القائمة الرئيسية

ما الذي لا يستطيع الذكالي حله في بيئة العمل

ما الذي لا يستطيع الذكالي حله في بيئة العمل
ملخص المقال

يناقش المقال، المنشور في Reworked بقلم ديفيد باري، موضوع الاعتماد المتزايد على الذكالي داخل بيئات العمل يحقق مكاسب واضحة في الأتمتة وتحليل البيانات وتسريع الإنتاجية، لكنه في المقابل لا يعالج المشكلات الإنسانية الأكثر تعقيدًا داخل المؤسسات مثل ضعف الثقة بين الفرق، والإرهاق الوظيفي، وثقافة العمل، والتحيزات البنيوية، بل قد يساهم أحيانًا في تعميقها. ويؤكد المقال أن هذه القضايا تحتاج إلى تدخل بشري مباشر قائم على التعاطف والحوار وفهم السياق، لأن الذكالي قادر على رصد الأعراض لكنه غير قادر على معالجة الأسباب الجذرية أو إعادة بناء العلاقات المهنية. كما يحذر من أن الإفراط في الأتمتة قد يؤدي إلى تآكل المهارات البشرية الأساسية مثل حل النزاعات وبناء الثقة، إضافة إلى خطر إعادة إنتاج التحيزات الموجودة في البيانات بشكل يبدو محايدًا وموضوعيًا. ويخلص المقال إلى أن التحدي الحقيقي ليس في استخدام الذكالي بحد ذاته، بل في الحفاظ على التفكير النقدي والدور البشري في اتخاذ القرار، لأن التقنية عندما تُستخدم دون وعي كافٍ قد تعزز المشكلات بدل حلها.

بقلم: ديفيد باري

بعض مشكلات بيئة العمل لا يمكن حلها عبر الخوارزميات وحدها، لكن ذلك لا يمنع الشركات من محاولة الاعتماد عليها بشكل متزايد.

يشهد “الذكالي” تحولًا غير مسبوق في عالم تطوير البرمجيات وإدارة المؤسسات. الفرق باتت تعتمد عليه في أتمتة المهام المتكررة، وتحليل كميات هائلة من البيانات بسرعة وكفاءة، وتسريع إنجاز المشاريع. هذه التحسينات في الإنتاجية أصبحت قابلة للقياس وملموسة بشكل واضح.

لكن في المقابل، هناك مشكلات أكثر تعقيدًا وثباتًا داخل المؤسسات، مثل ديناميكيات الفرق، والإرهاق الوظيفي، وثقافة العمل، والتحيزات البنيوية، وهذه لم تتحسن بالوتيرة نفسها. بل في كثير من الحالات أصبحت أكثر تعقيدًا، وربما ساهم اعتماد نهج “الذكالي أولًا” في إدارة المؤسسات في تعميق بعضها بدل حلها.

الخوارزميات لا تستطيع استبدال التعاطف الإنساني

هناك مشكلات في بيئة العمل تقع خارج نطاق قدرة الأساليب الخوارزمية على المعالجة الفعلية.

يقول نيل موريسون، كبير مسؤولي الموارد البشرية العالمي في شركة Staffbase، إن “الذكالي” ممتاز في تحليل البيانات وأتمتة المهام المتكررة واكتشاف الأنماط، لكنه لا يستطيع أن يحل محل التعاطف الإنساني أو الحكم البشري أو فهم السياق الحقيقي للمواقف.

خذ مثلًا مسألة تآكل الثقة بين الفرق. يوضح موريسون أن قضايا مثل الصراعات بين الأفراد، وبناء الثقة، وتعزيز الثقافة المؤسسية، واتخاذ قرارات أخلاقية معقدة، هي بطبيعتها مسائل إنسانية لا يمكن تفويضها للأنظمة.

قد تستطيع أنظمة المراقبة اكتشاف وجود خلل عبر تحليل أنماط التواصل أو متابعة الحضور في الاجتماعات، لكن اكتشاف المشكلة شيء، وحلها شيء آخر تمامًا. “الذكالي” لا يستطيع إعادة بناء الثقة بين الأشخاص، ولا إصلاح العلاقات المتضررة، ولا فرض نوع من المساءلة يعيد تماسك الفريق. هذه الأمور تحتاج إلى تدخل بشري مباشر واستعداد لخوض محادثات صعبة وغير مريحة.

وينطبق الأمر نفسه على تراجع تفاعل الموظفين. فالموظفون لا ينسحبون من العمل لأسباب يمكن قياسها بسهولة. أحيانًا يكون السبب الإقصاء من اتخاذ القرار، أو عدم انسجام الاتجاهات، أو ممارسات إدارية تضعف الشعور بالأمان النفسي. ويؤكد موريسون أن فهم أسباب ضعف التفاعل يتطلب محادثات عميقة وذكاءً عاطفيًا لا يمكن لـ “الذكالي” توفيره وحده.

التآكل الناتج عن الإفراط في الأتمتة

هناك خطر غير محسوب بشكل كافٍ في التوسع الكبير لاستخدام “الذكالي”، وهو تآكل القدرات البشرية الأساسية نتيجة قلة استخدامها.

يرى شريناث ثوبي، العضو البارز في IEEE ومهندس البرمجيات في IBM، أن بناء الثقة، وحل النزاعات، ومواءمة الأشخاص حول هدف مشترك، ما زال يتطلب تواصلًا إنسانيًا مباشرًا. ومع ذلك، بدأت المؤسسات تعتمد بشكل متزايد على “الذكالي” كوسيط في هذه العمليات.

ومع نقل عمليات التواصل واتخاذ القرار إلى أنظمة آلية، تقل فرص ممارسة المهارات الإنسانية التي تتطلبها المواقف الصعبة. وهذا يخلق دائرة مغلقة، حيث يؤدي تراجع المهارات البشرية إلى زيادة الاعتماد على الأنظمة بدل تقليلها.

ويستشهد ثوبي بحالة شركة تقنية مدعومة برأس مال استثماري في عام 2024. حيث رصدت منصة تحليل بيانات الموظفين لديها أنماطًا مقلقة داخل فريق هندسة البنية التحتية، تمثلت في قصر التواصل، وانخفاض حضور الاجتماعات، وتراجع التعاون بين الأعضاء. بناءً على ذلك، قام نظام الرفاه الوظيفي المعتمد على “الذكالي” بتقديم موارد مخصصة تهدف إلى تقليل الإرهاق وتحسين التوازن بين العمل والحياة.

لكن بعد ستة أشهر، قدّم ثلاثة مهندسين كبار استقالاتهم في الأسبوع نفسه.

كشفت مقابلات الخروج أن المشكلة الحقيقية كانت في مدير غير فعّال، وثقافة اجتماعات غير منتجة، وغياب تواصل فعلي داخل الفريق، وهي مشكلات لم يتمكن النظام من اكتشافها.

كان النظام قادرًا على التقاط الأعراض، لكنه غير قادر على فهم الأسباب الجذرية. ويقول ثوبي إن “إعطاء انطباع بأن النظام يتفاعل مع المشكلة أدى إلى تأخير التدخل البشري حتى أصبحت الأمور غير قابلة للإصلاح”.

ويوافق مارك بوكر، نائب رئيس جامعة فينيكس، على أن الاعتماد الكامل على “الذكالي” في تحليل مشكلات الموظفين قد يؤدي إلى نتائج مضللة، خصوصًا عندما يتم تقليل التفاعل البشري المباشر.

فعندما تمر جميع عمليات التواصل وحل المشكلات عبر أنظمة وسيطة، تبقى المشكلات الإنسانية دون معالجة. ويخلق “الذكالي” ما وصفه بوكر بأنه شعور زائف مؤقت بالأمان، بينما تستمر المشكلات في التفاقم. وعندما يصبح التعاون البشري المباشر ضروريًا لاحقًا، فإن هذه المشكلات قد تتفاقم أكثر.

هناك أيضًا مشكلة تضخيم الأخطاء. فالثقة المفرطة في إجابات “الذكالي” دون التحقق من مصادر البيانات تؤدي إلى انتشار الأخطاء داخل المؤسسة. وما قد يكون خطأ محدود التأثير يتحول إلى مشكلة واسعة النطاق تشمل فرقًا كاملة.

عندما يعزز “الذكالي” التحيز

أنظمة “الذكالي” لا تقوم بتصحيح المشكلات الثقافية أو البنيوية داخل المؤسسات، بل غالبًا ما تعيد إنتاجها وتعززها. فهي تعمل ضمن السياق القائم وتعكس البيانات التي تم تدريبها عليها. وإذا كانت تلك البيانات تحمل تحيزات تاريخية، فإن النظام يتعلم إعادة إنتاجها.

يقول موريسون إن “الذكالي” لا يمكنه إلا أن يعكس البيانات التي تم تدريبه عليها. وإذا كانت ثقافة العمل تتسامح مع عدم المساواة، أو كانت البيانات غير مكتملة أو منحازة، فإن النظام سيعيد إنتاج هذه الاختلالات بدل تصحيحها.

وتزداد خطورة هذا الأمر لأن مخرجات الأنظمة تبدو وكأنها محايدة وموضوعية. فعندما يقوم نظام توظيف بترشيح أو استبعاد بعض المرشحين، أو عندما يقدم نظام تقييم الأداء نتائج رقمية، يميل القادة إلى قبول هذه النتائج دون تشكيك كافٍ في مصدرها أو في التحيزات الكامنة خلف البيانات التاريخية.

ويؤكد ثوبي أن المشكلة لا تكمن في التقنية نفسها، بل في غياب التفكير النقدي داخل المؤسسات، لأن “الذكالي” لا يستطيع تصحيح ثقافة غير عادلة إذا لم تكن المؤسسة مستعدة أصلًا لمساءلة نفسها.

التغيير الثقافي الحقيقي يحتاج إلى أشخاص لديهم الشجاعة لمواجهة الخلل وكشفه، وهذه مسؤولية بشرية لا يمكن برمجتها أو أتمتتها.

حتى في الحالات التي يكون فيها “الذكالي” مفيدًا في اكتشاف مؤشرات الإرهاق أو ضعف التفاعل، يبقى هناك حدود واضحة. فهو يستطيع رصد الأنماط، لكن فهم السياق، وتقديم الدعم، واتخاذ القرار المناسب، كلها مسؤوليات بشرية لا يمكن التخلي عنها.

لكن ما يحدث في الواقع أن هذه المسؤولية يتم التخلي عنها تدريجيًا.

مخاطر الاعتماد المفرط على الذكالي

من الناحية النظرية، يفترض أن “الذكالي” يقلل الوقت المستهلك في المهام الروتينية، ويمنح الموظفين وقتًا أكبر للتوجيه، وبناء العلاقات، والتفكير الاستراتيجي، وتطوير الثقافة المؤسسية. لكن في التطبيق العملي، تستخدمه العديد من المؤسسات لتقليل الدور البشري بدل توجيهه نحو مهام أعلى قيمة.

يقول موريسون إن الاعتماد الكامل على “الذكالي” قد يؤدي إلى تبسيط مفرط لمشكلات إنسانية معقدة، أو فقدان السياق الذي لا يمكن للأنظمة إدراكه. والنتيجة تكون رسائل عامة لا تعالج الأسباب الحقيقية للمشكلات.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل “الذكالي”. تقول لويزا لوران، مستشارة التحول الرقمي والأعمال، إن “الذكالي” أصبح جزءًا من قراراتنا اليومية، لكن الاختبار الحقيقي هو إلى أي مدى سيبقى الإنسان واعيًا ومدركًا لقراراته قبل أن تتحول السهولة إلى استسلام غير واعٍ.

الاعتماد المفرط على “الذكالي” قد يفاقم المشكلات الحالية ويضيف مخاطر جديدة إذا لم يتم استخدامه بحذر. فالأنظمة قد تعيد إنتاج التحيزات الموجودة في البيانات، مما يؤدي إلى قرارات غير عادلة في التوظيف والترقية والتقييم. كما أن الإفراط في الاعتماد عليها قد يضعف مهارات التفكير النقدي والتواصل بين الأفراد.

أصبح التفكير النقدي أكثر أهمية في عصر “الذكالي”. فمن السهل اليوم اجتياز اختبارات أولية باستخدام النماذج اللغوية، لكن هذه الأدوات لا تستطيع التعمق دون وجود خبرة بشرية مستقلة تقود استخدامها.

وفي كثير من الأحيان، يكون إنجاز المهام يدويًا أسرع وأكثر دقة. فالأشخاص الذين يطلبون من “الذكالي” تنفيذ مهام بسيطة بشكل متكرر قد يضيعون وقتًا أكثر مما لو قاموا بها مباشرة.

وعندما يبدأ القادة في الثقة بالأتمتة أكثر من الوعي البشري، يفقدون السياق الحقيقي، وتزداد الثقة المفرطة في نتائج تبدو دقيقة لكنها ليست كذلك. وفي بيئات يغيب فيها الحوار وتضعف فيها السلامة النفسية، يختفي الدور البشري القادر على مساءلة النتائج.

تقول لوران إن “الذكالي” لا يعارض الثقافة التي يتعلم منها، بل يوسع نطاقها. وفي المؤسسات التي تضعف فيها الشفافية أو تهيمن فيها الهرمية على التفكير النقدي، تقوم التقنية بتثبيت الديناميكيات القائمة، ويصبح التحيز أكثر صعوبة في الاكتشاف لأنه يبدو وكأنه جزء طبيعي من النظام.

وعندما تتقدم الكفاءة أو الربحية على القيم الأخلاقية، قد يؤدي استخدام “الذكالي” إلى إعادة إنتاج التحيزات البنيوية بدل معالجتها. كما أن ضعف الشفافية والمساءلة يجعل من الصعب على الموظفين اكتشاف المشكلات الأخلاقية أو الاعتراض عليها.

المصدر

مقالات ذات صلة