابق، مضاءة بتوهج أزرق أبيض صادر من غرف تُنتج فيها الخلايا الشمسية.
أسفلك، تتحرك الألواح ليس عبر سيور ناقلة أو رافعات شوكية، بل فوق روبوتات متنقلة ذاتية القيادة — منصات منخفضة ومسطحة تتنقل في أرضية المصنع دون مسارات ثابتة، وتعيد توجيه نفسها لحظياً حول بعضها البعض، وحول العمال، وأي شيء آخر يتحرك.
وعبر عمليات التصنيع وسلاسل التوريد، يتطور بسرعة الخط الفاصل بين ما تقوم به الآلات وما يقوم به البشر. فالروبوتات تتولى بشكل متزايد المهام المتكررة والغنية بالبيانات والمهام البدنية، بينما تراقب أنظمة الذكاء الاصطناعي العمليات. لكن مع انتقال المزيد من المهام إلى الآلات، سيصبح العمل المتبقي للبشر أكثر أهمية من أي وقت مضى.
بالعودة إلى أرضية مصنع المستقبل غير البعيد، تحمل الروبوتات الذاتية وحدات فردية، بينما تضبط المستشعرات الاهتزازات والميل والحمولات. العملية دقيقة، لكنها ليست مثالية. فالفروقات الصغيرة في الجودة أو اتساق المواد أو الرطوبة قد تتراكم عبر المراحل المختلفة. وقد تبدو طبقة اللوح الشمسي نظيفة أثناء الفحص، لكنها قد تحمل عيوباً دقيقة لا تظهر إلا بعد أشهر.
وهنا يصل النظام إلى حدوده. وهنا يبدأ نوع مختلف من العمل.
نوع جديد من وظائف المصانع
تقف “داو” في الطابق الوسطي، على مستوى أعلى من أرضية المصنع. هي لا تشغّل آلة، بل تراقب كيفية تصرف النظام.
ويعني ذلك مراقبة عدة خطوط إنتاج في وقت واحد. ففي الخط الأول، تمر رقائق السيليكون — وهي مكون أساسي في أشباه الموصلات — بمراحل التنظيف، ومعالجة السطح، والطلاء. وكل مرحلة تؤثر على كيفية تحويل الخلية النهائية لأشعة الشمس إلى كهرباء. وفي خط ثانٍ، تُطبَّق الطلاءات في درجات حرارة أقل. أما الخط الثالث والأحدث، فتُضاف فيه مادتان جديدتان فوق الخلية لالتقاط أطراف مختلفة من الطيف الضوئي بأفضل شكل ممكن.
لم تكن وظيفة “داو” موجودة قبل عشر سنوات. فهي تقع عند تقاطع هندسة العمليات، وتفسير البيانات، والتفكير المنظومي. وهذا أحد الأنماط الأساسية للجيل القادم من العمل الصناعي: فكلما تولّت الآلات مزيداً من التنفيذ، تحولت أدوار البشر نحو الإشراف، وإصدار الأحكام، والتنسيق بين الأنظمة المختلفة.
سير العمل التصنيعي على أرض الواقع
تنظر “داو” إلى الشاشة الموجودة على يمينها، فتلاحظ أن الغرفة التي تُرسب الطبقات الممتصة للضوء في الخط الجديد تعمل بحرارة أعلى قليلاً من المتوقع. ليست حرارة كافية لإطلاق تنبيه، لكن الاتجاه العام عبر آخر ست دفعات يُظهر ارتفاعاً تدريجياً في الحرارة، ما قد يضعف البنية.
تقوم بتعديل تدفق الغاز لخفض الحرارة، ثم تضع علامة على الدفعة لمراجعة تأثير ذلك لاحقاً.
ثم تلاحظ شيئاً على الشاشة اليسرى. فرقائق السيليكون القادمة من أحد الموردين في مدينة شيآن تُظهر مقاومة أعلى قليلاً عند نقاط التلامس — وهي الأماكن التي تُطبع فيها خطوط معدنية رفيعة على كل رقاقة لنقل الكهرباء خارج الخلية الشمسية.
تسحب “داو” سجلات الأسابيع الثمانية الماضية لمعرفة مدى انتشار التأثير عبر العملية، وتدوّن ملاحظاتها، ثم تعدّل عملية التنظيف الكيميائي. تنظر إلى البيانات على الشاشة. تختفي المشكلة. ولا يتوقف الخط.
ثلاث مرات خلال الوردية، تغادر “داو” محطتها وتسير في أرضية المصنع. بالقرب من محطة التغليف الحراري، حيث تُضغط طبقات الزجاج والغشاء الواقي معاً بالحرارة لإغلاق كل لوح، تلاحظ أن الروبوتات التي تحمل الوحدات من الخط الأول تتحرك بسرعة أكبر من المعتاد. وقد تتسبب السرعة في حدوث اهتزازات، والاهتزازات قد تؤثر على المكونات الحساسة.
لكن نظام توجيه الروبوتات ونظام جودة التغليف الحراري لا يتشاركان نموذج بيانات موحداً، لذلك لم يتم إرسال أي تنبيه. ربما حدث اختناق سابق عند منصة التحميل، وتحاول الروبوتات التعويض بزيادة السرعة؟ تسجل “داو” ملاحظتها لفريقي الهندسة والخدمات اللوجستية.
كل دفعة، وكل تعديل، وكل مشكلة يتم الإبلاغ عنها تصبح جزءاً من سجل يربط الظروف بالأداء. بعض ما تسجله “داو” ستكون له أهمية فورية، وبعضه الآخر لن تتضح أهميته إلا بعد ستة أشهر.
هذا النوع من العمل — اكتشاف الأنماط المقبولة تقنياً، وربط الإشارات عبر الأنظمة التكنولوجية، وإجراء التعديلات التي تمنع مشاكل أكبر — يمثل “الطبقة البشرية” في التصنيع المتقدم. فالبشر هم من يمكّنون الآلات من العمل بأفضل أداء ممكن.
مهارات وتخصصات جديدة
تقترب نهاية وردية “داو”، وتصل “ميلين” لتحل محلها. تتبادلان التحية والابتسامات. كلاهما يراقب النظام نفسه، لكن ليس بالطريقة ذاتها.
تركز “ميلين” على التغليف الحراري، بينما تركز “داو” على سلوك المواد. وقد تطورت تخصصاتهما المختلفة نتيجة التفضيلات الشخصية، والسجلات المشتركة، والورديات المتداخلة، والتفاعل المستمر مع نظام معقد.
ومع تعمّق التعاون بين الإنسان والآلة، ستصبح وظائف الخطوط الأمامية أكثر تخصصاً وأكثر اعتماداً على المعرفة. كما ستعتمد بشكل متزايد على مهارات يصعب أتمتتها، مثل الحكم بين الأنظمة المختلفة، وحل المشكلات السياقية، والقدرة على التصرف بناءً على معلومات غير مكتملة.
ما التالي للتصنيع الذكي؟
قد تكون “داو” شخصية خيالية، لكن العمل الذي تمثله حقيقي.
وستبحث مبادرة “التعاون بين الإنسان والآلة” التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي، والتي سيتم إطلاقها في يونيو 2026 خلال الاجتماع السنوي للأبطال الجدد في داليان بالصين، كيف تتغير الوظائف والمهارات والعمل داخل البيئات الصناعية. كما ستوصي باستراتيجيات تساعد عمال الخطوط الأمامية، والمؤسسات، والمنظومة الأوسع على التعامل مع هذا التحول.
وسيشمل ذلك مجموعة من الموارد العملية ودليل تنفيذ للمؤسسات التي تتعامل مع الانتقال نحو عمليات تصنيع أكثر ذكاءً. كما ستوفر المبادرة إرشادات لتطوير القوى العاملة، وتصميم الوظائف القائمة على المهارات، وتوصيات على مستوى المنظومة.
إن الشراكة بين البشر والآلات ستحدد الجيل القادم من العمل الصناعي. فهل ستكون المؤسسات والعمال والجهات المختلفة مستعدة لذلك؟
