بقلم: لانس هاون
مع تزايد اعتياد الشركات على قرارات تسريح الموظفين، تبقى حقيقة أساسية يتم تجاهلها غالبًا: المعرفة والخبرة التي تغادر المؤسسة لا يمكن استعادتها بسهولة، ومع ذلك ستحتاج إليها الشركة عاجلًا أو آجلًا.
في موجة إعلانات التسريح خلال شهر أكتوبر، كانت الرسالة واحدة تقريبًا في كل مكان. الشركات تعلن عن أرباح قوية ونتائج مالية إيجابية، وفي الوقت نفسه تُبشّر وول ستريت بأن الذكاء الاصطناعي سيجعل العمل أكثر كفاءة ويقلل الحاجة إلى الموارد البشرية.
ومع هذا “النجاح”، جاء السؤال العملي الذي طرحته الشركات الكبرى بطريقتها الخاصة. ماذا نفعل بكل هذه الكفاءة المكتسبة؟ فجاءت القرارات سريعة وحادة. أمازون سرحت نحو أربعة عشر ألف وظيفة في الأعمال الإدارية، يو بي إس ألغت ثمانية وأربعين ألف وظيفة، ونستله خفّضت ستة عشر ألف وظيفة. الرسالة الموجهة للمستثمرين كانت واضحة. نحن ننجز أكثر بعدد أقل من الموظفين.
لكن السؤال الذي لا يُطرح في اجتماعات الأرباح هو الأكثر أهمية. ماذا يحدث عندما تحتاج هذه الشركات إلى نفس هؤلاء الأشخاص مجددًا؟
الحقيقة أن هذا الاحتياج سيحدث في وقت ما. قد لا يكون قريبًا، وقد لا يشمل الجميع، لكن مع تغير السوق، وتوسع المشاريع، وعودة الطلب على مشاريع أكبر من قدرة الفرق المصغرة، ستجد الشركات نفسها أمام واقع صعب. عندها ستكتشف أن أغلب من خرجوا لن يعودوا، وأن من بقوا داخل المؤسسة بدأوا بالفعل في استقبال عروض من المنافسين.
المعرفة التي خرجت مع المغادرين لا يمكن استعادتها بسهولة، وهذا ما يتحول مع الوقت إلى مشكلة أعمق مما يبدو في البداية.
من بقي في الداخل ليس في أفضل حالاته
بعد أسابيع قليلة من أي موجة تسريح كبيرة، يصبح جو العمل مختلفًا بشكل واضح. الاجتماعات تستمر لفترة أطول لكنها تحقق نتائج أقل. الموظفون يصبحون أكثر حذرًا في كلامهم، وأكثر انتقاءً لمن يتحدثون إليه. قنوات التواصل التي كانت مليئة بالأفكار والحيوية تصبح أكثر صمتًا، بينما تزداد المحادثات الجانبية خارج القنوات الرسمية. طاقة العمل تتحول تدريجيًا إلى حالة من التوتر والقلق المستمر.
أفضل الموظفين غالبًا لا ينتظرون طويلًا. هم أول من يبدأ في التفكير بالرحيل، لأن الخيارات أمامهم أكثر، ولأن المنافسين يتحركون بسرعة لاستقطابهم. أما من يبقى، فغالبًا يدخل في حالة انفصال تدريجي عن العمل. الغضب والقلق والشعور بعدم الأمان يتحول إلى عبء يومي ينعكس على الأداء. ومن الصعب جدًا أن تحقق الشركات نتائج أفضل بموارد أقل في بيئة نفسية بهذا الشكل.
وفوق ذلك كله، هناك خسارة غير مرئية لكنها مؤثرة جدًا. كل شخص يغادر يحمل معه جزءًا من الذاكرة المؤسسية. الشخص الذي كان يعرف تفاصيل علاقة مع عميل معقد يغادر. المهندس الذي يفهم نظامًا قديمًا لا يجرؤ أحد على تعديله يخرج من الصورة. الخبرة غير المكتوبة حول لماذا تعمل بعض العمليات بطريقة معينة تتلاشى تدريجيًا. وعندها تبدأ الفرق المتبقية بمحاولة سد الفجوة باستخدام مزيج من الموظفين الجدد، والضغط على الموجودين، وأدوات الذكاء الاصطناعي. لكن الكثير من الوقت يُهدر في البحث عن معلومات كانت موجودة داخل العقول ثم اختفت.
المسرح لا يعني العودة
في الحسابات النظرية، تبدو قرارات التسريح خطوة منخفضة المخاطر. الشركات تفترض أنها تستطيع تحمل فقدان جزء من الإنتاجية والمعرفة، خاصة في سوق عمل يبدو أقل صلابة، ومع تصاعد الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيعوض الكثير من الفجوات.
لكن الواقع مختلف. هناك فجوة كبيرة بين ما تتوقعه الشركات وبين ما يرغب الموظفون في فعله بعد التسريح. في عام 2023، أكثر من نصف من تم تسريحهم قالوا إنهم لا يفكرون في العودة إلى نفس الشركة. وثلثهم رفضوا فكرة العودة بشكل قاطع. وحتى من قد يقبل بالعودة، فإنه غالبًا يشترط تعويضًا ماليًا أعلى بكثير، وفي كثير من الحالات تكون الثقة قد انتهت تمامًا.
من غير المتوقع أن يتغير هذا كثيرًا في السنوات القادمة. فالأشخاص الذين تم الاستغناء عنهم لم يعودوا ينتظرون نفس الجهات التي اعتبرتهم فائضًا عن الحاجة. لقد انتقلوا إلى بيئات عمل أخرى أكثر استقرارًا في نظرهم، وأعادوا بناء مساراتهم المهنية بعيدًا عن مؤسسات شعروا أنها تخلت عنهم عند أول فرصة لتقليل التكاليف.
وفي المقابل، تتأثر سمعة الشركات بشكل مباشر. أغلب المؤسسات التي تقوم بتسريحات كبيرة تواجه تراجعًا في صورتها العامة. التوظيف يصبح أصعب، والمرشحون المحتملون يبدأون في البحث عن تجارب الموظفين السابقين، وقراءة التقييمات، وسماع التجارب الشخصية. كثير من الناس يغيرون نظرتهم للشركة بمجرد سماعهم عن طريقة تعاملها مع موظفيها في أوقات الأزمات.
هذا يعني أن كل عملية توظيف لاحقة تصبح أكثر تكلفة وأطول زمنًا وأكثر صعوبة. وفي الوقت نفسه، المنافسون لا يقفون مكتوفي الأيدي، بل يستغلون هذا الوضع لاستقطاب أفضل العناصر المتبقية.
نهج مختلف لإدارة التسريح
لا يمكن إنكار أن التسريحات تحدث في عالم الأعمال. الأسواق تتغير، ونماذج العمل تتطور، وأحيانًا يصبح تقليص حجم القوى العاملة ضرورة حتمية. لكن المشكلة ليست في الفكرة نفسها، بل في الطريقة التي تُدار بها.
في كثير من الحالات الحالية، لا تكون الشركات في وضع مالي يفرض قرارات قاسية بهذا الشكل، لكنها تختار الطريق الأسرع لتحقيق وفورات قصيرة المدى، حتى لو كان ذلك على حساب العلاقة طويلة المدى مع موظفيها.
الشركات التي تدير هذه المراحل بشكل أفضل لا تكتفي بإعلان قراراتها، بل تستثمر في من يبقى داخل المؤسسة، وتحاول في الوقت نفسه دعم من يغادر حتى ينتقل إلى مرحلة جديدة في مسيرته المهنية بشكل محترم وواضح. الشفافية في شرح الأسباب، وتوضيح المستقبل، وتقديم مسارات نمو حقيقية للموظفين الباقين، كلها عناصر تقلل من حالة القلق وعدم اليقين التي تقتل الإنتاجية.
كما أن المؤسسات الذكية تحافظ على المعرفة قبل مغادرة أصحابها، بدل أن تفقدها فجأة. وتتعامل مع المغادرة باعتبارها جزءًا من دورة حياة طبيعية، لا مجرد تقليل تكاليف. والأهم أنها تحافظ على سمعتها كجهة عمل موثوقة، لأن هذا العامل يصبح لاحقًا من أهم عناصر قدرتها على التوظيف.
إلى جانب ذلك، هناك نماذج أكثر استدامة من مجرد التسريح وإعادة التوظيف. مثل التنقل الداخلي بين الوظائف، وإعادة تدريب الموظفين على مهارات جديدة، والتخطيط المبكر لاحتياجات القوى العاملة بدل التعامل مع كل مرحلة على أنها أزمة منفصلة.
الشركات التي ستتفوق في السنوات القادمة ليست تلك التي تتخذ أسرع قرارات تقليص في عام واحد، بل تلك التي حافظت على أفضل عناصرها، وحمت معرفتها الداخلية، واحتفظت بثقة موظفيها عندما تعود فرص النمو من جديد.
الفاتورة لا تختفي بل تتأجل
عندما تحتاج شركات مثل أمازون إلى التوسع مجددًا، ستتمكن بلا شك من توظيف آلاف الأشخاص. الشركات الكبرى تملك الموارد والقدرة على ذلك.
لكن المشكلة أن ما فُقد لا يعود بسهولة. المعرفة المؤسسية لا تأتي مع الموظفين الجدد. الأشخاص الذين غادروا لن يعودوا كما كانوا، والذين بقوا وفقدوا الدافع لن يستعيدوا حماسهم بمجرد فتح وظائف جديدة.
قد تكون مكاسب الكفاءة الناتجة عن الذكاء الاصطناعي حقيقية، وقد تكون مبالغًا فيها أو مؤجلة. لكن السؤال الأهم هو ما إذا كانت الشركات تحسب التكلفة الكاملة لكل قرار. لأن الفاتورة لا تُدفع فورًا، بل تظهر لاحقًا في المشاريع التي تتعثر بسبب نقص الخبرة، وفي الوظائف التي يصعب شغلها، وفي المواهب التي لا تعود، وفي فرق العمل التي فقدت حماسها.
احسبوا كل التكاليف قبل اتخاذ قرار التخفيض. فالوفر الذي يبدو مغريًا اليوم قد يكون هو نفسه القدرة التي لن تتمكن من استعادتها غدًا.
