القائمة الرئيسية

هل تعكس مقاومة المضادات الحيوية مسار التقدم الذي أطال أعمار البشر؟

هل تعكس مقاومة المضادات الحيوية مسار التقدم الذي أطال أعمار البشر؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف ساهمت المضادات الحيوية في إطالة عمر الإنسان لعقود طويلة، قبل أن تبدأ مقاومة البكتيريا للأدوية في تهديد هذا التقدم الصحي العالمي. وتسلط الضوء على التراجع الخطير في تطوير مضادات حيوية جديدة، وصعوبة وصول ملايين البشر إلى العلاج المناسب، خاصة في الدول الفقيرة، مما يؤدي إلى ارتفاع الوفيات وانتشار العدوى المقاومة للأدوية. كما تحذر من أن هذه الأزمة لا تهدد كبار السن فقط، بل تؤثر بشكل كبير على الأطفال وحديثي الولادة، وقد تؤدي مستقبلاً إلى تراجع متوسط العمر المتوقع وجودة الحياة حول العالم.

  • أضافت المضادات الحيوية ما معدله 23 عاماً إلى متوسط العمر المتوقع للبشر، لكن من المتوقع أن تؤدي مقاومة مضادات الميكروبات إلى خفض متوسط العمر المتوقع عالمياً بنحو 1.8 سنة بحلول عام 2035.
  • وقد تراجع استثمار شركات الأدوية في تطوير المضادات الحيوية، ولم يعد سوى عدد محدود من الأدوية قيد التطوير يُعتبر مبتكراً بالفعل.
  • كما أن العلاج غير الكافي يسمح بانتشار العدوى ويزيد من مقاومة البكتيريا، وهو ما يؤثر بشكل غير متناسب على البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل والفئات الأكثر ضعفاً مثل الأطفال حديثي الولادة وصغار السن.

يعتقد بعض الخبراء أن أول أشخاص قد يعيشون حتى سن 200 عام ربما وُلدوا بالفعل، وذلك بفضل التقدم المستقبلي في الطب والعلوم الذي سيواصل إطالة متوسط العمر المتوقع.

ومع ذلك، سواء تحقق ذلك أم لا، فمن المرجح أن ينطبق على قلة قليلة فقط. أما بالنسبة لغالبية البشر، فإن الاتجاه يسير فعلياً في الاتجاه المعاكس، وقد يستمر هذا التراجع بسبب تنامي وانتشار البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.

ولا يمكن المبالغة في أهمية الدور الذي تؤديه المضادات الحيوية في الطب؛ فقد حوّلت العدوى التي كانت قاتلة في السابق إلى حالات يمكن علاجها بسهولة، كما أتاحت إجراء العمليات الجراحية بأمان، وعلاج السرطان، وتحقيق عدد لا يُحصى من التقدمات الطبية الأخرى.

وخلال القرن الماضي، ساهمت المضادات الحيوية في إطالة عمر الإنسان بمعدل 23 عاماً. لكن مقاومة الأدوية بدأت الآن في عكس هذا الاتجاه، ومن المتوقع أن تخفض متوسط العمر المتوقع عالمياً بمقدار 1.8 سنة بحلول عام 2035.

هناك العديد من عوامل الحياة الحديثة التي يمكن أن تؤثر على متوسط العمر المتوقع، إلا أن مقاومة مضادات الميكروبات غالباً ما يتم تجاهلها. فالمضادات الحيوية تُستخدم على نطاق واسع داخل الأنظمة الصحية، لدرجة أن الدور الذي تلعبه مقاومة الأدوية في الوفيات لا يتم الاعتراف به دائماً.

ندرة المضادات الحيوية الجديدة

ومع ذلك، فإن المؤشرات واضحة بالفعل. فالعدوى ترتبط حالياً بنصف حالات الوفاة الناتجة عن السرطان، وبجميع حالات الوفاة الناتجة عن تعفن الدم، ويُعد عدد كبير من هذه الحالات ناجماً عن عدوى مقاومة للأدوية، وهو رقم آخذ في الارتفاع.

ووفقاً لأفضل التقديرات، يموت حالياً 4.71 ملايين شخص سنوياً حول العالم بسبب العدوى المقاومة للأدوية. ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم بشكل حاد، ليزداد بنسبة 70% بحلول عام 2050.

ويعود هذا الارتفاع إلى سببين رئيسيين. الأول هو أن المضادات الحيوية المناسبة لا يتم تطويرها بالشكل المطلوب. فقد تم توثيق التراجع المستمر لصناعة المضادات الحيوية داخل قطاع الأدوية خلال العقود الأخيرة بشكل واسع.

وقد أدى ذلك إلى انخفاض كبير في عدد المضادات الحيوية الجديدة التي يتم تطويرها لتعويض تلك التي فقدت فعاليتها بسبب مقاومة الأدوية، بنسبة وصلت إلى 35% خلال السنوات الخمس الماضية وحدها.

أما الأدوية التي يجري تطويرها حالياً، فالقليل منها فقط هو ما نحتاج إليه فعلاً. فقد أظهر تقرير نشرته منظمة الصحة العالمية العام الماضي أن هناك 90 مضاداً للميكروبات فقط قيد التطوير السريري حالياً. ومن بين هذه الأدوية، هناك خمسة فقط تُعتبر مبتكرة بالفعل — وليست مجرد نسخ معدلة من أدوية موجودة قد تكون البكتيريا طورت مقاومة ضدها بالفعل — كما أنها تستهدف مسببات الأمراض ذات الأولوية لدى منظمة الصحة العالمية، وهي مسببات الأمراض متعددة المقاومة التي تمثل أكبر تهديد.

مقاومة مضادات الميكروبات تتفوق على تطوير المضادات الحيوية

ونتيجة لذلك، أصبحت مقاومة مضادات الميكروبات تتقدم بوتيرة أسرع من تطوير المضادات الحيوية، ومن المتوقع أن تشكل مسببات الأمراض سالبة الغرام، وهي الأصعب علاجاً، نسبة متزايدة من العدوى المقاومة للأدوية.

أما العامل الرئيسي الثاني وراء الارتفاع العالمي في مقاومة مضادات الميكروبات فهو ضعف الوصول إلى العلاج. فبينما ساهم الإفراط في استخدام المضادات الحيوية أو إساءة استخدامها في تفاقم هذه المقاومة، فإن نقص الوصول إلى المضادات الحيوية لعب دوراً كذلك.

فعندما لا تتوفر المضادات الحيوية المناسبة ولا تتم معالجة العدوى بالشكل الصحيح، فإن ذلك يسمح للبكتيريا بالانتشار وتطوير مقاومة أكبر، مما يجعل علاج العدوى أكثر صعوبة على المدى الطويل.

وبالنسبة لغالبية سكان العالم، تمثل هذه مشكلة كبيرة. فوفقاً لأحد التحليلات، يرتبط نحو 5.7 ملايين وفاة سنوياً بعدم كفاية الوصول إلى المضادات الحيوية، وهو عدد يفوق عدد الوفيات الناتجة عن العدوى المقاومة للأدوية.

الوصول إلى العلاج بالمضادات الحيوية ما يزال منخفضاً

وبالنظر إلى أن كل شخص على هذا الكوكب من المرجح أن يعتمد على المضادات الحيوية في مرحلة ما من حياته، فإن هذه المشكلة تمس الجميع، وإن كانت تؤثر على بعض الفئات أكثر من غيرها.

وتسجل البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بمقاومة مضادات الميكروبات، ويُعد ضعف الوصول إلى العلاج أحد الأسباب الرئيسية لذلك.

وأظهرت أبحاث أجرتها الشراكة العالمية للبحث والتطوير في مجال المضادات الحيوية العام الماضي، وشملت 1.5 مليون حالة عدوى مقاومة للأدوية ومقاومة للكاربابينيم من البكتيريا سالبة الغرام في ثمانية بلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، أن متوسط نسبة المرضى الذين تلقوا علاجاً مناسباً بالمضادات الحيوية بلغ 6.9% فقط.

وفي بعض البلدان، انخفضت هذه النسبة إلى 0.2% فقط.

وتكمن المشكلة في أن المضادات الحيوية الجديدة، حتى عندما يتم تطويرها، غالباً ما يتم تسجيلها في عدد محدود جداً من الدول. ففي الفترة بين عامي 1999 و2014، تم تسجيل أقل من نصف المضادات الحيوية الجديدة التي دخلت الأسواق في أكثر من 10 دول، وكانت معظم هذه الدول من البلدان مرتفعة الدخل.

مقاومة مضادات الميكروبات قد تقلل متوسط العمر المتوقع

وينطبق الأمر نفسه على المضادات الحيوية الأساسية الأقدم. ومع ذلك، حتى الدول الغنية تواجه مشكلات مماثلة، إذ تشهد المملكة المتحدة والولايات المتحدة ودول أخرى بانتظام نقصاً في المضادات الحيوية الأساسية.

ومع ازدياد عدد الأشخاص الذين يعيشون لفترات أطول، قد لا يبدو ارتفاع الوفيات الناتجة عن العدوى المقاومة للأدوية أمراً مفاجئاً. ومع ذلك، ورغم أن كبار السن يشكلون نسبة كبيرة من المصابين بهذه العدوى، فإن الأطفال، وخاصة حديثي الولادة، يتأثرون بشكل غير متناسب أيضاً.

في الواقع، يشكل الأطفال دون سن الخامسة خُمس الوفيات العالمية المرتبطة بمقاومة مضادات الميكروبات.

ومن المهم أيضاً إدراك تأثير العدوى التي أصبحت أكثر صعوبة في العلاج على جودة الحياة. فقد أظهر تقرير حديث أن الناس في المملكة المتحدة يقضون بالفعل عامين أقل في صحة جيدة، وقد تؤدي مقاومة مضادات الميكروبات إلى تفاقم هذا الوضع بشكل كبير.

وبدلاً من الاكتفاء بإطالة الأعمار بشكل محدود، يجب علينا حماية الفئات الأكثر ضعفاً وضمان حصول أولئك الذين بدأوا حياتهم للتو على فرصة عادلة ليعيشوها بالكامل.

المصدر

مقالات ذات صلة